ظلت نظم الحكم الوطنية، عسكرية و مدنية، منذ استقلال السودان 1956، تستعين بفقه الضرورة و ظروفه الاستثنائية التي هي في نفس الوقت قانونية. ودوافع الاستعانة في احوال كثيرة هي : المحافظة علي المصالح بأداة السلطة وقفل جميع الأبواب أمام القوي الأخرى ولأطول فترة ممكنة.

وفي معظم الدول النامية / المتخلفة نجد النخب/الصفوة التي تربض خلف تلك النظم لا تكتفي فقط بصناعة ترتيبات الظروف الاستثنائية التي تجعلها تصول و تجول في كافة الميادين بلا رقيب وبلا منافس، بل تهتم اكثر بصناعة القائد(الفرد) في "التنظيم" و "الحكومة" و "الدولة" فالقائد الفرد هو الذي يمسك –وحدة- بمفاتيح الابواب بعد اغلاقها وهو انتصار مؤقت علي المدي القريب ودلالة الهزيمة علي المدي البعيد عند الزلزلة عندما يكون المطلوب القائد وحده لا سواه
ومن جهة ثانية فان معظم النخب/الصفوة لا تؤمن بجماعية القيادة ولا تثق ابدا في اراء الاخرين (من غير الاختصاصين) وتحتقر العمال و المزارعين وغيرهم من صناع الحياة وهذه من تركة المستعمر الاجنبي التي ورثتها النخب و ورثت في السودان (الحاكم العام وسلطاته المطلقة ومايزين الصورة من مجلس استشاري/هيئة شوري دون استشارة في الواقع..)

مناهج قديمة لعرقلة التحول الديمقراطي

ان تاريخ حالة الطوارئ في السودان" قديم" ممتد و طويل.. وهو أكبر معوقات التحول الديمقراطي بإضعافه الاحزاب "التنظيمات السياسية" لتنفض الجماهير من حولها وإضعاف النقابات حتي يزهدها العاملون ثم العودة الي القبلية وغيرها.
وكما للنظم والنخب والتنظيمات تجاربها في الحكم بأداة الظروف الاستثنائية فقد اكدت التجربة السودانية ان الناس كل الناس ايضا تعلموا من مقاومتهم لاستعادة الشرعية و سيادة حكم القانون والمساواة في الحقوق و الواجبات فكان تجديد الاساليب في الممارسة
فهل نستطيع ان نطلق علي السودان (دولة الطوارئ؟) وماهي الظروف الجديدة التي تحيط بإعلان وتطبيق حالة الطوارئ 22/25 فبراير 2019؟ وماهي اهدافها وامكانيات نجاحها؟
ومحاولة الاجابة علي هذه التساؤلات وما يتفرع منها وهي كثيرة تعتمد – عندي- علي عرض الوقائع دون تدخل بإجابات مباشرة ففي عصر الجماهير تتجدد المفاهيم فلم يعد هناك أي مكان في العمل السياسي/ الحزبي للقائد الفرد ولا قسمة الناس/ العضوية الي مفكرين ومنفذين بل التعلم المتبادل..
الاعدام لمحاولة تغيير نظام الحكم
بعد تسليم حزب الامة السلطة السياسية لجناحه العسكري في قيادة الجيش يوم 17 نوفمبر 1958، اصبحت السلطات التنفيذية و التشريعية والقضائية تحت قبضة المجلس الأعلى للقوات المسلحة/ الذي فوض رئيسه الفريق عبود (1958-1964) فاصدر النظام العسكري(قانون دفاع السودان 1958) ولائحته. والذي نص علي عقوبة الاعدام عل افعال ابرزها:
- تكوين احزاب سياسية - الاضراب عن العمل
- محاولة تغيير نظام الحكم
ومنحت لائحة الطوارئ وزير الداخلية سلطات واسعة بشان:
الاعتقال التحفظي/ التفتيش والمصادرة
واستمرت حالة الطوارئ والمحاكم العسكرية للعسكريين والمدنيين كل عمر النظام عندما قامت ثورة اكتوبر 1964 بالغاء حالة الطوارئ

