عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هدف النقاشات الديمقراطية الأول هو التأكيد على صحة الوقائع وسلامة البيانات وهذا يتطلب إفراغ المعلومات من خزائن بيوت التنظيم وصدور الناس, وهو ما أطلق عليه الروس قبل الزلزال (العلانية). فالمعلومات هي أساس ديمقراطية النقاش, والمشاركة الجماعية الحقيقية في التقييم والتعرف على الأخطاء ونقدها وبيان أساسها المادي ليتم التعلم منها.
والشباب هم الأكثر قدرة على تقديم الأفكار الجديدة متى ما تحقق ما أشرنا اليه, فمعارفهم أكثر تطوراً وامكانياتهم أكبر بعد ثورة المعلومات والاتصالات, والطبيعي أن يبز التلميذ أستاذه وإلا توقفت الحياة وهذه أولى عتبات تقييم عملية يوليو الكبرى.
وهذا ينقلنا مباشرة الى مفهوم القيادة الجماعية كما شرحه (عبدالخالق): بأنها لا تنحصر في حيز انتظام انعقاد الاجتماعات واقامة المكاتب المتخصصة فقط, بل تكمن في معالجة (التفاوت بين الكادر) من حيث المعارف والقدرات والإمكانيات بما ييسر للجميع المشاركة العملية في رسم سياسات الحزب (والمشاركة الحقيقية في تقييم أداء الحزب) و(المشاركة في تقييم عملية يوليو الكبرى).
ومن أسباب التفاوت الذي أشار اليه عبدالخالق (احتكار القيادة للمعلومات) وحجبها عن العضوية.
أنظر: يوسف حسين, الناطق الرسمي وهو يؤكد على استلام قيادة الحزب لرسالة عبدالخالق الأخيرة ولكن القيادة لا ترغب في نشرها على العضوية..!! وبعد أربعين سنة. والرسالة كان موضوعها عملية 19 يوليو.
وهذا يشير بوضوح الى (إخفاء المعلومات) من جهة وان الذين تمسهم الرسالة لا يزالون في قيادة الحزب. وهذا من أهم الأسباب لغض طرف تقرير الحزب عن 19 يوليو عن اغتيال عبدالخالق والقادة الآخرين وهذا يدفعنا للبحث عن الاجابة على السؤال: من قتل عبدالخالق؟
ان المساواة في الحقوق والواجبات بالنسبة لعضوية الحزب هي ازالة التفاوت واطلاق سراح المعلومات (فاذا انعقد اجتماع – مثلاً – وحضره مائة عضو أو ثلاثمائة وكان من بينهم فئة قليلة تملك وحدها المعلومات والبيانات والتفاصيل و(الثقافة) فان ذلك الاجتماع يكون ديمقراطياً شكلاً. في الحقيقة فان الفئة القليلة ستقود الأغلبية نحو الوجهة التي ترغب بتبني الأغلبية لوجهة نظر الأقلية الممسكة بالخيوط وناصية الموضوع!!).
وموضوع العرض هذه المرة يتضمن صوراً من الأيام الثلاثة (19-22 يوليو 71) وكذلك من الأيام الأربعة التالية, حتى تسليم (أمن السكرتير) للسكرتير وموجز ما جرى في الضفة الأخرى عن تلك الأيام في توثيق 14 أغسطس الهام والخطير.
الاستعداد للاستقالة من السكرتارية
عملية يوليو الكبرى (الحل العملي للحزب الشيوعي واقصاءه عن الحياة العامة) قادها ونظم تفاصيلها مكتب الرقابة المركزي أو (أمن الحزب) لسنوات طويلة تحت اشراف المخابرات الأمريكية منذ 1958م واشتد أثرها من بعد العام 1962م. واستمد المكتب والحلقات حوله القوة الخفية والسطوة لأنه كان خارج الرقابة الحزبية وبالذات رقابة القواعد.
وحتى من بعد حل المكتب فإن مناهج (الرقابة) و(الأمن) و(الحماية) لم تتبدل وبالذات احتكار المعلومات خارج الرقابة الحزبية بما يتيح تزويرها أو فبركتها.
ونود التنويه أن الكشف التاريخي, وحصر أعداد الضحايا لن يكون دقيقاً دون مشاركة العضوية والعضوية السابقة والقوى الديمقراطية اللصيقة بالحزب خاصة وان مكاتب (المعلومات) المتعددة اختلط نشاطها المخطط بسيادة المركزية المطلقة, والغاء أو تقييد الديمقراطية الداخلية وساعد في تقويتها ظروف السرية وحظر النشاط الديمقراطي والجماهيري والمطاردة فأختلط حابل هذه بنابل تلك فأستندت (العملية) على رايات (الاستهداف) و(أعداء الحزب) لترفع في وجه كل الذين واجهوا بالنقد والنشاط العملي المركزية المطلقة.
