الدولة النواه

التطور التاريخي لمنظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي يفيد بأنه دائماً ما تكونهناك دولة من بين دول المنظومة تتولى قيادتها وتكون هي النواة المسيطرة وهي الأكبر اقتصادياً وعسكرياً بين الدول الرأسمالية. ومنذ قيام الثورة الصناعية وحتى الحرب العالمية الاولى (١٨٧٠-١٩١٥) كانت بريطانيا هي الدولة النواة واكتسبتقوتها بفضل مستعمراتها.

وتنازعت امريكا وبريطانيا القيادة فيما بين الحربين وهي الفترة التي شهدت نزاعات كثيرة بين الدول الرأسمالية القوية وانتهت بالحرب العالمية الثانية. وآلت القيادة للولايات المتحدة من بعد ذلك بسبب الضعف الشديد الذي أصاب الدول الأوربية الرأسمالية بسبب الحرب.

وتكيف الاقتصاد الامريكي بعد الحرب العالمية الثانية على الانفاق العسكريالمتزايد واحتكارات الصناعات العسكرية التي تعمل وتعيش على محيطها شركات صناعية عملاقة تعتمد على عقود وزارة الدفاع الأمريكية (سلع ومعدات حربية كثيرةمن جهة وأرباح عالية من جهة أخرى) بالإضافة الى ما تتلقفه تلك الشركات من دعومات مالية في مجالات البحوث وتطوير الأسلحة الحديثة. وصادرات السلاح للدول النامية (المستعمرات القديمة) أصبحت أهم أدوات لنهب فائض الاقتصادوضمان السيرة عليه.

غنائم الحرب

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية يناير ١٩٤٥ عقد مؤتمر )يالطا( في جزيرة القرمبين: ستالين، روزفلت وتشرشل وكان من نتائجه تقسيم ألمانيا الى دولتين شرقية وغربية حتى سقوط حائط برلين ١٩٨٩

وتطورت العلاقات بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة بحسب السياسات السوفيتية فخلال الفترة ١٩١٧-١٩٤٧ كان السوفيت في عزلة تامة ثم جاءت مرحلة الحرب الباردة ١٩٥٥ والتعايش السلمي ١٩٦٥ ثم الوفاق والانفراجة ١٩٧٥

ومعلوم أن ألمانيا تنازلت عن جميع مستعمراتها الأفريقية بعد هزيمتها في الحربالعالمية الأولى )اتفاق فرساي ١٩١٩( وتوزعت مستعمراتها بين بريطانيا وفرنسا.

كما أن هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية الثانية أجبرتها على التنازل عن جميعمستعمراتها: ليبيا، أريتريا، الحبشة والصومال.

)سيطرت ايطاليا على أريتريا ١٨٨٥ وسمحت بريطانيا لايطاليا باحتلال مدينة كسلا ١٨٩١ واحتلت جنوب الصومال ١٨٨٥ وليبيا ١٩١١-١٩٣١ وأثيوبيا ١٩٣٥(.

خلال فترة الوفاق وفي ١٩٧٧ تمت القطيعة بين الصومال والاتحاد السوفيتيالسابق وطرد الخبراء الروس )ألف وخمسمائة( والقوات العسكرية السوفيتية في قاعدة بربرا وانقلبت التحالفات. تحول دعم الدول الغربية الاستعمارية من أثيوبيا الى الصومال وتحول الدعم السوفيتي من الصومال الى أثيوبيا بالتعاون مع كوبا وألمانيا الشرقية ووصل عدد الكوبيين في أثيوبيا الى خمسة وعشرين ألف جندي خلافاً للخبراء السوفيت والألمان.. ونذكر أنه قبل ذلك وخلال معركة استقلال انجولا١٩٧٥ تم انزال الجنود الكوبيين والخبراء السوفيت.

إعادة استعمار الدول المستقلة

ومن أشكال اعادة استعمار الدول ذات السيادة، ما عرف بمشروع والاس ١٩٥١في منطقة الشرق الأوسط والذي كان من أهدافه:

- اقامة قواعد عسكرية امريكية في الدول المستقلة.

)وكان ضمن الخطة الأمريكية اقامة قواعد عسكرية في السودان في منطقة البحرالأحمر وحلايب(

وفي ١٩٥٥ قام مؤتمر باندونج في مواجهة حلف بغداد )الاستعماري(، والذيتكون من الدول المستقلة سياسياً والتي عرفت وقتها بدول عدم الانحياز أو دولالعالم الثالث وأرسى المؤتمر مباديء مقابلة لمشروع الهيمنة الامريكية وهي:

* حل المشاكل التي تهدد السلام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

* ازالة القواعد العسكرية الأجنبية.

