تحرير الخرطوم والمواجهة المباشرة للامبراطورية البريطانية

عرض-محمد علي خوجلي

مع الالفية الثالثة تضج دول المنطقة الافريقية والعربية وبالذات بين شبابها بالنظريات الامريكية والاسرائيلية التي تقوم على تزييف التاريخ وتتجاهل حقائقه، ومن مميزاتها، الاستهتار الشديد بقواعد التفكير السياسي السليم باتباع اساليب التحايل والنصب الفكري بدلاً عن الموضوعية والنزاهة الفكرية. ويهتم موضوعنا بنظرية واحدة: نهاية مبدأ السيادة الوطنية، وتلاشي مفهوم الاستقلال السياسي للدول النامية (المستعمرات السابقة) بأثر العولمة الرأسمالية ومتغيرات العصر. وهذه النظرية تلتحق بها اخرى فرعية مكملة ومنها التحول الديموقراطي تحت الرعاية الدولية وحرب اللاعنف في مواجهة نظم الحكم الاستبدادية.. وغيرها والتي غايتها محاولة التأكيد ان (المجتمع الدولي) أصبح جزء لا يتجزأ من الساحة السياسية الداخلية.

وهذه النظرية تغذيها اجهزة مخابرات دول الاستعمار الجماعي الجديد واعوانها من القوى السياسية في الدول النامية المختلفة او المستعمرات القديمة من الذين ارتبطت مصالحهم بالاجنبي، وكثير من ذوي الجنسيات المزدوجة والولاء المزدوج وهم ينتشرون في حكومات الدول المستقلة سياسياً وقيادات احزابها السياسية وأجهزة الاعلام المختلفة. وهؤلاء لا يكفون عن الاستدعاء اليومي للاجنبي للتدخل في شؤون دولهم الداخلية وحتى التدخل العسكري لنشر الديموقراطية وازالة النظم الديكتاتورية والشمولية المتسلطة تحت رايات القانون الدولي الانساني.

انظر:

خلال مناقشة لجنة قضايا الحكم وتنفيذ مخرجات الحوار (بند السيادة) اختلف المشاركون لدرجة كبيرة حول تحديد حقوق اصحاب الجنسيات المزدوجة وكثيرون اكدوا على حقوقهم الكاملة لاصولهم السودانية.

ومعلوم ان من بين أصحاب الجنسيات المزدوجة من ترشحوا في انتخابات رئاسة الجمهورية 2015

وسيادة هذا المفهوم في وزارات الخارجية والداخلية والدفاع وجهاز المخابرات الوطني يعني تقوية (الفوضى البناءة) ولا شيء آخر.

وموضوع المقال هو، تسليط الضوء على بعض الوقائع التاريخية المتناثرة والمترابطة في وقت واحد في محاولة للتحريض على البحث عن طريق ملائم دفاعاً عن السيادة الوطنية ولمقاومة الاستعمار الجماعي الجديد الذي يؤثر على الاوضاع الداخلية في الدول ويفاقم من تخلفها وتبعيتها بجعل (المجتمع الدولي) من مكونات الساحة السياسية الداخلية..

خضع السودان للحكم الاجنبي التركي لخمسة وستين سنة (1820-1885) وحقق استقلاله الاول بالثورة التي توجت بتحرير الخرطوم يوم الجمعة 26 يناير 1885 فأهل السودان انتزعوا استقلالهم الاول انتزاعاً، ودفعوا في سبيله الغالي والنفيس ومنذ ذلك اليوم كانت المواجهة المباشرة بين السودان والامبراطورية البريطانية (التي حلت محلها فيما بعد الامبراطورية الامريكية). وامتلك السودان سيادته لثلاث عشر عاماً (1885-1898).

ونتيجة المواجهة كانت حملة (استرداد السودان) او اعادة استعماره باداة الحكم الثنائي المصري الانجليزي (1898-1924) حيث أصبح خالصاً للمستعمر البريطاني حتى تحقيق استقلاله الثاني (بالتفاوض) كما معظم دول المنطقة العربية في يناير 1956

وأهداف الاستعمار القديم هي ذات أهداف الاستعمار الجماعي الجديد وفي كلمتين: نهب الموارد. فاهداف الحكم الاجنبي التركي (1820-1885) هي:
1- الموارد البشرية اللازمة لتوظيفها في المشاريع الزراعية والصناعية التي اقامها الباشا في مصر. والتجنيد لحماية وتوسيع نفوذه من جهة ومواجهة السلطان العثماني من الناحية الاخرى.
2- استكشاف الذهب والحصول على سن الفيل والصمغ العربي.
3- قطعان الثروة الحيوانية.
4- انعاش التجارة، فممالك السودان في الشرق وكردفان ودارفور قبل الحكم التركي، نالت شهرتها بالتجارة الخارجية. وفشلت الدولة المركزية في سنار من فرض نفوذها على المنطقة وتحقيق الاستقرار والأمن. وهذا ما نجحت فيه جيوش محمد علي باشا فكان تحقيق الوحدة السياسية.

