ركن نقاش
عيسى إبراهيم *

* كتب د. صبري محمد خليل، أستاذ فلسفة القيم الاسلامية في جامعة الخرطوم، قراءة نقدية للفكر الجمهوري، وسمها بـدراسة نقدية في مفاهيمه النظرية ومواقفه العملية، وجاء في تمهيده "ملخص للدراسة" ذكر فيه "أن هذه الدراسة هي قراءة نقدية للفكر الجمهوري، تعرف الفكر الجمهوري بأنه مذهب فى التصوف الفلسفي المعاصر- على المستوى النظري- وما يلزم من هذا المذهب من نتائج تطبيقية "مواقف سياسية، اقتصادية، اجتماعية..."- على المستوى العملي- واستناداً إلى تعريفه هذا فإن الدر اسة عنده تتخذ موقفاً نقدياً من الفكر الجمهوري على المستويين النظري: المتضمن لبعدين: ديني وفلسفي وعملي، ومضمون هذا الموقف النقدي – على المستوى الأول " النظري " طبقا لبعده الديني– تناول فيه مفاهيم الفكر الجمهوري – حسب رأيه - من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين، التى مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة – وفق تعبيره -، وخلص الدارس بناء على هذه القراءة التي قام بها إلى: أن بعض مفاهيم الفكر الجمهوري تتسق مع تلك الأصول، وبعضها الآخر يتناقض معها، وذكر الدكتور "الباحث" أن أهم متناقضاتها مع الأصول هي مفهوم "وحدة الوجود وما يلزم منه "من امكانية الاتحاد بالذات الالهية، وسقوط التكاليف"، (المصدر: سودانايل 31 يناير 2017):

