فضيلي جماع

لم يكن من أولويات كاتب هذا المقال ، أن يطرق موضوعاً لا يخلو من حساسية وفي هذا التوقيت بالذات. فتلك معركة مؤجلة نعرف متى وكيف ندخلها. ما ينبغي أن يشغل بال كل غيور على السودان هذه الأيام هو كيف نعبر بسفين الثورة وسط هذه الأمواج ، إلى برِّ الأمان. فجميعنا - شعباً وحكومة - منوط بنا إنجاز الهدف الذي من أجله قامت الثورة. ثورة 

بإعلان ميلاد الحكومة الإنتقالية في سبتمبر الجاري تكون ثورة ديسمبر السودانية قد دخلت مرحلة بناء الدولة. تلك مرحلة تختلف آلياتها كثيراً عن مرحلة تفجير الثورة، وما استخدم الثوار لقيادة الصراع اليومي فيها من تكتيك. وفي الحالين - ميلاد الثورة وبناء الدولة - فإنّ الوعي هو المفتاح المشترك. يقول الجنرال الفيتنامي فون جياب صاحب خطة معركة 

في التعريف بمحصلتها النهائية عبر التاريخ فإن الثورة واحدة. هي ردة فعل الإنسان العنيفة على الظلم! يدخل في هذا التعريف ما قام به الأنبياء للتبشير برسالاتهم من أجل عالم يسوده العدل والحرية والمساواة. ويدخل في التعريف ذاته مثالاً ثورة العبيد في مستعمرة فرنسية في المحيط الهادي ، حيث قضوا على أسيادهم الفرنسيين واستولوا على مزارع 

قد يتساءل أحدهم : لماذا كل هذا الحرص من أفراد شعبنا على أدق التفاصيل لقيام الحكومة؟ وقد يضيف: لماذا لا نوكل الأمر لرئيس الوزراء الذي جاء بتفويض شعبي – وفقاً للشرعية الثورية – تفويض ربما لا يحلم به رئيس منتخب في مقبل الزمن الديموقراطي الذي نسعى ليكون؟

قال الشاعر والأديب المكسيكي أوكتافيو باث (1914 - 1998) الحائز على جائزة نوبل في الآداب للعام 1990م، قال: (الثورة هي التمرد الذي يتحول إلى نظرية وإلى نسق.) ولعلّ أهم مرحلة تشير إلى أن الثورة على مشارف النجاح، عندما تضحي الثورة ثقافة ومادة للحديث في البيت وفي الشارع. وثورة ديسمبر صارت مادة للأنس والحوار اليومي في 

طلعت علينا وكالات الأنباء والصحف ووسائط التواصل الإجتماعي أمس الخميس بالأخبار الأكيدة حول تسمية رئيس وزراء الحكومة الإنتقالية وأسماء قادة الجهاز العدلي – وذاك هو العمود الفقري لقيام للمدنية ، دولة المواطنة والمساواة التي قامت بسببها في السودان واحدة من أميز وأكبر الثورات الحديثة في العالم ، ثورة إتخذت السلمية شعاراً ورفعت مبدأ 

في تلك الأيام الموحشة. تلك الأيام البعيدات- القريبات. كثيرا ما كنت أحلم مثل كثيرين في صحوي ومنامي باندلاع الثورة. أرى شوارع مدننا وأزقة قرانا قد اكتظت بجحافل الثوار حتى لم يعد من موطيء قدم لإنسان. ثم ينحسر الحلم متى اغتالت أيدي الزنادقة الملتحين عصفور الشوق الغريد. يودعون صديقك سجناً لا يحمل إسماً أو عنواناً. يسلخون جلد فتاة