عبر وقائع العرض الماضي أكد عدد من الناجين وغيرهم أن الضرب بقذائف دانات الدبابات ت55 في بيت الضيافة كان قبل الضرب بالكلاشنكوف وان هذا الضرب لم يفرق بين المعتقلين وحراسهم من مجموعة 19 يوليو كما أبان الرائد/ مأمون عوض ابوزيد بوضوح شديد "المعتقلين في القصر الجمهوري" والنقيب مأمون حسن محجوب "المعتقلين في بيت الضيافة".

وكل الوقائع التي أوردها الشهود "اللواء/ كسباوي, الملازم/ مدني علي مدني, العقيد/ سعد بحر, الملازم/ محمد علي كباشي, العميد م/ المنير محمد حمد وغيرهم أن يوم 22 يوليو شهد عدداً من الانقلابات داخل الانقلاب المضاد وليس انقلاباً واحداً. وهذه المعلومات والوقائع هي تطوير لما توصلت اليه اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني في اجتماع سبتمبر/ نوفمبر 1971م عن القوة الثالثة بمفهوم الانقلاب الواحد داخل الانقلاب المضاد بالقول:
"ان مذبحة بيت الضيافة تتحمل مسئوليتها قوات انقلاب 22 يوليو المضاد وان قادة 19 يوليو لم يصدروا أمراً بقتل المعتقلين".
فخلال العرض يتبين لنا ان هناك ثلاثة انقلابات زارت بيت الضيافة يوم 22 يوليو منهما اثنان داخل الانقلاب المضاد, ارتكب احدهما جريمة ازهاق أرواح الضباط العزل.
شهادة العقيد/ جعفر نميري
ان المؤتمر الصحفي الذي عقده العقيد/ جعفر نميري يوم الاثنين 26 يوليو 1971م تشكل محتوياته وثيقة هامة, وشهادة لا يجوز للباحثين تجاوزها. فقد حكى: "سمعت طلقة من دبابة. انزعجت للغاية لانو تخيلت أن الجماهير خرجت في مظاهرات وتغلبت على قوات الأمن فضربوا عليها بواسطة الدبابات. ولكن لم تمضي ثلاثة دقائق إلا وسمعت طلقة أخرى في منطقة القصر. وهنا تأكدت ان هذه الدبابات آتية لحمايتنا.
وبعد دقيقة كان هناك ضرب مكثف بالأسلحة الصغيرة على جميع منطقة القصر. وكانت الطلقات تنفذ بالشباك.
"وفي بيت الضيافة انهار جزء من سقف الغرفة التي بها معتقلون لتؤدي بحياة سيد احمد حمودي عندما سقط على رأسه – مقدم العرض"
ورأيت دبابة ت55 تضرب برشاشها على القصر"
"فتح الباب فجأة ودخل الضابط الذي كان مسئولاً عن حراستي النقيب/ "محمد خاطر حمودة – مقدم العرض" شاهراً طبنجته ومعه خمسة جنود استعداداً للضرب وسألتهم: ماذا بكم؟
قالوا: جئنا للاطمئنان عليك.
قلت لهم: أنا بخير ولكن أرجو أن تتصل بمن عينك لحراستي ليحضر فوراً لنذهب سوياً لايقاف هذا الضرب من الدبابات لأنه سوف يدمركم كلكم.
فقالوا لي: اذن تقدم أمامنا.."
"أعطيت قائدهم بشكيراً من حجرتي وقلت له: آمر أحد الجنود ليرفعه من الشباك. ففعل. وأوقفت الدبابة الضرب. ولكن الحراس لم يظهروا للدبابة ولم يتركوني أصل اليها".
وقلت لهم: يجب أن أذهب الى هذه الدبابة.. وعندما وصلت بالقرب من الباب الرئيسي بدأت الدبابة تضرب مرة اخرى. وأخذت الساتر في الوقت المناسب, اذ انطلقت مجموعة من الرشاشات في محلنا وجرح بعض الجنود "جنود 19 يوليو في حراسة نميري".
