إن القوة الرئيسية التي تقف في وجه إعادة الحياة في السودان وإخراجه من حالة التخلف إلى النضوج الوطني والاجتماعي هي الصف المتشكل من الاستعمار بشقيه القديم والجديد والفئات التي تولي وجهها شطر هذا الصف وتعمل في خدمته.. وقوى الاستغلال الرئيسية التي تدفع البلاد الى قاع التبعية هي الاستغلال الأجنبي والفئات والعناصر ذات المصلحة في التخلف التي تنهب الجماهير من خلال التركيب الاقتصادي والاجتماعي الذي فرضه الاستعمار القديم ويقوم عليه في الحاضر الاستعمار الجديد.
وطالما أن السودان يواجه الاستقلال الاستعماري كأمه، فإن الثورة السودانية سيظل طابعها معادياً للاستعمار..  والطابع الوطني المعادي للاستعمار هو في نفس الوقت الطابع الديموقراطي..
(مقدمة هذا العرض هي جزء من إجابة التقرير السياسي للمؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني عن سؤال: ما هي المهام الرئيسية للثورة السودانية بعد مرور اثني عشر عاماً من الاستقلال السياسي للسودان؟)
والإجابة عن ذات السؤال في 2015 بعد ستين سنة من الاستقلال السياسي وثمانية وأربعين عاماً من تحليل (الحزب) تظل كما هي رغم المتغيرات بأثر العولمة الرأسمالية والاستعمار الجماعي الجديد ومنظومة الدول الشيوعة السابقة التي التحقت بالواضح بمعسكر الدول الاستعمارية..
قف تأمل..
أعلن الحزب الشيوعي السوداني  -بحسب رابعة أبو حنة-  يوم 28 ديسمبر 2015: )أن الحزب سيحتفل بالاستقلال بعد إزالة الحكم الشمولي وتحقيق الديموقراطية(.
وتصريح عضو المكتب السياسي هو تحت ظل حكم شمولي يستمتع فيه الحزب بدار وصحيفة عندما يعطلها جهاز الأمن يحكم لها القضاء بالتعويض النقدي وتثبت ذلك في صفحتها الأولى..  وغير ذلك. وهذا لم يكن متاحاً على حقبة الديكتاتورية العسكرية الأولى ولا الحقبة المايوية بعد عملية 19 يوليو 1971 حيث كان الحزب محظوراً ومطارداً وملاحقاً ومستهدفاً لدرجة اغتيال قادته رغم ذلك، كان وأحزاب أخرى محظورة، تحتفل بالاستقلال السياسي بطريقتها وكان أهم مظاهر الاحتفال البيانات التي تصدرها الأحزاب السرية والتي تتلهف الجماهير لتداولها وإجراء النقاشات حولها كجزء مهم من التعبئة بهدف التنظيم لإزالة الحكم الشمولي وتحقيق الديموقراطية.
وكان النضال القوي لتحقيق الديموقراطية يستند على الجماهير لا سواها. وتتبارى تنظيمات الحزب في الأحياء والمدن والمناطق الصناعية في الاحتفال بأعياد الاستقلال بتنشيط تنظيمات الجبهات النقابية والديموقراطية، كفرصة لتقييم النشاط العملي وكيفية الارتقاء به. مئات الصور على مستوى التنظيمات النقابية والقواعد العمالية وأخص بالذكر النقابة العامة لموظفي وفنيي الغزل والنسيج والملبوسات )القطاع الخاص(
الحقيقة:
إن قيادة الحزب الشيوعي السوداني الحالية لم تعد تؤمن بالثورة السودانية وطابعها المعادي للاستعمار الذي هو في نفس الوقت الطابع الديموقراطي.. وتحللت وهي تستعين مع غيرها بدول الاستعمار الجماعي الجديد لإزالة الحكم الشمولي وتحقيق الديموقراطية. والاستعمار والديموقراطية متضادان.
الثقافة الأمريكية بأداة التعليم واللاجئين:
أشرنا الى عشرات المعاهد ومراكز التدريب التي يمولها الكونغرس الأمريكي وأجهزة المخابرات والاستخبارات الدولية ووزارة الدفاع الأمريكية )البانتجون( لإعداد شباب الدول الأضعف كقادة للمستقبل وبديل مضمون للنظم الشمولة بعد إزالتها ونشر الديمقراطة بالطريقة الأمريكية.. ونشر الثقافة الأمريكية وبالذات خلال الفترة الانتقالية وحكومتها التي تشرف على إعادة هيكلة الدولة.. الخ
ونقر بنجاح تلك المعاهد والمراكز سواء في استقطاب الشباب واللاجئين أو الارتقاء بأداتها في جبهات هامة، الفكرية والثقافية والإعلامية حتى أنها تجاوزت الكورسات التدريبية للتأهيل ورفع القدرات الى توظيف أعداد من المستهدفين في المعاهد والمراكز البحثية لذلك لم نندهش عندما وجدنا أعداداً من )الثوريين السودانيين( يعملون في وظائف مترجمين بوزارة الدفاع الأمريكية أو غيرها من الوظائف.