وفي ذلك المجتمع الرعوي وقتها، بدايات القرن الثامن عشر، كان هناك خمسة عشر مركزاً تجارياً داخل سلطنة سنار وشملت: بربر، شندي، الدامر، الخرطوم، اربجي، ود مدني، سواكن وسنار.

وكان للتجار في تلك المدن الكبرى اوضاعاً مميزة اقتصادياً واجتماعياً. وفي كل مركز من هذه المراكز كانوا ينظمون انفسهم بطرق دقيقة تحت قيادة (سر التجار) الذي يتم اختياره من بينهم. ومن التجار من ارتبطت مصالحهم بالاجنبي. وكان لتجارة السودان الخارجية اهميتها مع مصر والسوق الرأسمالية الدولية (تراكم الارباح التجارية خارج السودان).

وخلال الفترة (1821-1838) كانت تجارة السودان الخارجية محتكرة بواسطة الدولة المصرية التي تحصلت على معظم الارباح الضخمة الناتجة عن النشاط الاقتصادي السوداني. وبعد 1838 بدأت مصر تتخلى تدريجياً عن هذا الاحتكار بسبب الضغوط التجارية الاوربية: بريطانيا، النمسا، ايطاليا.. وغيرها. وتجار الدول الاوربية في السودان هم وكلاء للشركات التجارية في البلد الأم واستوطن معظمهم في الخرطوم.

وأعادت القوى الاستعمارية خلال فترة الحكم الثنائي صياغة الاقتصاد السوداني كما في كل الدول الأخرى التي استعمرتها انطلاقاً من احتياجاتها ومصالحها. وكان القطن يمثل عنصراً هاماً في احتياجات بريطانيا الاقتصادية (صناعة النسيج في لانكشير). وكانت المانيا والولايات المتحدة هما المنافسان لبريطانيا ولادراك الاخيرة انها لن تكسب المنافسة قامت بتغيير الانتاج من المنسوجات القطنية الخشنة الى الاقمشة الرقيقة بما يعني الاعتماد على القطن طويل التيلة، والذي كان يزرع وقتها في مصر والبيرو والولايات المتحدة.

وفي 1902 تم انشاء جمعية منتجي القطن البريطانية لضمان الحصول على كميات متزايدة من القطن داخل مناطق الامبراطورية –مستعمراتها- فكان تطوير زراعة القطن طويل التيلة في السودان. ولمزيد من التوسع في الانتاج قامت شركة كسلا (مسجلة في لندن) والتي كانت لها علاقات مع شركة السودان الزراعية (مسجلة في لندن برأسمال امريكي).

في اول دستور لمصر بعد اعلان انجلترا بذلك نص في المادة الثانية على تبعية السودان لمصر.  كما نص على ان يلقب ملك مصر بملك مصر والسودان (1922)

انظر:

(ما تم بثه في قناة الفراعين الفضائية المصرية في 2015 هو من ذات جنس افكار 1922)

وبأثر ذلك بعث زعماء القبائل السودانية بمذكرة للحكومة البريطانية جاء فيها:

(نرجو ان تتكرموا بالافصاح عن نواياكم للمستقبل فاذا كنتم تنوون اعطاء مصر استقلالها وان تشملونا ضمن ذلك الاستقلال فنرجو ان تخبرونا بذلك لاننا نعتقد ان مصالحنا ومصالح وطننا وظروفنا وحقوقنا مختلفة عن ظروف ومصالح وحقوق مصر. لذا فاننا نريد ان نكون على استعداد لحماية مصالحنا وحقوق مصر. لذا في حالة اتخاذكم لقرار بوضع الامر بين ايدي المصريين..)

ومن ثم، صدر اعلان في البرلمان الانجليزي مؤكداً ان الوضع القائم في السودان لا يمكن السماح بتغييره. ووجهت انجلترا انذاراً للملك فؤاد الاول فتم حذف البنود في الدستور المصري ذات العلاقة بالسودان. وتم استبدال التبعية بالعبارة المشهورة (بدون اضرار بحقوق مصر في السودان).

وحق مصر الاول –كما  تعتقد- هو مياه النيل ثم حق المصريين في الاقامة والتملك في ارض الجنوب الشاسعة.