"قفزت فوق الحائط.. وجدت دبابة تضرب على القصر. تفاديتها وجريت على وزارة المالية. جاءت دبابة من جهة الشجرة. صوبت رشاشها وضربت فأخذ الجميع ساتراً ولوحوا لهم بأنهم أصدقاء..".
أنظر: عدد وحركة الدبابات ت55 وجميعها للانقلابات داخل الانقلاب.
الضرب مركز على غرف المعتقلين
وجاء في توثيق الملازم/ مدني علي مدني "من منفذي تحرك 19 يوليو/ وكان وقتها بالقصر الجمهوري ومعه العقيد/ ابوشيبة والرائد/ عبدالمجيد جريس" قال
"الضرب كان مركزاً على الغرف التي بداخلها المعتقلون داخل القصر وليس علينا في مباني الحرس وهناك فرق بين المبنيين. والدبابات لم يكن معها مشاة. كانت تعتمد على القصف بالدانات".
"صف الضباط الذين اشتركوا في ضربنا يوم 22 يوليو لم يكن يقصدون ارجاع نميري. كانت خطتهم تصفية الصف الثاني من مايو وأعضاء "تنظيم أحرار مايو" في بيت الضيافة. وكان حدسهم أن نميري ورفاقه لن يخرجوا أحياء من القصر.. ومن ثم يتحمل ضباط يوليو وزر الجريمتين بعد تصفية ابوشيبة لمعتقلي القصر. لكن خروج نميري ورفاقه أحياء من عرين الأسد أسقط المخطط بين أيديهم".
أنظر:
شهادة العقيد/ نميري تطابقت مع شهادة الملازم مدني في:
-تركيز الضرب على غرف المعتقلين وهي اشارة لا تخفى أن انقلاب/ أو أكثر داخل الانقلاب المضاد كان اتجاهه تصفية القوميين العرب قبل التوجه نحو الشيوعيين.
ويواصل الملازم/ مدني
"ميز الضباط وفر لنا حماية فقد كان مجاوراً لمنزل النقيب/ عبدالباسط المبارك وعندما اطلق الجنود دانة من الدبابة ووابل من الرصاص على الميز. صاحت النساء وصرخ الأطفال وسمعناهم يتصايحون "بطل الضرب.. ديل عوايل" كانوا جنوداً وصف ضباط ولم يكن معهم ضابط".
(بركات بشير نجار/ 19 يوليو 2016/ حوار الملازم/ مدني علي مدني).
أشار الى الجناة
الملازم/ محمد علي كباشي عند توجهه يوم 22 يوليو بدبابة (أحرار مايو) من ضباط صف اللواء الثاني مدرعات الى بيت الضيافة, وجد جيشاً آخر سبقه وضرب المعتقلين "تنظيم ضباط الصف والجنود الوطنيين بحسب العقيد/ سعد بحر زار بيت الضيافة بعد الضرب وهو الذي قابل المعتقلين بالأحضان".
وفي أقوال الملازم/ عبدالرحمن شامبي نواي, كما اذاعتها الاذاعة السودانية وهي تنقل محاكمات محاولة انقلاب 5 سبتمبر 1975م " العميد م/ كمال الخير/ سودانيات":
"أذكر أنني كنت متابعاً لأقوال الملازم/ شامبي الذي ذكر أن تنظيمهم بدأ العمل في منتصف الستينات بعد ثورة اكتوبر 1964م وهو ملتزم بأفكاره منذ فترة الدراسة الثانوية. التحق بالكلية الحربية وكان هدفهم الاستيلاء على السلطة عن طريق الانقلاب العسكري. واستمر التنظيم بعد انقلاب 25 مايو 1969م. وعندما قامت 19 يوليو 1971م وجدوا الفرصة سانحة أولاً للقضاء على المايويين "القوميين العرب/ الناصريين وحلفاءهم" ثم بعد ذلك على الشيوعيين والاستيلاء على السلطة.