لذلك اكتفى هذا التوثيق بنماذج قليلة موثقة للضحايا لبعض قيادات ولأن هدف (العملية) تواصل الى سنوات طويلة فإن أشكال الحل العملي اتخذت صوراً كثيرة وقامت في معظمها على الاجراءات الادارية والتنظيمية (عدم التوصيل بالسنوات) (الايقاف عن النشاط بالسنوات) و(التوصيل مع ايقاف التنفيذ) و(الحملات العامة لتكوين رأي عام في الحزب) و(الفصل من العضوية).. الى آخر. وهذا ميدان وحده.
وعرضنا نجاح مكتب الرقابة المركزي في إبعاد قاسم أمين من قيادة الحزب في 1963م ونفتتح عرض تلك الأيام الثلاثة بفشل ذات المكتب في إبعاد عبدالخالق من قيادة الحزب في 1968م حيث تعرفنا من خلال عرض هذا الفصل لمحاولات الإبعاد الأخرى: الاعتقال/ النفي/ الإبعاد من القيادة وحتى الاغتيال والصمت بعد الاغتيال.
كتبت سعاد ابراهيم أحمد (صحيفة الخرطوم – 12 مايو 2007)
"موقفي من حكاية زواج عبدالخالق 1968م كان مغايراً لبقية زملائي في الحزب, وكتبت وأوضحت أن الزواج اختيار شخصي والحزب ليس له دخل في الموضوع. وأنا أطالب بهذا الحق لنفسي ولذلك أمنح هذا الحق عبدالخالق. وان البعض شنوا حملة على اختياره ورفضت أن أشارك في هذه الحملة".
اشارة من الكاتب
الحملة الحزبية التي تدبرها قيادات خارج الاجتماعات الحزبية تهدف الى إثارة رأي عام داخل الحزب ضد القيادي المراد إبعاده من القيادة أو إجباره على الخروج وتتخذ أشكال مختلفة, أبرزها الهجوم في الاجتماعات الموسعة واجتماعات القيادات وغيرها. ويتم الترتيب وتوزيع الأدوار خارج الاجتماعات بحيث لا يبدو في الظاهر أنها (مؤامرة). وأكثر القيادات التي تعرضت لحملات عامة منتظمة هي فاطمة أحمد ابراهيم.
وتواصل سعاد
"لا أنسى أبداً اجتماع اللجنة المركزية 1968م عندما كان محور الصراع زواج عبدالخالق وأذكر أنه جاء محمد أحمد سليمان مسئول الرقابة والمطبوعات وقرأ كراساً كاملاً كان فحواه أن عبدالخالق له علاقات مشبوهة مع حزب الأمة, وأنه فرط في الحزب لصالح حزب الأمة.. وتحدث كذلك أحمد سليمان. الشفيع لم يتحدث لأنه كان رئيس الاجتماع..".
"تحدث عبدالخالق وقدم درساً فيما يخص الإنتماء للحزب الشيوعي. وماهو معناه وماهي المسائل الشخصية والعامة ومعناها. وختم حديثه بأنه شيوعي وله استعداد بأن يستقيل من سكرتارية الحزب ويصبح عضواً يمارس عمله في الجبهة الثقافية.
"وتحدث عن النفاق الاجتماعي الذي يجعل الناس يخلقون علاقات خارج نطاق الزواج ويقبل منهم.. وان النفاق الاجتماعي يصل لدرجة التدخل في خيارات الناس في الزواج. وهو لا يسمح لأحد أن يتدخل في خياراته وهو مستعد اذا شاءت اللجنة المركزية أن تزيحه ويصبح عضواً عادياً.
وفي التوثيق لشهادة (السر النجيب) بصحيفة الخرطوم نوفمبر 2001م
في خطة مكتب الرقابة المركزي لإبعاد عبدالخالق من القيادة طلب محمد أحمد سليمان بحضور عضوين من اللجنة المركزية من السر الذي كان ضمن عضوية مكتب الرقابة السفر وحضور مؤتمر الشباب العالمي ورفع تقرير عن (نعمات) بعد متابعة حركتها بدقة. سافر السر ورفع التقرير (غير المفبرك) والذي لم يكن كما تمناه محمد أحمد سليمان وفشلت فكرة (التقرير) لإجبار عبدالخالق على الإبعاد وتم إبعاد السر من مكتب الرقابة.
وأفادني مختار عبيد (الرجل الثاني في مكتب الرقابة المركزي) أنه عند خروجه من الحزب 1968م وتأسيس حز جديد (العمال والمزارعين) قابله أحد أعضاء اللجنة المركزية وانتقد ما قام به وأن (عمله الفردي أربك خطتهم للخلاص من عبدالخالق نهائياً).