واهتمام الأمريكان بنشر الثقافة الأمريكية من دوافعه منافسة الدول الاستعمارية الأخرى التي أتقنت السير في اتجاه كسب الأصدقاء عن طريق الثقافة مثل فرنسا وألمانيا حيث كانت جهود الأمريكان في الماضي تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية والمنح المادية والنقدية.
ونلاحظ أن أول خطوة بعد احتلال العراق 2003 كانت قيام مركز الإبداع التعليمي والثقافي وطرح عطاء بقيمة ستة مليون دولار أمريكي لإصلاح المناهج التعليمية في المدارس العراقية، وفي ذات الوقت رصدت أمريكا مبلغ 65 مليون دولار لإصلاح النظم التعليمية في دول المستعمرات الأوروبية القديمة. ووظف الأمريكان اللاجئين العراقيين من ذوي الجنسيات المزدوجة وبالذات الأمريكية للعمل جنباً إلى جنب مع الخبراء الأمريكان لإعداد مناهج دراسية جديدة من المدرسة الابتدائية وحتى المرحلة الثانوية. كما وضعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية برامج لإعادة تدريب المعلمين في تلك الدول.
تعتقد أمريكا أن اللاجئين والمغتربين من الدول النامية أو الأضعف وخاصة المضمنة في لائحة الاستهداف الأمريكية، يشكلون الجبهة الوحيدة التي خبرت الحياة الديموقراطية في أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي وإسرائيل فتقوم بتمويل إعادة اللاجئين والمغتربين إلى دولهم بعد تحررها..
 )راجع: مكتب قيادات التجمع في القاهرة الذي كان يشرف على تنظيم لجوء وهجرة السودانيين)...
ومن بعد التجربة العراقية فقد أصبح لتحرير الدول من الأنظمة القمعية صورتان بالقوة أو تركيع النظم الاستبدادية ويكون ختام القوة )اتفاقيات السلام( و( الحوار الوطني القومي) الذي لا يستثني أحداً تحت الرقابة والإشراف الإقليمي أو الدولي وشرطة الأول والاخير في ليبيا أو سوريا أو السودان هو )وحدة المعارضة( وإذا أدركنا أن الدول التي تشترط "وحدة المعارضة" هي نفسها التي تمول وتدعم جميع أطراف المعارضة وكل الأطراف المتنازعة فتكون النتيجة الواضحة أن تلك الدول هي التي تتحكم في استمرار النزاع وهي التي تقرر متى تتوحد المعارضة.
انظر: جاء في أخبار أن ميقات الحوار الوطني القومي في السودان أبريل 2016 (!)
انظر:   يظن مراقبون أن إعادة بعض اللاجئين السودانيين من الأردن، حوالي 12? من جملة أكثر من خمسة آلاف لاجئ هي بسبب اقتراب الميقات (!)
ومعلوم أن السودانيين في الأردن تجمعوا من عدة دول مثل العراق وليبيا وإسرائيل وغيرها بالإضافة إلى الموجودين بالأردن.
وطبقت أمريكا برنامج إعادة اللاجئين في أفغانستان مثلما نظمت عودة عراقيي الشتات. وزعيم حزب )المؤتمر الوطني العراقي( أمريكي الجنسية لجأ خارج العراق 1968، قبل حكم صدام، وأشرف على تنظيم العراقيين من حملة الجنسية الأمريكية في عضوية الحزب وقامت أمريكا بتدريبهم وأعدتهم كمقاتلين وأطلقت عليهم (قوات العراقيين الأحرار) وفي اليوم التاسع عشر للحرب هبطت قواتهم (سبعمائة) في الناصرية بزي خاص يتوسطه العلم الأمريكي، وأثار هذا الزي غضب الأمريكان (!)
وأصدر الزعيم بياناً للشعب جاء فيه:
(إن قوات العراقيين الأحرار ستقاتل الى جانب القوات الأمريكية والبريطانية وأن الحزب سيعمل على المشاركة في العمليات القتالية وكذلك حفظ النظام في المناطق المحررة ونقل المساعدات الإنسانية. وأننا فخورون بمساهمة قوات الحزب في تحرير الشعب العراقي(.