* قبول المساعدات الاقتصادية غير المشروطة.

* وقف شحن الأسلحة لدول المنطقة المستقلة.

وجاء في خطاب الرئيس سو كارنو:

»كثيراً ما يقال لنا ان الاستعمار قد مات. اننا لن ننخدع بهذا ولن نركن الى الهدوء والطمأنينة واني اقول لكم ان الاستعمار لم يمت بعد وكيف يمكن القول انه قد ماتما دامت مناطق من آسيا وأفريقيا ما تزال غير حرة..

واني ارجوكم الا تتصوروا الاستعمار في شكله الكلاسيكي الذي كنا نعرفه فيأندونيسية واخواننا في مختلف اجزاء آسيا وأفريقيا. انه عدو بارع حازم، وهو يظهرفي كثير من الصور. انه لن يسلم غنائمه بيسر وسهولة والاستعمار أينما كان وكيفما ظهر شر ينبغي اجتثاثه..«

وكتب عبد الخالق عن برنامج حزبه ١٩٥٦ في السودان:

أكد البرنامج ان الاستقلال السياسي ليس سوى خطوة لتجديد حياة الشعب وأنالبلاد اذا وقفت عند الاستقلال السياسي ولم تتقدم اقتصادياً واجتماعياً فانه لايعتبر كاملاً ويكون الاستقلال السياسي بذلك اداة للنهب الاستعماري وتردي حالة الشعب ويأخذ المستعمرون باليسار ما أعطوه باليمين. وان السير في طريق التنمية لا يمكن أن يتم بدون استمرار الحركة الجماهيرية ونموها واتساعها وصلابةتنظيماتها وتنوعها فالاستعمار يسعى لإتخاذ الاستقلال شكلاً من أشكال الاستعمارالجديد، أي شكلاً للمزيد من نهب الموارد وقهر الشعب. أما القوى الوطنية الديموقراطية فانها تعمل على تحويل الاستقلال الى عمل واقعى لصالح الشعب لهزيمة كل الاشكال الاستعمارية الجديدة.

كما سجل المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني ١٩٦٧:

»ان الايديولوجية الاستعمارية القائمة على تبرير استغلال ونهب الشعوب لا تعترفالا شكلياً بمبدأ السيادة الوطنية وحقوق الدولة الوطنية«.

وفي 1957 كان مشروع آيزنهاور الذي طرحه على الكونجرس الامريكي بعنوان)الشرق الأوسط( وكيفية ملء الفراغ بعد خروج الدول الاوروبة الاستعمارية منالمنطقة. وتكون المبدأ من ثلاث نقاط:

١- التعاون الاقتصادي مع كل دولة مهتمة بالتنمية وتقديم المساعدات مع التأكيد على السيادة الوطنية للدولة.

٢-التدخل العسكري عند تهديد الاستقلال السياسي عن طريق دولة شيوعية.

٣- التعاون مع كل دولة او مجموعة دول ومساعدتها عسكرياً. اذا رغبت فالولاياتالمتحدة ومنذ ١٩٥٧ اتجهت لتحل محل الوجود البريطاني والأوروبي في المنطقة.

وكتب عبد الخالق ١٩٥٦

)بعد انهيار الحكم الاستعماري المباشر يلجأ الاستعمار لاشكال وأساليب جديرةلاستمرار نفوذه وتغلغله الاقتصادي عن طريق المعونات والقروض واستثماراتالاحتكارات الكبيرة.. وان التغلغل الاقتصادي وتزايد رأس المال الاجنبي في الدولحديثة الاستقلال يعوق التطور الاقتصادي ولا يساعد على التنمية الصناعية(

ان الاتحاد السوفيتي السابق استند في سياسته الخارجية.. اولاً على »العلاقات الدبلوماسية« ولذلك فانه لم يقم بأي عمل في مواجهة المشروع الامريكي فيالشرق الأوسط. وكل بذله كان اجراء الاتصالات بالدول الاستعمارية نفسها وقدملها مشروع )شبيلوف( بعنوان )برنامج عمل في الشرق الاوسط( مقابل مشروع ايزنهاور.. لم يقدم السوفيت مشروعهم لدول المنطقة ولا لشعوبها التي يريدون الدفاع عن استقلالها السياسي.

وسياسة )العلاقات الدبلوماسية( أصلها سياسات الانكفاء وهي من السياساتالستالينية التي كان هدفها الجوهري )الحفاظ على الدولة( المستهدفة. بل ان مركزالشيوعية الدولي )الكومنترن( إعتبر ان نضال العمال العالمي بقيادة الأحزابالشيوعية في دول المنطقة مهمته: دعم الدولة السوفيتية. فجعل من الأحزابالشيوعية في تلك الدول ليست أحزاب تابعة بحسب بل من أدوات السياس الخارجية للدوله السوفيتية.

