ركن نقاش

 

* أقدمت الانقاذ في بواكير أيام احتلالها لـ"دست" الحكم في البلاد إلى تغيير العملة السودانية وبالتحديد في العاام 1991 ولما تمضِ في الحكم ما يقارب العامين بعدُ، (في مارس 1992 أحدثت الانقاذ بقصد الأسلمة أول تغيير لمسمى العملة من الجنيه إلى الدينار حيث جعلت الدينار يساوي عشرة جنيهات ومن هنا بدأ التدني والهبوط للعملة السودانية)، وفي تغييرها ذاك للعملة فرضت على الجميع خصم 2% من قيمة الأرصدة التي في البنوك ولم تمايز بين كبير الأرصدة أو صغيرها، وهذه من البدع التي أقرتها الانقاذ في أيامها الأولى حين شرعت في تغيير العملة السودانية، ولم تشفع ذلك بأي تبرير يقنع العقول "حمرة عين ساهي"، وجعلت المواطنين ورجال الأعمال في حيرة من أمرهم، فقد حددت نزراً يسيراً من ما لهم من مال قابلاً للسحب لقضاء حوائجهم المالية وبين المعنيين رجال أعمال ومديرو شركات يديرون أعمالاً ضخمة، ولا يمكنهم الاكتفاء بما حددته الدولة من مسحوبات يومية، وأدخلت الناس في اعسار مفتعل، ولم تجد الانقاذ من يقول لها "عينك في راسك!"، أكثر من ذلك - وحسب الاتهامات التي وجهت لها - استطاعت أن تكشف أرصدة عملاء البنوك وهو أمر محاط بالسرية التامة لدى البنوك بينها وبين عملائها، والانقاذ نظام "مؤدلج" له خصومه السياسيون، ففعلت الأفاعيل حيث اتهمها البعض وخاصة البيوتات المالية الكبيرة في أنها شرعت في فرض ضرائب الأعمال على ما يملكون من أموال، لا على ما يجرون من أعمال خلال عام الربط، وكان ذلك مؤشراً – مع حاجات تانية حامياني - لاحلال منسوبي الحركة الاسلامية ليرثوا البيوتات القديمة الراسخة في دنيا المال والأعمال!!..
هروب الكتلة المالية إلى ملاذات أكثر أمناً
* لقد أفرزت هذه الترتيبات كارثة بالبلاد، حيث فقد الناس ثقتهم في المصارف لانكشاف حال المودعين عنوة واقتداراً، وكان رد الفعل الطبيعي هو هروب الرأسمال من المصارف إلى ملاذات آمنة أخرى، حيث ظهرت تجارة الخزن المالية المنزلية وسحبت الأموال لتودع فيها وقد قدر مراقبون ماليون آنذاك بأن المتداول من أموال داخل المصارف الموجودة لا يتجاوز 5% من حجم الكتلة المالية المتداولة في البلاد، وخرجت الكتلة المالية الحيوية من مواقعها التقليدية لتتنسم عبير الحرية خارج المصارف!!..
الكتلة المالية والانتاج
* الكتلة المالية والانتاج لهما علاقة تبادلية مهمة، فالكتلة المالية هي التعبير المالي للانتاج في استواء معقول، والانتاج هو تعبير مكافئ للكتلة المالية، واي خلل بالزيادة أو النقصان في أيٍّ من الطرفين يؤدي الى تغيير ايجابي أوسلبي في الطرف الآخر، فزيادة الانتاج على حجم الكتلة المالية يؤدي إلى انخفاض أسعار السلع (ظاهرة الوفرة: زيادة العرض وقلة الطلب، من ما يشجع المنتجين لتقليل انتاجهم للمحافظة على عائداتهم)، والعكس صحيح في حالة زيادة الكتلة المالية على حجم الانتاج تنخفض القوة الشرائية للعملة المكونة للكتلة المالية (ظاهرة الندرة: قلة العرض وزيادة الطلب)، هذا بصورة عامة ومبسطة!!..
الأزمة "السياقتصادية" الراهنة