انظر:

عندما رأت بريطانيا اهمية بناء خزان سنار لزيادة الانتاج الزراعي 1913 والذي توقف العمل به بسبب الحرب العالمية حتى 1925 اعترضت مصر وذكر ممثلها:
1- انه لا يحق للسودان استعمال قطرة من ماء النيل الا اذا فاض عن حاجة مصر. وان السودان يعتمد على الامطار فلا يجوز له ان يلجأ الى الري الصناعي الا اذا بحثت امكانيات الري بالمطر بحثاً كافياً.
2- ان مشروع الجزيرة يزرع القطن طويل التيلة وفي ذلك مضاربة للقطن المصري في الاسواق العالمية.
3- ومصر في حاجة للتوسع الزراعي لضمان المعيشة لسكانها الذين يتزايدون وللمحافظة على ميزانها التجاري.

انظر: مسألة سد النهضة الاثيوبي بعد مائة سنة من اعتراض مصر على اقامة خزان سنار السوداني!!

وفي 26 ابريل 1922 أعلن السيد علي الميرغني:

(ان السودان بلد يختلف عن مصر، وشعب السودان غير شعب مصر ولذلك فانه يتطلب طريقاً للتطور مخالفاً للتطور في مصر الذي يلائم ظروفها وحدها..)

وبعثت قيادة جمعية اللواء الابيض في مايو 1924 ببرقية احتجاج للحاكم العام ضد ما اسمته بالطرق الخفية التي تتبع لفصل السودان عن مصر وكان (الرد) الاجتماع بدار السيد عبد الرحمن المهدي (يونيو 1924) وارسال رسالة الولاء للحكومة البريطانية. وان اختيارهم يقع على انجلترا لا مصر (في مقابل جمعية اللواء الابيض قامت جمعية اللواء الاسود التي تكونت من الضباط سود البشرة في الجيش الذين لم يثقوا في رفاقهم العرب واعتبروا انفسهم الورثة الشرعيين للسلطة).

ونصت اتفاقية يونيو 1929 بين مصر وانجلترا في المادة (12) على استمرار السيادة الانجليزية المصرية على السودان ويمثلهما حاكم عام السودان. اما اتفاقية يوليو 1936 (معاهدة الشرف) بين ايدن/النحاس فانها لم تتطرق لسيادة السودان وتمسك كل طرف بمصالحه.

وفي 1942 كانت مذكرة مؤتمر الخريجين للسلطة البريطانية ومن أبرز مطالبها:

(اصدار تصريح مشترك في أقرب فرصة ممكنة من الحكومتين الانجليزية والمصرية بمنح السودان بحدوده الجغرافية حق تقرير مصيره بعد الحرب مباشرة واحاطة ذلك الحق بضمانات تكفل حرية التعبير عن ذلك الحق وتكييف الحقوق الطبيعية مع مصر باتفاق خاص بين الشعبين المصري والسوداني..)

واجتمع عبدالرحمن المهدي في انجلترا، 28 فبراير 1946 برئيس الوزراء البريطاني واستطاع الحصول على وعد من الحكومة الانجليزية بمنح السودان حق تقرير المصير. فاستنكرت مصر ذلك، وصعدت الأمر الى مجلس الامن الدولي. وسافر وفد من الاستقلاليين للولايات المتحدة برئاسة الصديق  عبد الرحمن المهدي وعضوية عبد الله خليل ومحمد احمد محجوب ومحمد صالح الشنقيطي للاجتماع بقادة الدول الاعضاء في الامم المتحدة ومجلس الامن بشأن سيادة السودان ومنحه حق تقرير المصير ودعم ممثلو بولندا وروسيا والصين هذا المطلب.

انظر:

ذكر النقراشي باشا في جلسة مجلس الامن يوم 5 اغسطس 1947:

(ان هناك ثلاثة مظاهر سياسية لوحده وادي النيل هي:
1- تجلت الوحدة في فرمانات اقرتها اتفاقيات دولية منذ 1840
2- ومن الناحية الدستورية فقد كان مظهرها القوانين التي صدرت في 1879 و1882 وتنص على تمثيل السودان في البرلمان المصري شأنه شأن بقية المديريات المصرية.
3- أما من الناحية الادارية فقد جعلت النظم المالية والقضائية في السودان والمصالح المختلفة فيه تابعة للوزارات المختصة في القاهرة مثل مثيلاتها في مصر.

وتمسكت بريطانيا بأن اتفاقية 1899 جعلت السيادة على السودان لكل من بريطانيا ومصر. ولم يتخذ مجلس الامن قراراً. وسارت الامور معلومة الوقائع حتى قيام الحكم المصري الجديد في يوليو 1952، ثم اتفاقية الحكم الذاتي 1953 وحتى اعلان الاستقلال السياسي من داخل البرلمان والجلاء كما هو معروف..

ونواصل..


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.