أنظر:
1- فشلت الديكتاتورية العسكرية في تحقيق كافة اهداف حالة الطوارئ
2- وتحت ظروف حظر الاضراب وحل النقابات العمالية والظروف الاستثنائية لم يتوقف النشاط الجماهيري الصبور،الدوؤب (السلمي) ولم يتخل العمال عن سلاح الاضراب عن العمل
3- ومثلت جبهات النشاط المعارض/ السلمي كتلة قوية في (حوار ما قبل الانتقال)
4- وفشلت كل محاولات الانقلابات العسكرية لتغيير نظام الحكم وطرد الناس. الدعوة الي الكفاح المسلح

قبل عام من الانتفاضة

شهدت الحقبة المايوية 1969- 1985 وقائدها جعفر نميري(بتحالفاتها السياسية المتنوعة بدءا بالتحالف الشيوعي/الناصري وانتهاءآ بالتحالف المايوي مع الحركة الاسلامية السودانية):
* تقييد الحريات وحظر التنظيمات منذ اليوم الاول
* وفي مايو 1970 صدر الامر الجمهوري الرابع الذي اعتبر من الافعال التي تشكل جرائم عقوبتها الاعدام:
الاضرابات عن العمل/تكوين الجمعيات/نشر الاخبار والاشاعات الكاذبة
* وفي ابريل 1984- قبل الانتفاضة بعام- أعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ في جميع انحاء البلاد وتم تكوين (محاكم الطوارئ) و (محاكم العدالة الناجزة) للتسريع بتطبيق قوانين الشريعة الاسلامية/سبتمبر 1983 بقضاة من خارج الهيئة القضائية التي دافعت بقوة وشرف عن استقلاليتها وسيادة حكم القانون
* اضرب العمال واضرب المهنيون ومع كل تلك الظروف الاستثنائية ومحاكمها اتخذ الشعب قراره بتغيير نظام الحكم وفعل.

انظر:
فشلت جميع محاولات تغيير الحكم بقوة السلاح وبمحاولات الانقلابات العسكرية او الكفاح المسلح
وتواصل النشاط الجماهيري الصبور/الدؤوب (السلمي) واستشهد القرشي وفي فمه بقية من هتاف

انظر:
نقابات المهنيين التي برزت في الانتفاضة كانت غير قانونية منذ اكتوبر 1983 وفشلت حالة الطوارئ المايوية ومحاكمها في تحقيق أي من اهدافها وتم تغيير النظام لكن الجبهة المعارضة كانت ضعيفة في (حوار ما قبل الانتقال).
اعلان الحكومة الديمقراطية حالة الطوارئ
* قامت حكومة الصادق المهدي المنتخبة في 28 يوليو 1987 بإصدار قانون حالة الطوارئ الذي حدد مناطقها (العمليات الحربية/النهب المسلح والمناطق التي تتم فيها انشطة اقتصادية غير مشروعة) في دارفور و جنوب كردفان واجزاء من منطقة النيل الازرق، وكان للجيش سلطات واسعة في تلك المناطق
* وفي يوليو 1987 اعتبرت الخرطوم (ولاية الخرطوم اليوم) منطقة طوارئ اقتصادية
* وبعد فيضانات 1988 اضيفت المناطق المتأثرة بالفيضانات والسيول لمناطق الطوارئ واعتبرت "الخرطوم" منطقة طوارئ لكوارث طبيعية أما في ديسمبر 1988 فقد تم اعتبارها ايضا منطقة طوارئ أمنية
وكان يتم تجديد حالة الطوارئ كل ستة شهور حتي 30 يونيو 1989 ليلة (اسقاط النظام الديمقراطي)

انظر:
قامت نقابة المحامين السودانيين في يناير 1989 حملة ضد سلطات الطوارئ وخاصة الاعتقال التحفظي (من دلالات فوضي الاعتقالات اعتقال النائب البرلماني ،هارون كاقي في جنوب كردفان) وكان من ابرز نتائج حملة النقابة اعتراض الجمعية التأسيسية علي احكام الطوارئ والمطالبة بخضوع الجيش للمحاسبة في مناطق الحرب...

ونواصل : الفصل بالطوارئ والحرمان من الحقوق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.