هذه الورقة:

1- اضافة للدراسات بشأن الفجوة بين المرتبات والأجور وتكاليف المعيشة في حدها الأدنى التي صدرت من عدة جهات حكومية وغير حكومية.
2- استجابة للدعوة العامة لاتحاد المهنيين السودانيين وطلبه المساهمة في التنوير بقضية الأجور.
3- طرح مؤشرات لمسائل ذات علاقة بقضية الأجور، قابلة للتطوير ومزيد من التفصيل وقد تساعد في تشكيل أرضية لبرنامج عمل موضوعي.
وقد تدفع القوى العاملة بأجر وأخص بالذكر القواعد، لتجاوز الطرح العمومي غير المختلف عليه من جميع الأطراف والانتقال لدراسة واقع القطاعات والفئات المختلفة واقتراح المعالجات.
4- وتشتمل على عرض موجز للحقوق العمالية في الدستور، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية، والبيئة القانونية في السودان، وأسباب عدم تطبيق القوانين والحد الأدنى للأجور وزيادات الأجور، وعلاقة الأجور بسياسات الاستخدام والأجور، والمفارقات والاختلالات وضعف الأجور، والحد الأقصى للأجور، واستنباط هياكل أجور المهنيين من هيكل الأجور الموحد وشروط خدمة المهنيين في القطاع الخاص.
إشارة: مفردة (المهنيين) عبر الورقة تعني أيضاً التقنيين والفنيين.
أولاً: مدخل القضية
1- الحد الأدنى للأجور، وعدالة الأجور من الحقوق الأساسية والدستورية. والمرتبات والأجور وما يرتبط بها من تأمينات ومعاشات وخدمات تعتبر على النطاق العالمي من وسائل توزيع الدخل القومي بين فئات المجتمع. ومن الطبيعي أن تكون القضية محل اهتمام النقابات والمنظمات الحقوقية والقوى السياسية.
2- والانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي يعني أنه لا توجد زيادة حقيقية في متوسط دخل الفرد وتظل زيادة متوسط دخل الفرد نقدية وليست حقيقية كما يحدث في السودان لسنين عددا. ولذلك فإنه في الحقيقة فإن زيادة المرتبات لا تتجاوز محاولة تغطية جزء من التآكل في المرتبات وحتى هذه التغطية الجزئية لا تطبق على جميع العاملين بأجر ولا حماية لها ولا تنفذ بعدالة.
3- ان ضعف الأجور والحد الأدنى للأجور والأجور المؤجلة (المعاشات) وعدم العدالة في التوزيع، والتضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة معدلات الهجرة وتشجيع الحكومة لها، وزيادة نسبة البطالة وبطالة الخريجين وضعف الكفاءات الإدارية في الخدمة، والفساد الاداري والمالي، وارتفاع النفقات الحكومية، وتطويع أجهزة الدولة لخدمة مصالح فئات اجتماعية، والحريات الاساسية وحرية التعبير، والنقابات الحرة المستقلة، والمنظمات الحقوقية المستقلة هي أجزاء لموضوع واحد (التحول الديموقراطي واعادة النظر في مفهوم سياسات التحرير الاقتصادي) وإحداث تقدم في أي جزء يكون مؤقتاً حتى تهزمه الأجزاء الأخرى ونعود للخلف مرة بعد أخرى..
4- الغلاء المتصاعد، وضعف الاجور والمعاشات ولسنوات طويلة في كثير من الدول النامية والسودان لا يحتاج لبيان.
وشمل الغلاء في السودان جميع السلع وألحق أضراراً غير مسبوقة بذوي الدخل المحدود وأيضاً المرتفع فلا حاجة لتأكيد المؤكد واضاعة الوقت والجهد في وصف تردي الأوضاع:
- المجلس الأعلى للأجور، واتحاد العمال، واتحاد أصحاب العمل، والوزراء والخبراء والمختصين و.. الى اخر يؤكدون على الفجوة الكبيرة بين الأجور ونفقات المعيشة.
- وقامت لجنة يناير 2018 للنظر في مواجهة الاجراءات الاقتصادية بميزانية 2018 بقرار جمهوري دون طلب ممثلي أصحاب المصلحة. وبلغت نسبة التضخم عند تكوين اللجنة 52% بما يعني ان زيادات اللجنة ستبنى على نصف الأجر القديم وحتى ذلك لم يحدث والتضخم والغلاء لا يعرف الهدنة.
5- وخلافاً لكل الدول النامية والفقيرة نجد في السودان:
"ان القطاع الاقتصادي بالمؤتمر الوطني هو المخطط والذي يضع السياسات العامة. والتنفيذ هو مسؤولية الجهاز التنفيذي تحت متابعة ورقابة القطاع الاقتصادي".