وقبل خروج الدولة السوفيتية من عزلتها ١٩٥٥ كانت تأمل أن تحظى باعتراف دوليبمصالحها في مضيق الدردنيل لكن مؤتمر لوزان ١٩٢٣ بدد أوهامها فلم تنجححتى في فرض نفسها كقوة اقليمية وظلت الأوضاع كما هي لثلاثين عاماً.

وبعد الحرب العالمية الثانية وفي مرة أولى تقاسمالسوفيت والألمان في اجتماعبرلين )نوفمبر ١٩٤٠( مناطق النفوذ. وطالب ستالين بدائرة مصالح نحو الخليجتشتمل: العراق وايران وقسم من سوريا وتركيا ولبنان والصحراء العربية وقواعد فيالمضايق )الدردنيل والبسفور( وفشل في ذلك:

الحقيقة:

ان من أهداف الاتحاد السوفيتي السابق: الاشراف على الطرق الكبرى للنقلوالإشراف على منتجي النفط.

وفي ١٩٤٥ كان التحالف البريطاني-السوفيتي. وفتح البريطانيون للمرة الاولى فيالتاريخ شمال ايران أمام القوات السوفيتية. وبسبب وجود الجيش الأحمر في ايرانتمكن السوفيت من اقامة جمهوريتين شعبيتين في اذربيجان ومهاباد الكردية وانفصالهما.

وطالب السوفيت باعادة النظر باتفاقات )مونترو( على نحو يحسن موقفهم فيالمضايق ورغبتهم في الاشتراك في اقتسام المستعمرات الايطالية وطلب انتداباريتريا وطرابلس الغرب وليبيا.

الحقيقة:

فشل السوفيت في محاولاتهم للتوسع وخافت دول الشرق الاوسط وخاصة المجاورةمنها لدى رؤيتها الاتحاد السوفيتي متبنياً الأهداف التوسعية للامبراطوريةالقيصرية فاتجهت نحو الغرب.

وعند قيام دولة اسرائيل رأى الاتحاد السوفيتي السابق ان فرصة لاحت له لضربالاستقرار في الشرق الاوسط (الذي طرد منه) والذي فشلت الاحزاب الشيوعيةالضعيفة ان تفعله داخل كل دولة يمكن لاسرائيل ان تحققه.

ومعلوم ان للسوفيت موقف واضح وأساس من الصهيونية رغم ذلك كان أملهم انتلعب الدولة اليهودية هذا الدور، واعتقدوا ان المباديء الاشتراكية التي طبقت في المستوطنات اليهودية وماضي القادة اليهود الذين انخرطوا في احزاب شيوعية فيشرق اوروبا او عملوا الى جانبها قد يجعل من اسرائيل جزيرة حداثة وتقدموبالتالي تكون هي (النموذج الثوري) في الشرق الاوسط.

انظر:

اعتقاد الولايات المتحدة ان اسقاط النظام العراقي سيتيح لها ان تجعل منه(النموذج الديموقراطي) في الشرق الاوسط ٢٠٠٣

كل تلك الدواعي دفعت السوفيت للاعتراف سريعاً بدولة اسرائيل ووقفت الى جانبهافي الحرب العربية-الاسرائيلية الاولى. وثبت بذلك ان كل حسابات استالين كانتخاطئة لعدم المعرفة بالواقع الاقليمي. فكانت العودة مرة اخرى للعزلة والانكفاء لدرجةان د. محمد مصدق رئيس الوزراء الايراني عند تأميم النفط الايراني ومحاصرة دول الغرب له سعى الى انقاذ ايران من الاختناق الاقتصادي فطلب مساعدة موسكوالتي رفضت التدخل. وبعد اسابيع عن ذلك الرفض اعلن الحزب الشيوعي الايراني(توده ( تسلمه السلطة وارسل نداءه لموسكو للمساعدة لكنها رفضت ايضاً. هليوجد تفسير للرفض بخلاف فتح الطريق امام الولايات المتحدة للتدخل وتسويةالامور؟

ان الاتحاد السوفيتي السابق في النهاية فشل ان يحافظ على الدولة المتطهرة مناية خطيئة استعمارية ويمكنه التنديد باستعمار الاخرين وذلك منذ التقاربالفرنسي/البريطاني/السوفيتي في منتصف ثلاثينات القرن الماضي الذي اضعف الموقع المعنوي للاتحاد السوفيتي السابق ومنعه من التنديد بالاستعمار.. واثبات هذه الوقائع ضروري عند تناول موقف السوفيت في مرحلة الوفاق مع امريكا وفي حقبة الاستعمار الجماعي الجديد بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق في ١٩٩١.

وتواصل


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.