وتظل الأسباب والدوافع قائمة

يزيفون الواقع.. ونحن ننظر

الموكب الواحد والأخير عند التحولات الكبرى هو من موروثات النشاط الجماهيري الثوري.. فكان (موكب اكتوبر) الذي أعلن من خلاله الاضراب السياسي ثم (موكب ابريل) الذي تحول غصباً الى تظاهرات من نوع آخر بعد تدخل هيئة قيادة الجيش, لذلك نجد من بيننا اليوم من ينصح (الشباب) بوقف (الجدولة) والتركيز على الموكب الواحد الأخير..
والنصح, لم يراع اختلاف الظروف, وطبيعة النظام, وقدرات وامكانيات القوى السياسية المعارضة التي ظلت تتلقى السهام السامة تلو السهام منذ استيلاء الحركة الاسلامية السودانية على السلطة بخديعة (الانقلاب العسكري) للجيش. وتحطيم جهاز الدولة القديم بضربات متتالية بالتمكين لتأمين السلطة ثم التمكين لاستمرارها, والثراء عن طريق جهاز الدولة والاستيلاء على السلطة الفعلية (المال والاقتصاد وثروات البلاد) وتصفية واحتكار قيادات كل المؤسسات من كافة الأنواع..
والتمكين ديمقراطياً عن طريق صندوق الانتخابات هو (النقطة الأخيرة) في برنامج (التمكين على الأرض) وفكرته الجوهرية أن يكون للحركة حلفاء حقيقيين أو من صناعتها وتقسيم وتفتيت الأحزاب وغيرها لتكون هي (الحكومة) وأيضاً (المعارضة).. الى آخر وكل ذلك معلوم لديكم..
وان تزييف الوقائع والتاريخ تحت غطاء (الحرب خدعة) جرى أمام عيوننا, نحن المسنين وقدامى السياسيين ولاذ معظمنا بالصمت:
× تسليم حزب الأمة السلطة لجناحه العسكري أطلقوا عليه انقلاب 17 نوفمبر وغنى مغنون لرجال الجيش.. ونحن ننظر..
× وانقلاب 25 مايو 69 نفذته (مجموعة الستة) من القوميين العرب باسم تنظيم الضباط الأحرار وتم حله بعد خمسة شهور.. ونحن ننظر..
× وعملية يوليو نفذتها (مجموعة الأربعة) من شيوعيين باسم الضباط الأحرار وتتم تصفية قيادات وطنية وعسكرية ونحن ننظر..
× وقيادة الجيش تحت تأثير الاسلاميين تقطع طريق انتفاضة الجماهير في ابريل.. ونحن ننظر..
× ويتم استيلاء الحركة الاسلامية على السلطة بالعنف باسم (الانقلاب العسكري للجيش) ونحن ننظر.. ننظر الى الكوادر المدنية التي ارتدت الزي الرسمي للجنود ولم نفعل شيئاً..
وبعد كل التزييف الذي رأينا, خرج علينا مثقفون وأكاديميون وسياسيون جدد من الفئة القليلة بنظرية (الحلقة الشريرة/ الجهنمية): ديمقراطية/ انقلاب/ انتفاضة ودور الجيش في التغيير الى آخر الدجل السياسي..
فلا يكون غريباً تريث كثير من المسنين قبل اختيار الموقف الأخير واختيارهم شعار: (تسكت بس) فالحيرة والتساؤلات ترج أذهانهم رجاً ويسألون أنفسهم من أين أتى هؤلاء؟ والرسالة هي من أشكال المساعدة في الحصول على الاجابة.

الثورة حالة اجتماعية ومزاج جماهيري

برع الأبناء من نشطاء المقاومة المدنية في التخطيط الدقيق للتحشيد بالمواكب, فأضافوا الى جانبه أدوات أخرى. نذكر أن المواكب والتظاهرات حتى الآن تجاوزت الاربعمائة وحوالي خمسين وقفة احتجاجية على نطاق السودان, ويتجهون نحو الكثافة اللازمة للموكب الواحد/ الأخير.. ويتمسكون بأن تكون الوسائل والأدوات الأخرى اضافة وليست بديلاً للكرت الرابح وشهدنا:
1/ الوقفات الاحتجاجية 2/ الاضرابات المحدودة
3/ الاعتصامات 4/ اضراب الطلاب
5/ اضراب المهنيين 6/ المظاهرات الليلية
7/ تظاهرات الأحياء الداخلية 8/ البيانات ومذكرات التأييد
9/ بيانات تشرح المظالم والمطالب 10/ النشرات والكتيبات والكتب
11/ الأشعار والأغاني 12/ الكاريكاتير والصور والرسومات الفنية
13/ الأعمال المسرحية 14/ الهزؤ والسخرية
15/ الألوان على الوجه 16/ المقاطعة الاجتماعية
17/ التسجيلات الصوتية الفيديوهات
18/ اعاده تسمية الشوارع
19/ البوسترات والشعارات
وان هذا التنوع والتواصل يدهشنا نحن المسنون.. ولكن لكل زمان رجاله. ولم يعد محل خلاف ان (فكرة التغيير) أصبحت حقيقة لا يمكن تجاوزها, وبأدوات جديدة. وتحولت شعارات (الثورة) الى أهازيج وأغاني للأطفال من سن الثانية وفي معظم البيوت وضع (الشباب) تاريخه صرف النظر عن رأي المسنين وقدامى السياسيين.