وعندما تندمج النقابات الرسمية في المؤتمر الوطني الذي يندمج في الدولة، فإن المؤسسات تكون شكلية ومنها المجلس الأعلى للأجور الذي تُلغى نتائج دراساته وتوصياته.
ثانياً: الحقوق العمالية في الدستور والمواثيق والاتفاقيات الدولية
1- صادق السودان على العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية/والاقتصادية والاجتماعية، واتفاقية الأشخاص ذوي الإعاقة وبروتكولها الاختياري واتفاقية الطفل وبروتكولها الاختياري. ونص دستور السودان المؤقت 2005 بإن المواثيق والعهود الدولية التي صادق عليها السودان تكون جزءاً لا يتجزأ من الدستور (م/27).
2- وتكتسب اتفاقيات العمل الدولية قوتها التنفيذية بعد تصديق الدولة عليها، وأصدرت منظمة العمل الدولية 188 اتفاقية و199 توصية. وصادق السودان على خمسة عشر اتفاقية هي:
رقم (19) بشأن المساواة في المعاملة ورقم (26) تحديد المستويات الدنيا للأجور ورقم (29) بشأن العمل الجبري، ورقم (81) تفتيش العمل، ورقم (95) حماية الأجور، ورقم (98) حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، ورقم (100) المساواة في الأجور، ورقم (105) إلغاء العمل الجبري، ورقم (111) بشأن التمييز (الاستخدام والمهنة)، ورقم (117) السياسة الاجتماعية "الاهداف والمعايير الأساسية"، ورقم (122) سياسة العمالة، ورقم (138) الحد الأدنى للسن، ورقم (82) بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال، ورقم (175) بشأن العمل لبعض الوقت.
"مصادقة السودان كانت على اثنى عشر اتفاقية خلال 1957-1971 واتفاقيتين في 2003 وواحدة في 2016"
3- وصادق السودان على ستة اتفاقيات عربية (أربعة في 2011) منها الاتفاقية العربية رقم (15) بشأن تحديد وحماية الأجور والحد الأدنى للأجور، وكذلك الاتفاقية العربية لمستويات العمل ومن بنودها:
- تضع كل دولة أنظمة لتحديد حد أدنى للأجور لضمان سد حاجات العمال الأساسية.
- تشكيل لجان مشتركة/ثلاثية (أصحاب العمل-العمال-الجهات الادارية المختصة) لتحديد الحد الأدنى للأجور على فترات دورية.
- تطبيق المساواة في الأجر وعدم التمييز بين العمال لأي سبب كان وهي المساواة التي تفرضها العدالة.
وهذا يستوجب الانتقال من مرحلة التكرار اليومي لنصوص المواثيق والاتفاقيات الى مرحلة كيفية بذل الجهور لانفاذها. والدستور السوداني لم يوضح كيفية تطبيق المواثيق والعهود الدولية. وهناك ثلاث وسائل:
الأولى: النص الدستوري على صلاحية عرضها أمام المحاكم.
الثانية: أن تتم معالجتها في صلب الدستور بحيث لا تحتاج لإصدار قوانين.
الثالثة: إصدار القوانين اللازمة لإنفاذها أو تضمينها في القوانين القائمة.
إذن: فإن موائمة القوانين العمالية وقوانين الخدمة مع الدستور والمواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية يظل واجباً مستمراً الى جانب حث الحكومات على المصادقة على اتفاقيات العمل الدولية (المعايير الدولية).
ثالثاً: البيئة القانونية في السودان
1- المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية هي قاعدة تحسين البيئة القانونية اللازمة لإنفاذ الحقوق العمالية التي تحفظها القوانين. وتوجد في السودان أربعة قوانين تُعنى بالأجور والحد الأدنى للأجور وشروط الخدمة في (القطاع المدني) وهي:
1/ قانون الحد الأدنى للأجور 1974
2/ قانون لجان الأجور وشروط الخدمة 1974
3/ قانون العمل السوداني 1997
4/ قانون الخدمة المدنية ولائحته 2016
(ويضاف إليها قوانين: التأمين الصحي/السلامة والصحة المهنية وقانون المعاشات والتأمينات الاجتماعية.
2- وتوجد الى جانب القوانين الأربعة والمضافة، الاتفاقيات الجماعية سواء بالاستناد على قانون العمل (الاتفاقية الثلاثية للأجور في القطاع الخاص) أو قانون لجان الأجور (اتفاقيات الأجور وشروط الخدمة لبعض الفئات) وهناك أيضاً شروط الخدمة الخاصة –خارج كل ما ذكرنا- في القطاعين الحكومي العام/الخاص والتي يصدرها المخدم أو تكون بالاتفاق (التفاوض).