ومن أهداف الاحتلال الأمريكي للعراق المعروفة:
تحطيم القوة العسكرية العراقية والسطو على ثروات العراق، وإقامة أربعة قواعد عسكرية لتلحق بركب القواعد العسكرية في المنطقة العربية..
قف تأمل:
الإدارة الأمريكية تفهم أن ازدواج الجنسية يعني الولاء المزدوج، وهذا طبيعي لكن من غير الطبيعي أن تصوت الهيئة التشريعية العراقية بأغلبية ساحقة ضد الاقتراح بأن يتنازل كل من يرغب في الترشح للبرلمان من الجنسية الثانية.. ومن غير الطبيعي أن يكون وزير خارجية السودان بريطاني الجنسية.. ولا نتوقع إذا عرض مثل هذا الاقتراح في المجلس الوطني في السودان أن يجد قبولاً فكل القيادات والنخب في الحكومة والمعارضة هم من الأشخاص ذوي الجنسيات المزدوجة.
ولشبهة ازدواج الولاء بدأت الإدارة الأمريكية العمل بإجراءات تنظيمية جديدة بشأن منح تأشيرات دخول الأشخاص ووضعت قيوداً على دخول بعض الأشخاص وهم:
1- الأشخاص الذين زاروا إيران، العراق، سوريا والسودان خلال السنوات الخمس الأخيرة.
2-  أصحاب الجنسيات المزدوجة.
3-  مواطنو الدول التي حددتهم الإدارة ولا يحتاجون لتأشيرات يفقدون هذه الميزة متى زار شخص منهم الدول الأربع المذكورة ويجب عليه التقديم للتأشيرة.
هدية حكومة السودان الإنقاذية للاستعمار الجديد:
في الصراع حول كراسي الحكم والاستعانة بالأجنبي فإن المعارضة السودانية الرسمية والحركات المسلحة المعارضة أدخلت نفسها والوطن معها في مآزق كبرى بدعم ومساندة دول الجوار التي تسوء علاقاتها مع حكومات السودان، قبل الإنقاذ 1989 وبعده.
والمثير أن تدهور العلاقات بين السودان والجيران يكون دائماً بسبب التدخل في الشؤون الداخلية ومساندة السودان لحركات أو تنظيمات معارضة للنظم الحاكمة في دول الجوار، وكان المشروع الأممي لسلطة الحكم بعد 1989 هو الذي منح الذرائع المتوالية لدول الاستعمار الجماعي الجديد للتدخل في شؤون السودان وجذب أصدقاء وأعوان جدد يتجاوز توظيفهم معارضة الحكومة وإسقاط النظام الى خلق الدولة التابعة من بعد ذلك.
ومن نماذج أنشطة المشروع الأممي دعم )الجهاد الإسلامي( في إرتيريا وجبهة بني شنقول )البرتا( في إثيوبيا. وكذلك جبهة تحرير الأرومو وغيرها من دول الجوار المختلفة مما يطول إحصاؤه. لكن الحدث الأبرز كان محاولة اغتيال حسني مبارك في يونيو 1995 عندما قام د. الترابي بتحية المجاهدين )الذين طاردوا الفرعون المصري( و) أن الله يدعو لبعث الإسلام من السودان عبر النيل ليطهر مصر(
وأقرت آلية فض النزاعات في منظمة الوحدة الأفريقية باشتراك السودان في المحاولة وطالبت بتسليم ثلاثة متهمين داخل السودان، وكانت النتيجة النهائية لصالح الاستعمار الجماعي الجديد بصدور قرار مجلس الأمن 1044 في يناير 1996 واتهام السودان بمساندة الإرهاب.
وكما استفادت دول الاستعمار الجديد من مناهج الحكومة الخاطئة استطاعت توظيف مناهج المعارضة الرسمية بنماذج لا أول لها ولا آخر، أبرزها:
-    ترحيب المعارضة بالقصف الصاروخي الأمريكي على مصنع الشفاء بالخرطوم بحري.
 - التسليم للمواصفات الأمريكية لإسقاط النظام ومن ذلك إجبارهم  (!) للمعارضة الرسمية بتكوين مليشيات لإسقاط النظام بالعمل العسكري وأي فصيل يرفض الاستجابة سيتم حرمانه من الدعم السياسي والمادي والنقدي.
-  استقدام الشباب للتدريب والتأهيل كقيادات للمستقبل في الخدمة المدنية والقضاء وغيره حيث تقدم الإدارة الأمريكية المحاضرين بالإضافة الى تمويلها للورش وأشهرها ورش العمل التي كانت في مدينة أسمرا بإريتريا (فندق إنتركونتننتال).