* كما هو معلوم أن الانقاذ أدارت ظهرها بالكلية للانتاج منذ أيامها الأولى، ولم توله أي اعتبار حتى بعد ظهور البترول، وشرعت في بيع وتصفية الممتلكات العامة مثل النقل الميكانيكي والنقل النهري وسودانير والخطوط البحرية السودانية ومصانع النسيج والغزل الرفيع وخروج السودان من انتاج القطن وتحطيم مشروع الجزيرة وغيرها كثر، واتجهت بكليتها نحو الاقتصاد الريعي، وحينما عجزت عن مواجهة الواقع المؤلم شرعت في زيادة الكتلة المالية بطباعة العملة بأرقام فلكية من ما ضعضع الجنيه السوداني وجعله ينهار أمام الملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار حتى تجاوز الدولار حدود الـ "42" جنيهاً في وقت وجيز واتجهت الحكومة بصورة صناعية إلى حجز السيولة من التداول وخددت سقفاً للمودعين لا يتجاوزونه وأخفت العملة من فئة الخمسين جنيهاً وروجت أن هناك عملات من فئة الخمسين جنيهاً مزورة، ومن هنا فقد حكم العالمون ببواطن الأمور أن الحكومة تعيش أكثر أيامها حلكة، وأن المشكلة سياسية بامتياز وليست اقتصادية لتفشي الفساد المؤسسي وعدم استطاعة الانقاذ السير في الطريق الصحيح لانقاذ ما يمكن انقاذه، وقد عاش المودعون في هلع لمحاولتهم سحب ودائعهم للمحافظة على قوتها الشرائية وتحويلها إلى ودائع دولارية أو وضعها في أراضي تحافظ على قوتها الشرائية ولكنهم عجزوا عن ذلك بتدابير السلطة الحاكمة، التي هي بصدد فك السيولة الآن لأصحابها، فما الذي سيحدث؟!..
اقتناء الخزن الخاصة
* رصدت( التغيير الاكترونية) في جولة بالخرطوم، زيادة الاقبال على شراء خزن الحديد الخاصة بحفظ الأموال وذلك عقب الاجراءات الحكومية الجديدة التي حددت مقدار السحب بالبنوك بمبلغ عشرة آلاف جنيه، وأظهر عملاء البنوك خلال الايام الماضية غضبا شديدا من قرار تحديد السحب كما حذر خبراء اقتصاديون من ان العملاء قد يفقدون الثقة في النظام المصرفي، وقال على حسن، بائع خزن بالسوق العربي بالعاصمة الخرطوم لـ (التغيير الإكترونية) أمس، أن مبيعات الخزن الحديدية في متجره تضاعفت ثلاث مرات خلال الشهر الحالى، مرجحا ذلك الى ان العديد من الناس أصبحوا يفضلون حفظ اموالهم بعيدا عن البنوك ليتصرفوا فيها وقت مايريدون واضاف "كنا نبيع في اليوم 3-4 خزن والآن نبيع اكثر من 15 خزنة في اليوم الواحد واكثر الشرائح طلبا للخزن هم رجال الاعمال ومديرو الشركات ومن شرائح أخرى"، (التغيير – 22 فبراير 2018 - الخرطوم)..
الانقاذ والذاكرة المثقوبة
* أثبتت الأيام أن الانقاذ ليست لها ذاكرة البتة، أو لها ذاكرة مثقوبة، فبين هروب المال الخاص من المصارف إلى ملاذات البيوت والخزن الخاصة عند تغييرها للعملة في العام 1991 وتضييقها الخناق على الرأسماليين في ودائعهم وهروب الكتلة المالية منذ ذلك الوقت لتتداول خارج المصارف بنسبة 95% وإلى الآن، وهاهي تكرر فعلتها القديمة بأسس جديدة فحبست السيولة المالية من التداول وحددت سحب الودائع الخاصة بسقوفات متدنية بحجة صناعية واهية هي مواجهة تدهور العملة الوطنية، وما هكذا يواجه تدهور العملة الوطنية، وهم من ضعضعها بطباعة العملة بلا رقيب ولا حسيب، وهاهم المواطنون يتدافعون الآن لسحب ودائعهم للحيلولة دون تدهور قيمتها الشرائية أكثر، ولن تعود الكتلة المالية الخاصة إلى المصارف وستهرب إلى ملاذات آمنة "دولار، ريال، شيك سياحي، استرليني"، "ذهب"، "أراضي"، وهكذا تدار البلاد بـ"الناكوسي" بلا علمٍ ولا هدى ولا كتاب منير!!..

* عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.