أنظر:

من أقوال رؤساء تحرير صحف يومية سودانية عند لقائهم رئيس الجمهورية عشية موكب 7 فبراير:
(شعار محاربة الفساد, الحصاد للأسف قليل, وشكك في جدية الحكومة في محاربة الفساد...) و(أصبحت الثورة حالة اجتماعية ومزاج اجتماعي واسع..) و(لقد دخلت الثورة بيوتنا وقسمتها. والوضع خطير شديد.. والمظاهرات لو قلت أو زادت دا ما مقياس لأنو الثورة بقت ثقافة.. والثورة حتستمر...). و(شوف لينا حل وطمنا..)..

وتظل الأسباب والدوافع قائمة:

أسباب الحراك الجماهيري العفوي, ودوافع النضال السلمي لم تتعدل:
-القيود التي تكبل حرية التعبير والحق في التنظيم وكل بنود "وثيقة الحقوق" في دستور السودان المؤقت وما نتج عنها..
-قضايا العاملين وعدالة توزيع الدخل القومي, والأمان الوظيفي والحماية الاجتماعية..
-قضايا المفصولين تعسفياً والمعاشيين في القطاعين المدني والعسكري.
-الغلاء وارتفاع أسعار السلع والخدمات الضرورية والفقر المستشري والعمالة المستضعفة..
-الفساد والثراء بجهاز الدولة واندماج الحركة الاسلامية في الدولة..
-السياسات الاقتصادية والمالية وشح السيولة وما أنتجته من ضعف في الانتاج والانتاجية.. الى آخر ما تعلمون..
و"البطالة مشكلة اقتصادية, كما هي مشكلة اجتماعية, نفسية, أمنية وسياسية.. ونتائج مشاكلها أطاحت ببعض حكومات.. وبطالة الخريجين والشباب من أسباب قيام ثورات الربيع العربي...".
(د. أحمد الطيب السماني/ أ. نجوى ابراهيم 2016م ورشة مركز العاصمة للتدريب)
وأفاد تقرير لجنة العمل والادارة والمظالم بالمجلس الوطني العام 2011م:
أن نسبة المستوعبين من خريجي الجامعات 7,8%..
"ومعدلات البطالة في السودان 2008-2015م جاء أقل معدل في 2008م بنسبة 16,8% وأعلاها في العام 2015م بنسبة 19,5% وبلغت بطالة الشباب في 2011م نسبة 33,8% ووسط النساء الشابات 44,8%.
(د. محمد عوض الكريم آدم/ وزارة العمل والاصلاح الاداري/ ابريل 2016م)
وحل حكومة الوفاق الوطني 2019م هو ايجاد مائة وستين ألف وظيفة خلال هذا العام (حوالي 8%) والناس يعلمون أنه وعد غير قابل للتحقيق بعد اجازة الميزانية. وكان يمكن أن تقرر الحكومة دعماً نقدياً حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا..

الفقر ونقص الغذاء

في ورشة الأمن الغذائي التي انعقدت بمجلس الوزراء في 27 فبراير 2013م أوضح وزير الصحة الاتحادي أن هناك 13 مليون مواطن يعانون نقص الغذاء و15% من سكان السودان يعانون من سوء التغذية (وبعدين؟)..
و"يعاني 46,5% من السودانيين من الفقر وفقاً لآخر احصائيات متوفرة لمؤشر العدد لخط الفقر الوطني.. والإعالة في السودان ما بين 73,1% الى 80%. (البنك الدولي)..
وبحسب تقرير نشرته وكالة أنباء السودان 11/8/2016م وموقع أهل مصر جاء "ان نسبة الإعالة والإنفاق على آخرين في السودان أصبحت مرتفعة جداً اذ تراوحت خلال العشر سنوات الماضية ما بين 79,2% الى 80,6% ويعني ذلك أن 20% من السكان ينفقون على 80% منهم وبمعنى آخر فان ثمانية ملايين شخص من العدد الكلي للسودان (حوالي 40 مليون) ينفقون على 32 مليون..

والأزمات لن تتوقف

× من بين أخبار يوم 7 فبراير 2019م:
-ازالة محلية ام درمان 78 دكاناً بالسوق الشعبي دون انذار مسبق رغم رفض وزارة العدل للقرار المحلي فالتجار يمارسون أنشطتهم منذ 1989م وازالة المحلية بمبرر تخصيص الموقع لموظفة سابقة (سودافاكس).
-المراجع العام يتهم وزارة الداخلية بتجنيب 299 مليار و414 مليون جنيه (الجريدة)..
-تقرير حكومي يحذر من فجوة في المخزون الاستراتيجي للوقود (الوطن السودانية)..
-العاملون بولاية كسلا يعتصمون لعدم صرف مرتباتهم لشهرين والرئاسة توجه بتوفير السيولة..
-رفعت المؤسسة السودانية للنفط الدعم جزئياً عن الجازولين لقطاعي التعدين والصناعة في السودان (مهند الشيخ/ سودان موشن) وتوقع رئيس لجنة الصناعة والتجارة بالبرلمان موجة جديدة من ارتفاع الأسعار في الأيام القادمة بعد زيادة تكلفة الوقود على القطاع الصناعي.

والحكومة تحرض على التظاهر

أنظر: ربط أسعار الخبز باستهلاك الكهرباء..
أنظر: كشف وزير التعاون الدولي احصائية تلقي العون الخارجي للسودان خلال الفترة 2005/2015م وبلغ 16 مليار دولار. ولم يجد الوزير اجابة على سؤاله أين أنفق أو أين ذهب (ياسر زين العابدين/ المستقلة/ فبراير 2019م).
أنظر: خصم مبالغ متفاوتة من العاملين بالدولة تحت بند (حماية الوطن) فاذا كان الناس يسددون تكلفة قمع المواكب فلماذا تتوقف الجدولة؟!

أخوكم محمد علي خوجلي
ونواصل الجزء الثالث والأخير من الرسالة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.