ونقف هنا في مرافعتنا الأولى أمام الدكتور "الباحث" صبري خليل، ثلاث وقفات مهمات؛ أولاها عن "وحدة الوجود"، وثانيتها "سقوط التكاليف"، وأخيراً وقفة على الهامش نتساءل عن امكانية وجود "تصوف فلسفي"؟، وقبل الذهاب للوقفات الثلاثة، في البال التساؤل في مفتتح المرافعة،: هل تشكِّل الآية القرآنية الكريمة "ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم، إن السمع، والبصر، والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولا"، قيمة في سلم القيم الاسلامية عند الدكتور "الباحث" صبري خليل؟، فإن كانت كذلك، وهي كذلك حقيقة، نبدأ بوقفتنا الأولى:
وحدة الوجود
يقول د. صبري: "أن "وحدة الوجود" عند الجمهوريين، تتناقض مع أصول الدين، من حيث المفهوم، وما يلزم منه من امكانية الاتحاد بالذات الالهية"، (انتهى كلام صبري بالنسبة للوقفة الأولى)، ومن المفترض أن يكون "الباحث" الدكتور قد اطلع على مصادر الفكرة الجمهورية في مظانها؛ كتبها، محاضراتها، ندواتها، أركان نقاشها، موقع الفكرة على النت: (www.alfikra.org)، فقد ورد ما ينفي زعم الدكتور الباحث، جملة وتفصيلا، يقول الأستاذ محمود محمد طه: " والذات الإلهية مثلنا الأعلى في هذا التطور، ولكننا لن نكون جزءاً منها، لأنها لا تتجزأ. ولن نذوب فيها، إلا في معنى أننا نذيب نقائصنا في كمالاتها. ولن نتحد معها، لأنها مطلقة ونحن محدودون.. وإنما أمرنا معها أمر المتطور من بداية الكمال الى نهاية الكمال، لكن هذه النهاية مطلقة، فيصبح حظنا من التطور سرمدياً، مستمراً... فليس لكمال البشر نهاية، لأن نهايتهم الله، وليس لله نهاية.. "وأن الى ربك المنتهى" ولا منتهى.. بإيجاز كمال الإنسان أن يكون الله، ولن يكون لأنه ليس لله نهاية فيبلغها ولا صورة فيكونها وإنما كمال الإنسان، في هذا الباب، أن يكون مستمر التكوين – مستمر التطور من النقص الى الكمال" (أسئلة وأجوبة – الكتاب الأول، يناير 1970م ص 10-11)"، (أها) يا دكتور صبري!، (أوعاك تقول لي ما اطلعت على الكتاب!)، "اعتذارك ما بفيدك"!، و"العملتو كان بي إيدك"! يادكتور صبري:
لو تجلَّى عن ناظريك الغبار
لرأيت الأمور كيف تُدار
ولبانت لديك كما بانت لـ"مو
سى" من جانب الطور نار
وعلى القارئ المتابع أن "يلوك" الصبر معانا شوية!!..
سقوط التكاليف
نعذر الدكتور الباحث صبري خليل، إن كان "مقلداً" لمن سبقوه، وتابعاً في سيره لدارسي التراث الاسلامي، فقد وصموا بها (أعني سقوط التكاليف) كثيراً من أفذاذ الفكر الاسلامي من أمثال ابن عربي، في مغرب العرب، وأحمد البدوي صاحب المقام بـ "طنطا" مصر: "يقولون بطنطا صلاتي تركتها وما علموا أني أصلي بمكتي!"، وعندنا في السودان ذكرت في شان الشيخ السائح (حاج الصديق ود الشيخ العبيد) وابنه ود السائح (الطيب)، وفي شان الشيخ برير ود الحسين في شبشة، ولا نعذرالدكتور صبري في تقليده مكتفياً بالتقليد فحسب، إذ نريده أصيلاً لا مقلدا، وهو الباحث، فالدكتوراة من البحث وأدواته، تكليف لا تشريف، وتؤخذ بحقها في الاجتهاد، والتعب، والنصب، وبذل الجهد، وراء المعلومة، والتثبت منها!، ويقودنا هذا الاستطراد لنقول إن الذي يقول بـ"سقوط التكاليف" يجهل قيمة الصلاة لنا كوسيلة، وليست غاية، ("وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون" ليعرفون!، كيف ليعرفون؟!، "وأقم الصلاة لذكري" فغاية الصلاة ذكر الله، وهيهات!) وسيلة لغاية لا تبلغ سرمداً، لذا فان الصلاة لا تسقط، وانما يسقط التقليد، بوصول العبد إلى عتبات الذات، وبخروج الحجاب الأعظم من بينه وبين ربه (وهو هو التقليد) لكمال تبليغه عن ربه، وليس لنقص في نشأته كما كان حال جبريل مع قدوة التقليد حين تخلف عنه في ملاقاته ربه، و(هو هو جبريلنا)، والصلاة لا تسقط لأنها وسيلة الزيادة، لسفر غير محدود بزمان ولا مكان، وانما لسير يتجاوز الزمان والمكان في اتجاه من لايحوية "المحيط الزمكاني"، ونحن جميعاً آيبون إلى الله، راجعون إليه، ملاقوه، لـ "فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون"، يعطي كل فرد شريعته الخاصة، وسيلة الزيادة التي لا تنقطع أبداً، بل وسرمداً (وهو الزمن المطلق)، وآية الأصالة في القرآن الكريم: "ومثلهم في الانجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه"، حيث يسقط التقليد، ولا تسقط الصلاة، ونكون متأسين بالنبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) أسوة حسنة، وهناك سؤال يتبادر إلى الذهن: لماذا لم تتشابه صلوات الأنبياء من لدن آدم، مروراً بأبيهم إبراهيم، وصولاً لموسى، وعيسى، وانتهاء بحامل لواء حمدهم يوم القيام، النبي الأمي محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم)؟، والذين يأتون بعده ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، وتغبطهم الأنبياء والشهداء، لمكانتهم من الله، وهم من أمة محمد، بعد ختم النبوة، واستقرارها بين دفتي المصحف، وبرؤيته الصادقة، عمدة الأصالة، إذ أن الشيطان لا يتمثل به، ومن رآه في المنام فسيراه يقظة، فالشيطان لا يتمثل به، الرحمة المهداة!، وهذا يكفي هنا، ونعاود الكرة لو عاودها "الدكتور الباحث"!..
تصوف فلسفي؟!
التصوف منذ مبتدئه، بعد انتهاء الخلافة، وابتداء الملك العضوض، وظهور الدنيا بالفتح، وانزواء الدين، وفرار الناس بدينهم، إلى الفلوات، والخلوات، وقنن الجبال، متبعين الطريق النبوي في العبادة، وفي ما يطيقون من العادة، وأدخلوا تعبده وتحنثه قبل البعثة في غار حراء ضمن مجهوداتهم، فالتصوف "نقل" في أوله، و"عقل - ذكر" حين شبوبه، والفلسفة عمل عقلاني بحت، فما هو صلتها بالتصوف؟، والتصوف اتباع لا ابتداع، يقول الأستاذ محمود تحت عنوان "الدين نقل ما عقل": "في عبارة قد تحتاج لتصحيح .. العبارة دي بتقول أن الدين نقل ما عقل .. الدين نقل وليس عقل .. العبارة دي جيدة اذا عرف مضمارها، لكن كثير من الناس أطلقوها بالصورة الامتهنوا بيها العقل .. أصلوا ما في كرامة الا بالفكر (...) ربنا أنزل تشاريعه، وأرسل رسله، وأرسل ملائكته، وأعاننا بالوجود دا كله لتنمو عقولنا.. لكن العقول عندها آفة، هي انو العقول بتنحرف ، بتمشي مع المخاوف ، وبتمشي مع الأماني ، التفكير بينحرف (...) ثم جات رياضات الدين في عباداته كلها لتقوي الفكر، لتحيد الفكر، ان شئتم، لئلا ينحرف مع الرغبة، وانما هو يطلب الحقيقة كما هي (...) فاذا نحن عرفنا لعبارة "الدين نقل ما عقل" حدودها، يبقي نستطيع أن نعطي العقل كرامته .. وما في كرامة بدون العقل (...) فيبقي من ثم أن الفكر المروض هو غرض الدين .. ما يجب أن نظن غير كدا .. اذا نحن جينا للدين بهذا المستوي من الفهم، وعملنا في الدين لنصل الى العقول الصافية، المروضة، القوية، الماشة على الجادة ، المستقيمة، نستطيع أن نكون سادة الآلة، سادة العلم، ولا يمكن الدين، بهذا المستوي، أن يكون عنده عداوة مع العلم .. "، (المصدر: الدين والتنمية الاجتماعية - الطبعة الأولى - محمود محمد طه - ديسمبر 1974 – الصفحة 50 – 54 – الأغواس (...) مع النقاط الثلاثة مواضع حذف)..

*عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.