3- ومشروع قانون العمل الجديد (2002-2018) يلغي قانون الحد الأدنى للأجور 1974 وقانون لجان الأجور 1976 بالدمج عبر المواد 156-164 (الفصل السابع)، والمشروع يهم ويتأثر به الملايين، عمال وموظفين ومهنيين في القطاع الخاص ويمثل الحد الأدنى لشروط خدمة كل الأجراء.
4- ان مسار المطالبة بتحسين شروط الخدمة وزيادة الأجور ورفع الحد الأدنى للأجور معلوم ومحدد بالقوانين القائمة مع التذكير:
أ/ المجلس الوطني والمجالس التشريعية علاقتها في ابتدار القوانين أو التعديلات في القوانين.
ب/ لا علاقة للاتحادات المهنية العامة بالأجور وشروط الخدمة.
ج/ نظام الحكم في السودان (جمهورية رئاسية).
رابعاً: عدم التطبيق الكامل للقوانين واللوائح والاتفاقيات
يفيد واقع الممارسة في السودان: أن الحد الأدنى للأجور وقانونه، والاتفاقية الثلاثية (القطاع الخاص) واللوائح (لائحة أجور الصحفيين نموذجاً) لا تطبق على جميع المؤسسات والمنشآت ولا على جميع الأجراء. بل ان هيكل الأجور الموحد بقانون الخدمة المدنية ولوائحه لا يخضع له كل العاملين في القطاع الحكومي/العام.
فما هي أبرز أسباب عدم التطبيق الكامل؟
- غياب آلية تفتيش العمل بالمعايير الدولية والمعمول بها في معظم دول العالم.
- عدم وجود تنظيمات نقابية في معظم المنشآت الخاصة والتي من مهامها مراقبة تنفيذ القوانين العمالية. وتجميد نقابات المهنيين.
- فقدان النقابات لاستقلاليتها وتحول بعضها الى أصحاب عمل (الاستثمارات النقابية/عضوية مجالس الادارات من المظاهر).
- حاجة الاجراء للعون الفني/القانوني للدفاع عن حقوقهم.
- تنامي شركات الاستخدام الخاصة (توظيف الاشخاص) لأكثر من سبعمائة خارج الرقابة الادارية لمكاتب الاستخدام العامة التي لا وجود لها رغم نص القانون الذي يوجب قيامها.
- نزع الحماية الادارية وسلطات مكتب العمل في فض نزاعات الأجور والحد الأدنى للأجور وتقييد الحماية القضائية في مشروع قانون العمل الجديد.
- فقدان الاجور للحماية بعدم التزام الحكومة في المركز والحكومات الولائية بإنفاذ تعديلات الأجور في مواقيتها لتحل قضية (سداد متأخرات المرتبات والأجور) محل قضية تحسين الأجور لذلك فإن 99% من الوقفات الاحتجاجية/الاضرابات عن العمل/التهديد بالاضرابات عن العمل موضوعها (المتأخرات).
- ومعروف ان تردي الاحوال الاقتصادية والمعيشية تجبر العمال وكل الفئات الأخرى من الاجراء على العمل بأقل المرتبات والأجور.
ويرتبط عدم التطبيق الكامل، بأسباب أخرى تضعف المرتبات والأجور ومن أبرزها:
1/ استثناء مؤسسات كثيرة بعضها يستخدم عمالة كبيرة من الخضوع لقانون الخدمة المدنية (الهيكل الراتبي الموحد) أو قانون العمل (الحد الأدنى للأجور واتفاقية الأجور الجماعية) حتى فاقت المؤسسات المستثناة الـ(80)، "تعديلات قانون الخدمة المدنية قيد الاستثناءات دون الاشارة للمؤسسات والمصالح والبنوك والمنشآت المستثناة".
2/ عقود العمل الخاصة مع مستخدمين وطنيين وأجانب بمئات الدولارات أو آلاف الجنيهات.
3/ القوانين القائمة لا تحدد أي فترات دورية لمراجعة الأجور/الحد الأدنى للأجور أو الأجور المؤجلة وينتج عن ذلك تجميد الأجور (2004-2012) و(2013-2019).
4/ عدم مراعاة توصيات المجلس الأعلى للأجور (شراكة ثلاثية) واهمال نتائج عمل الجهاز المركزي للإحصاء تحت راية (مقدرة المخدم على الدفع).