وكتب مقدم العرض بصحيفة الخرطوم نوفمبر 2001م
"إن الخلاص من عبدالخالق ظل من القضايا التي تؤرق كل أعداء الحزب الشيوعي بما فيهم قيادات في الحزب نفسه.. ان بعض القادة الشيوعيين قبيل انعقاد اجتماع الكادر في اغسطس 1970م, حيث كانوا على ثقة تامة في الحاق الهزيمة بعبدالخالق وجماعته و(الخلاص) من قيادته التي ظلت حجر عثرة أمام تنامى علاقات الحب المضطربة مع (مايو نميري) وحلاوة السلطة, لم يخف بعضهم (الرغبة الملعونة) فقاموا بتحديد المواقع الحزبية الجديدة للقيادات الشيوعية المناوئة.. مناوئة لثورة مايو الظافرة ومن ذلك أن يكون عبدالخالق محجوب مسئولاً عن التعليم الحزبي.. الى آخر ولم يقتصر (انقلابهم الحزبي المأمول) على أعضاء اللجنة المركزية بل حتى الذين خارجها.
التعبئة واقامة المليشيات
× أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي مساء 19 يوليو 1971م خطاباً داخلياً لعضوية الحزب ومنظماته وأصدقاء الحزب وركز الخطاب على (تأمين الثورة) وطلبت منهم جميعاً بداية العمل من مساء ذلك اليوم بحراسة مراكز العمل والأحياء وأن ينظم عمل جماهيري واسع للسيطرة على العاصمة وتأمينها وطالبت بقيام فرق مسلحة بالاعتماد على الشباب والطبقة العاملة, وارسال مدربين للأقاليم. كما نادت بمحاربة أي تعجل يساري أو شعارات انعزالية كما دعت الى ضرورة المحافظة على أجهزة الحزب السرية وكادره السري.
وكتب الرائد م/ عبدالله ابراهيم الصافي – كتاب شهادتي للتاريخ
"الزراعي سيد أحمد محمد خير تم اعتقاله لكتابته دراسة لإنشاء مليشيات لحماية ثورة 19 يوليو وقدمها الى الرائد هاشم العطا. ولسوء حظه وجدت من ضمن الأوراق في مكتب هاشم العطا".
وفي يوم 20 يوليو 1971م صدر البيان الجماهيري من اللجنة المركزية بعنوان (ذهب الزبد جفاء) أوضح مساويء النظام السياسي وديكتاتوريته وسوء الأوضاع الاقتصادية.
وكتب محجوب عمر باشري (كتاب اعدام شعب)
"كان عبدالخالق مناوئاً للعملية العسكرية في 19 يوليو ونصح هاشم العطا أن الأوضاع الدولية والاقليمية جميعها ضده ولكن هاشم وابوشيبة تمسكا بأن التكتيك الجديد هو الاستيلاء العسكري على الحكم".
"وفي يوم 20 يوليو خرج عبدالخالق الى الشارع وقد ذهل عندما شعر بالوجوم والاستخفاف بهذا الانقلاب المفاجيء.. والجماهير التي جأرت بالشكوى من نميري لم تتجاوب مع الانقلاب".
"وفي يوم 20 يوليو ذهب عبدالخالق الى ام درمان والتقى ببعض الزملاء القدامى الذين جمدوا عضويتهم بالحزب واستفسر منهم عن الأحوال فتأكد له أن الانقلاب فاشل.
رجع عبدالخالق للانقلابيين ونصحهم أن يدبروا أمرهم. ولكن كانت القوات والقيادات خارج الخرطوم تبرق مؤيدة للانقلاب وجريدة القوات المسلحة تنشر برقيات التأييد والاذاعة السودانية تبث تلك البرقيات".
"وفي مساء 20 يوليو عقد عبدالخالق اجتماعاً ضم الانقلابيين وقيادة الحزب وشرح لهم السلبيات والايجابيات لحركتهم وكان متشائماً وكان يناقشه جوزيف قرنق ويطمئنه ان الموقف محكم".
"في يوم 22 يوليو 1971م ظهر عبدالخالق في المسيرة التي نظمها الشيوعيون. وبعد المسيرة ذهب الى مكتب أحد أصدقائه من الذين ألحقوا بمؤسسة تجارية أممت وقد أفاض في الحديث. وقال أنه يتوقع الفشل للانقلاب بالرغم من أن الجماهير كرهت ديكتاتورية نميري وبالرغم من أن نميري غزا أبا وقتل الامام الهادي وبالرغم من أن النميري أمم وصادر. وقال انه ما زال يفكر في التغيير ولكن استغلال الجيش سيكون له رد فعل.. وسينبه كل الأطراف الى الانقلابات".