وطيلة السنوات الماضية لم تتوقف الأنشطة الخاصة للارتقاء بثقافة ورفع قدرات الديموقراطيين والديموقراطيات والثوريين والثوريات وخاصة الصحفيين والصحفيات بأداة منظمات مجتمع مدني في دول أفريقية منها كينيا ويوغندا )مركز الموساد في المنطقة( وكثيرون من هؤلاء يرفعون )البلاغات( قبل السفر لهذه الجهة أو تلك ولا فرق، فالعلاقات أصلاً مفتوحة.
الاستمالة:
استمالة الأجنبي أو أعوانه للوطنيين قديم، فحكومة المستعمر البريطاني كانت تخصص مبالغ كبيرة وشهرية لقيادات في الطوائف والقبائل.
وفي تفصيل المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي للفئات التابعة للاستغلال الأجنبي حددها كالآتي:
1-  الفئات التي شيد كيانها الاستعمار القديم في القطاع الزراعي.
2-  البيروقراطية الكبيرة في جهاز الدولة ذات الولاء للاستعمار.
3-  الأقسام من العناصر الرأسمالية المرتبطة كلياً بالدفع الرأسمالي تحت سيطرة رأس المال الأجنبي.
4-  قوى التخلف بين القطاع التقليدي التي دعم المستعمرون كيانها، بل التي بنى لها الاستعماريون ذلك الكيان.
أما استمالة القوى الحديثة من الوطنيين فكانت تتم عن طريق البعثات الدراسية والتدريبية وغيرها سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الأحزاب السياسية الوطنية.
وفي تجربة جامعة القاهرة فرع الخرطوم كانت تخصص كوتة لأحزاب وقيادات اتحادية ليتم قبولها في الجامعة بكلياتها المختلفة، دون خضوع طلاب القائمة للمنافسة وفي معظم الأحوال دون مراعاة لنسب القبول، وفي حادثة شهيرة في 1969 قاد اتحاد الطلاب حملة للكشف عن غير المؤهلين أكاديمياً ويدرسون في كليات الجامعة وتمخضت الحملة  للوصول لإعداد من الطلاب لم يحصلوا على الشهادة السودانية وقدموا استقالاتهم حفاظاً على سمعة الجامعة (!) وبعض من هؤلاء )أصدقاء مصر( وفي الضفة الأخرى، فإن الدول الاستعمارية )غريبة( و)شرقية( كانت تخصص بعثات دراسية لطلاب الدول النامية، الدول الأضعف عن طريق حكومات الدول أو عن طريق )شخصيات( و) أحزاب سياسية( وكان هذا الطريق ليس صالحاً فقط لأن يكون لتلك الدول )أصدقاء( بل صالح أيضاً لتجنيد أعوان في خدمة مخابرات هذه الدولة أو تلك وأيضاً تبادل الاختراقات الاستخبارية الدولية..
ومن هؤلاء من كان لا يخفي خدماته في علاقاته مع سفارة دولته الشمولية أو الديكتاتورية أو مع أجهزة المخابرات في الدولة التي يدرس فيها ومن هؤلاء من كان يستغل وضعه المتميز في تأديب )المارقين( حتى من بني جلدته أو أعضاء حزبه الذين يدرسون. وتكون المصيبة كبيرة عندما يتولى هؤلاء مواقع قيادية في )الأحزاب( و(الدولة(
ونذكر أنه بعد هزيمة ثورة 1924 طبق المستعمرون الإنجليز فكرة العلاقات الخاصة والحميمة مع المتعلمين والمثقفين عن طريق الزيارات في المنازل وتبادل الكتب والمجلات..الخ وسياسات خاصة إزاء الأعيان وغير ذلك مما هو معروف..
وفي الألفية الثالثة يعيد سفراء الدول الغربية وأخص بالذكر الولايات المتحدة ذات البرامج البريطانية بإقامة حفلات الاستقبال لمناسبات مختلفة تجتمع فيها قيادات الأحزاب السياسية وقيادات المجتمع من كافة الأطياف مثلما اتجهوا نحو الاهتمام بالفئات الشعبية مثل قادة الطرق الصوفية وقيادات الإدارة الأهلية وتنظيم الزيارات لبرامج التبادل الثقافي. وأخيراً إبان نائب رئيس القائم بالأعمال الأمريكي إنهم )اكتشفوا ما للصوفية من تأثير على الشعب السوداني وأن لديهم رغبة في السلام وأنهم يمثلون الإسلام الوسطي(.
ونواصل..