ركن نقاش

* ليست الانقاذ بدعاً بين الأنظمة "السياسية"، أو"العسكرية"، أو"العسكر- حزبية"، التي تعاقبت على حكم البلاد، منذ فجر الاستقلال وحتى اليوم، فالقاسم المشترك الأعظم بينها هو غياب الرؤية التي توجه حكمها للبلاد، لذا كان التخبط والعشوائية هما أسياد الموقف في فترة الحكومات المتعاقبة السابقة والتي تسنمت الحكم منذ المبتدأ وحتى يومنا الراهن، والرؤية هي جماع النظرة الكلية الموجهة والمحددة للغاية من نظام الحكم والوسائل التي تحقق تلك الغاية، والرؤية هنا هي ضابط وموجه البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعينة لتحقيق هدف الرؤية الكلية!!، ولكن الانقاذ – كما سنرى - كانت أكثر الحكومات في تمثيل غياب الرؤية المطلوبة!..

"بعد إيه جيت تصالحني؟"
* بعد انقسام الحركة الشعبية شمال (الحلو – عقار، عرمان)، انتشت الانقاذ الـ "فضلت" بذلك الانقسام واهتبلت الموقف لتعرض على الحلو قائد الانقسام في الحركة الشعبية حكم ولاية جنوب كردفان (قال مبارك أردول - الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان - مفسراً استجابة الانقاذ السريعة: "جاء حديثهم إستجابة لما يطلبه المستمعون من القوميين النوبة والخط الذي طرحه الرفيق عبدالعزيز آدم الحلو" - سودانايل 4 أغسطس 2017 )، قال والي جنوب كردفان الحالي "عيسى آدم ابكر": "أوجه رسالة لعبد العزيز الحلو وإخوانه ونقول لهم ما دايرين حرب"، واضاف "يا عبد العزيز تعال بكل عزة، ولو داير والي او وزير نحن جاهزين، تعال ألعب معانا الكرنق والكمبلا والمردوم وتعالوا يا ناس الجيش الشعبي للسلام" (سودانايل غرة أغسطس 2017 - الحكومة تطلق نداءً للحلو وتعرض عليه حكم جنوب كردفان)، كما أن البشير لدى مخاطبته حشوداً في استاد كادقلي قال: "انا عارفكم وعشت بيناتكم وبعرف كل المكونات والنسيج الاجتماعي بالولاية وكيف كانت العلاقات متميزة بينكم حتى دخل الشيطان وخرب وقتل وشرد الناس وعطل التنمية"، (بي قوة عين درعوها في الشيطان)، واضاف "فلنعقد مقارنة بين التنمية في فترة اتفاقية السلام وما بعد الكتمة"، وزاد "شنو الفايدة الجابتها البندقية غير وقفت التنمية" وتناسى رئيس الجمهورية ووالي الولاية الحالي أسباب الحرب الجارية الآن في الجنوب الجديد (جنوب كردفان والنيل الأزرق) والذين كانوا هم من أشعلها بقيادة منافس الحلو "أحمد هارون" في انتخابات ولاية جنوب كردفان، حيث ظهرت نتيجة الانتخابات المشكوك في حيادها من قبل جميع الأحزاب السودانية التي ساندت الحلو ابتداءً من الحزب الاتحادي الديمقراطي مروراً بحزب الأمة وصولاً للحزب الشيوعي، ظهرت النتيجة بفوز هارون على الحلو وأعلن الحلو مقاطعتهم لحكومة جنوب كردفان وامتناعهم عن المشاركة فيها احتجاجاً على التزوير المكشوف فسعت الانقاذ بـ"القوة" من "غير حق" تسنده الاتفاقية لتجريد جيش الحركة الشعبية من السلاح المحمول وفق اتفاقية نيفاشا، والتي لم تستكمل مصفوفاتها "المشورة الشعبية" في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق والهادفة لمعرفة كيف نحكم لا من يحكمنا، فاشعلت الحرب هناك وأذكت أوارها، ثم جاءت الآن لتعرض كراسي الولاية والوزارة على الحلو، فاذا كانت هناك رؤية للانقاذ من مبتداها لما لجأت لهذا التخبط الذي أراق الدماء وعطل التنمية كما يقول البشير!، (المصدر السابق)..
العروبة اللسانية أم العرقية؟
* نحن نعلم أن النزاع بين رعاة دارفور ومزارعيها قديم قدم التاريخ السوداني، وانحصر في تعدي رعية الرعاة على زراعة المزارعين هناك، وكانت الأعراف المرعية قادرة على حسم هذه النزاعات في يسر وفي كفاءة موروثة من الادارات الأهلية المتعاقبة على المنطقة، ونعلم أيضاً أن الاستعانة بفرسان الرعاة لم تبدأ في فترة الانقاذ وقد استعانت بهم حتى الحكومات الحزبية في تهدئة حدة الصراع الجنوب شمالي، والذي جد في الأمر اختلاف نوعي أدخلته الانقاذ في الصراع هناك بانحيازها بصورة عنصرية للرعاة ضد المزارعين أصحاب الحواكير الزراعية، وأولى تساؤلاتنا المنطقية هي ما الذي جعل الانقاذ تنحاز إلى عروبة العرق وتعطي ظهرها لعروبة اللسان؟!، والحديث النبوي حاسم "ليست العربية بأب لأحد منكم أو أمّ، وإنّما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي"؟!، والمعلوم أن حركات دارفور المسلحة نشأت وترعرعت على أرضية حكم الانقاذ، حركة عبدالواحد، وحركة مني أركو مناوي، وحركة خليل إبراهيم، وكلها جاءت تعبيراً عن القهر والظلم الواقع على عروبيي اللسان في دارفور (الفور، الزغاوة، المساليت الخ)، وسبقهم في الانحياز إلى نداء القبيلة والتخلي عن الآيدلوج المرحوم "الاسلامي" داؤد بولاد رئيس المجلس الأربعيني لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم (وكان تحت سيطرة الأخوان المسلمين)! ..