تأييد الوحدات العسكرية
1/ القيادة الجنوبية والقيادة الشرقية وسلاح المدفعية بعطبرة أيدت برقياً حركة 19 يوليو يوم 20 يوليو وعادت وأرسلت برقيات تأييد بعودة نميري و"ضرب الخونة بيد من حديد" وفي عطبرة لم يعترض على تأييد 19 يوليو إلا الرائد حمودة الشيخ.
2/ وفي بورتسودان اجتمع قادة أسلحة البحرية والدفاع الجوي والمدفعية والمدرعات وأيدوا الحركة يوم 20 يوليو وبعد الهزيمة أرسلت برقيات تؤيد رجوع نميري.
3/ وفي القيادة العامة اعترض على حركة 19 يوليو العقيد محمد عبدالقادر والرائد كمال أبشر "الاستخبارات العسكرية".
4/ لواء الجبهة المصرية بعث ببرقية تأييد لحركة 19 يوليو وتم فصل قائده العميد حسن أمين صالح ومؤيدو الانقلاب النقيب حيدر المشرف والنقيب علي يوسف "الميز" والمقدم الطيب حسن الذي صاغ برقية التأييد وهكذا توالت برقيات التأييد من كل الوحدات داخل وخارج الخرطوم.
(المصدر: الرائد عبدالله ابراهيم الصافي)
وكتب ابراهيم حاج عمر (كتاب من وحي الذكريات) ص 94:
"خرجت الجماهير المؤيدة للحركة في مواكبها مؤيدة ومباركة رافعة الشعارات واللافتات الحمراء, هاتفة بشعارات يسارية بحتة. أما الجماهير الصامتة وبحسها الصادق عرفت ان الحركة حركة يسارية ومن ورائها الحزب الشيوعي السوداني وأذكر جيداً ان الجناح المنقسم والمؤيد لحركة مايو عقد اجتماعين في 21 و22 يوليو لتقييم الوضع واصدار بيان يحمل تقييماً للأحداث. وكان اجتماعنا في ام درمان تتجاذبه فكرتان: فكرة ادانة مطلقة والمطالبة باطلاق سراح قادة مايو والشيوعيين وتحمل الحزب الشيوعي جناح الأمين العام مسئولية كاملة للعملية التي ستدمر الحركة الثورية وستلحق بها أضراراً جسيمة وهذا الرأي تبنته مجموعة الجزيرة وآخرون. والفكرة الثانية تتبنى فكرة التريث حتى تتضح الرؤى ويتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. ونحن على وشك الوصول للاتفاق جاءتنا اشارة تلفونية من احدى الزميلات وأظنها محاسن عبدالعال تؤكد خروج نميري من المعتقل".
اشاره
أضاف الاستاذ ابوبكر الامين محمد إلى توثيق عملية يوليو الكبرى (14) صوره اخرى فكتب:
إثر وصول خبر رحيل الزميل قاسم أمين ، القائد العمالي التاريخي للحزب الشيوعي وجهت قيادة الجبهه الديمقراطيه بجامعة الخرطوم عضويتها بالمشاركه في المأتم واستقبال الجثمان في مطار الخرطوم والمشاركه في التشييع ، وعمل عدد من الزملاء على صياغة وطباعة كلمة ناعيه تعبر عن تقدير أعضاء الجبهه الديمقراطيه لتاريخ ونضال واسهامات القائد العمالي قاسم أمين وقد تم انجاز تلك المهمه رغم صعوبة الطباعه في ظروف السريه وضيق الوقت وتضمنت بعض اشعار كمال حليم.
وكلف عدد من الزملاء بتوزيع بيان النص في موكب التشييع وتدافع الزملاء نحو المأتم منذ الساعات الاولى للخبر و وصل البعض منهم راجلا من داخليات الجامعه حتى مكان المأتم. وظلوا طوال الليل هناك وعند تحديد موعد وصول الجثمان تحرك عدد كبير من الزملاء نحو المطار وشارك في نقلهم زميل كان يعمل بالجامعه و وفر إحدى سيارات النقل التى كانت تحت تصرفه.
وفي المطار تعالت الهتافات عندما خرجت العربه التي حملت الجثمان وفي رفقته الشاعر الراحل عمر الطيب الدوش. وعاد الجميع في رفقة الجثمان حتى منزل الفقيد.
ومن ثم شاركت الجبهه الديمقراطيه في التشييع و وزعت بيانا وقد اعتقل بعض أعضائها بتهمة (اثارة الشغب) لكن تم شطب البلاغات والافراج عنهم.