بعض اضاءات
(أ) النقابات المستقلة:
السلوك العملي هو مقياس تقييم الاستقلالية وفيما يتعلق بموضوعنا نجد اتحاد نقابات العمال (الممثل الرسمي الوحيد للعمال والموظفين والمهنيين) تمسك مرات عديدة بتجميد مطالب وحقوق العاملين تطوعاً ودون الرجوع للقواعد ولأسباب منها: مراعاة لاستحقاقات السلام أو لظروف الاستفتاء أو بسبب ان موازنة الدولة عانت عجزاً واضحاً وبالتالي فإن المطالبة بزيادة الأجور ستكون مطالبة غير واقعية أو أساليب اخرى كسداد المتأخرات بدلاً عن زيادة الأجور أو تعديل علاوات بديلاً لتعديلات الأجور.
(ب) فقدان التنظيمات النقابية:
من عوامل ضعف الأجور وعدم تطبيق القوانين واللوائح والاتفاقيات عدم وجود التنظيمات النقابية في معظم المنشآت وفقدان الموظفين والمهنيين نقاباتهم بالتذويب في نقابة المنشأة.
وحتى بنظام نقابة المنشأة تمت المحافظة على احتكار القيادة النقابية (باللوائح) مثلما عرقلت قيام تنظيمات نقابية جديدة. فاللوائح - مثلاً – لم تبين كيفية قيام الكليات الانتخابية أو طريقة انعقاد الجمعيات العمومية وطريقة اختيار ممثليها.
ان لائحة البنيان النقابي/لائحة تكوين النقابات والتي لم تنشر في الجريدة الرسمية ولا توجد نسخة منها في وزارة العدل نصت (م/5) على:
- يجب ألا يقل عدد اعضاء الهيئات النقابية عن مائتين وخمسين عضواً.
- وتتكون الهيئات الفرعية على أساس المنشأة أو القطاع أو الصناعة أو المخدم أو المحلية أو المهنة ويجب ألا تقل عضويتها عن مائتين عضواً.
- تتكون الوحدة النقابية وفق النظام الاساسي في المواقع التي لا تقل فيها العضوية عن مائة عضو.
(ج) تفتيش العمل في السودان:
1- تفتيش العمل في السودان لم يكن يوماً على هيئة نظام بالمعايير الدولية ضمن نظام الادارة العامة للعمل.
2- وتفتيش العمل من العوامل التي تساعد على النهوض بالتنمية الاقتصادية. ويقلل نزاعات العمل. ويتابع تطبيق القوانين العمالية واللوائح (بيئة العمل/السلامة والصحة المهنيتين/الحد الأدنى للأجور/الأجور/التدريب/التأمين الصحي/التأمين الاجتماعي والمعاشات/العمالة الأجنبية.. الى اخر).
3- وهيئة تفتيش العمل بالمعايير الدولية تقوم على اساس دائم ولا تتأثر بتغيير الحكومات وتراعي في تفتيش العمل:
- التنسيق مع أصحاب المصلحة في القطاعين الحكومي والخاص.
- الادارة الوقائية والخدمات الارشادية.
- تعاونيات العمل وصناديق التكافل.
- مكاتب ووكالات وشركات الاستخدام والاستقدام.
(د) شركات التوظيف الخاصة:
* تم انهاء احتكار الدولة للوساطة في التشغيل بقيام وكالات الاستخدام والاستقدام الخاصة بالاتفاقية الدولية رقم (181) والتوصية رقم (111) وتم النص عليها في قانون العمل 1997
* ومن خدمات الوكالات:
1- التوفيق بين عروض الاستخدام والطلب عليها دون أن تصبح وكالة الاستخدام الخاصة طرفاً في علاقات الاستخدام التي قد تنشأ عن ذلك.
2- خدمات توظيف العاملين بغية اتاحتهم لطرف ثالث (المنشأة المستخدمة) التي تحدد مهامهم وتشرف على تنفيذها.
• وقانون العمل السوداني لم يحدد شروط قيامها أو ضوابط استمرارها (فقط لوائح وزارية).
• والمعايير الدولية لشركات الاستخدام الخاصة هي:
1- اشراك أصحاب العمل والعاملين الباحثين عن عمل في صياغة اتفاق شروط قيام وكالات الاستخدام الخاصة وواجباتها وطرق ادائها.
2- يحدد قانون العمل ولوائحه المعايير التقنية والمبادئ التوجيهية وآداب المهنة.
3- يشتمل قانون العمل على عقوبات بما فيها حظر نشاط الوكالة الخاصة المخالفة للشروط والضوابط وآداب المهنة.
4- حصول العمال الذين تستخدمهم الوكالات على عقود استخدام كتابية قبل مزاولتهم للعمل فعلياً.
5- لا يجوز لوكالات الاستخدام الخاصة اتاحة عمال لمنشأة مستخدمة ليحلوا محل عمال تلك المنشأة المضربين عن العمل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////