اتهامات جائرة لطلاب دارفور
* نحا كاشا والي النيل الأبيض، وتبعه الطيب مصطفى صاحب صحيفة الصيحة، إلى اتهام الأعداد المهولة من طلاب دارفور بأنهم طلاب الحركات المسلحة بلا بينة ثابتة، وانما هو القول يلقى على عواهنه بلا تدبر، وهو أمر مجحف، وتسييس لقضية طلابية بحتة، الطيب مصطفى (الخال الرئاسي) كان قد طالب الحكومة بحسم من أسماهم "المتمردين" في إشارة إلى طلاب جامعة بخت الرضا وتساءل في مقال له "ما هو الفرق بين متمردين تقاتلهم قواتُنا المسلحة وقوات الدعم السريع في ساحات القتال، ومتمردين يتخفُّون تحت بطاقة (طلاب) ويقترفون ذات الجرائم التي يرتكبُها رفاقهم في الميدان فيقتلون ويحرقون ويدمرّون ولا يخفون انتسابهم لتنظيم عبد الواحد محمد نور الذي يشن الحرب على الدولة في دارفور؟!"، كاشا والي النيل الأبيض ذكر في مؤتمره الصحفي أن طلاب المعارضة فشلوا في تقديم لستة تمثلهم في انتخابات اتحاد الطلاب وحينما أعلنت الجامعة عن فوز اللستة الأخرى بالتزكية لم يعجب ذلك طلاب الحركات المسلحة (صفوة القول – بابكر يحيى – تفاصيل صادمة على لسان كاشا – الصيحة – 29 يوليو 2017 – صفحة 9)، كمال الزين عضو لجنة ادارة أزمة طلاب دارفور بجامعة بخت الرضا نفى أن يكون طلاب دارفور واجهة للحركات المسلحة واعتبره اتهاماً باطلاً، عبده اسحاق ممثل هيئة محامي دارفور قال: انهم لاينفون الانتماء السياسي عن الطلاب المفصولين، لكنهم لايتبعون للحركات المسلحة، وكشف عن مبادرة من البرلمان والهيئة وروابط طلاب دارفور لحل الازمة، مع التمسك بالجانب القانوني في حالة عدم التوصل الى حل، وانهم سيصعدون القضية الى وزارة التعليم العالي لتقديم طعون ادارية (التغيير 2 أغسطس 2017 - طلاب دارفور يتجهون لمقاضاة الطيب مصطفى)، (البشير في كادقلي: "مافي حاجة اسمها نوباوي وعربي، ونحن سودانيين ولازم ننبذ القبلية"، ونقول: "البيحدث في دارفور دا شنو؟!"، "ما قبلية عدييييل يا البشير؟!")، أين الرؤية؟!..
الصلب: جدل الكيفية
* وفي مثال ناصع لغياب الرؤية وتسيُّد التخبط في حكومة الانقاذ، يقول همزة محمد نور الزبير (ذكرياتي.. من أوراق قاضٍ سابق..): كان يفترض أن تبدأ المرحلة الثانية لتنفيذ الحكم بصلبه (يقصد المرحوم الواثق صباح الخير) مباشرة بعد اعدامه، إلا أننا فوجئنا بعوض الجيد مستشار نميري وحوله عدد من الاشخاص (...) وهم يتجادلون حول كيفية تنفيذ عملية الصلب، بينما جثة الواثق تتأرجح كبندول الساعة وهي معلقة بحبل المشنقة، بعضهم يقترح أن يطلب إلى ورشة النجارة بالسجن أن تصنع صليباً من الخشب لتعلق عليه الجثة، والبعض الآخر يقترح أن تشد الجثة بحبل من الأيدي على قوائم المشنقة بحيث تظهر كأنها معلقة في صليب، وعندما طال الجدال سألت عوض الجيد من السبب وراء الاستعجال في تنفيذ الحكم بعد يومين من تأييده، وقبل التوصل إلى الكيفية التي تنفذ بها عملية الصلب، فرد بأن الاستعجال تم نتيجة الضغوط التي مارسها عباس مدني وزير الداخلية لأن الواثق مجرم خطير - على حد قوله - ولا يتحمل مسؤولية الاحتفاظ به..
تشظي الحضاري
* أكبر دليل على غياب الرؤية في المشروع الحضاري هو تشظي مكونات الانقاذ: الترابي وجماعته "الشعبي"، أمين بناني نيو وجماعته "العدالة والتنمية"، غازي صلاح الدين وجماعته "الاصلاح"، الطيب زين العابدين وجماعته "التغيير الآن"، ثم سائحون، وود ابراهيم، ود. حسن مكي، والافندي، وخالد التجاني، والغريبة أنهم حينما خرجوا لم يذهب أحدهم إلى الآخر وإنما انفرد كل بجماعته وتسميته!!..

*عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.