تحركت مجموعتهم في المدرعات قبل المايويين "أحرار مايو" وقاموا بضرب القوميين العرب المحتجزين في قصر الضيافة وتحركوا من المنطقة. وبدأوا في محاصرة ومطاردة الشيوعيين والقبض عليهم. (أول الدبابات التي زارت بيت الضيافة)
راجع: انقلاب المجموعة الذي حددوا ساعة صفره يوم 24 مايو 1969م كما عرضنا وتأجيل قائد المجموعة للانقلاب حتى يوم 27 مايو 1969م حيث كانت المجموعة مخترقة من قبل القوميين العرب.
انظر: الوقائع التي ذكرها الملازم/ عبدالرحمن شامبي تعني أن ضرب القصر الذي شهد به العقيد/ جعفر نميري هو "عملية أخرى/ أو أكثر"..
ودعم الصحفي/ محمود ادريس "من اعضاء حزب الأمة" شهادة العميد/ كمال الخير وكتب:
"منعت أمانة الاعلام بالاتحاد الاشتراكي الصحف من نشر أقوال الرائد/ عبدالرحمن شامبي في محاكمة عطبرة 1975م. وكنت أتولى رئاسة تحرير جريدة الصحافة بالانابة عندما اتصل بنا احمد عبدالحليم الذي كان مسئولاً عن الاعلام بالاتحاد الاشتراكي وطلب منا عدم نشر شهادة شامبي ولكنني تحصلت على أقواله من مندوبنا بعطبرة زين العابدين ابوحاج الذي كان يحضر جلسات المحكمة ممثلاً لجريدة الصحافة:
"وجاءت شهادة الرائد شامبي معززة لما توصلت اليه من نتائج حول مجزرة بيت الضيافة الأمر الذي شكل عندي يقيناً بأن اولئك الضباط ذهبوا ضحية لقصف الدبابة لبيت الضيافة.
داخل سياق العملية
انعقد مؤتمر سفراء السودان بقاعة الصداقة بالخرطوم في نوفمبر 1989م وكتب السفير/ عطا الله محمد بشير "ذكريات وتجارب دبلوماسية":
"أما المفاجأة الثالثة والأخيرة فكانت صعود شخص لا علاقة له بالسياسة الخارجية أو الدبلوماسية الى منصة الرئاسة.. وهو السيد/ أحمد عبدالحليم أحد زعماء نظام مايو.. متأبطاً بعض الأوراق ليقرأ على المشاركين قرارات المؤتمر دون أن يكون عضواً أو مشاركاً مع السفراء المهنيين في المؤتمر.. ولدهشة واستغراب السفراء قرأ تقريراً عن مخرجات وقرارات المؤتمر مختلفاً تماماً عن الذي قامت لجنة الصياغة المنبثقة عن السفراء باعدادها..!! وعليه تبين وتأكد للجميع أن ثورة الانقاذ تمثل واجهة لنظام خفي..".
محرك الأحداث
في مراجعات الطاهر حسن التوم مع اللواء أمن/ عثمان السيد كان لمولانا حسن علوب تعليقاً هاماً "المعز ابو نورا/ 28 ابريل 2012م" تم نشره كالآتي:
× نفى مولانا علوب تماماً كتابته لموجز تنفيذي أو ملخص لتقرير لجنة التحقيق في احداث 19 يوليو 1971م حيث كان اللواء يقرأ من مقتطفات في البرنامج ادعى كتابة علوب لها.
× وان تقرير اللجنة كان من ثلاث نسخ لا خمسة كما ذكر عثمان السيد. مجلده في المطبعة الحكومية. وكانت هناك نسختان عند نميري والثالثة في القضائية وكانت داخل الخزانة حتى العام 1976م عندما سلمت بالسركي الى رئاسة الجمهورية.
× يعتقد مولانا علوب ان لواء أمن/ عثمان السيد قد تعمد اغفال الحديث عن أهم جزء في التقرير عن دور ما أسما بالامبريالية وعلاقات أفراد مرموقين في نظام مايو وفي المجتمع السوداني بأجهزة المخابرات العالمية وبالتحديد المخابرات البريطانية. والجدير بالذكر أن اللجنة اعتمدت في كتابة هذا الجزء على تقارير من جهاز الأمن القومي الذي كان ينتمي اليه عثمان السيد, وكذلك من الأجهزة الاستخباراتية الأخرى.
× لم يرد في تقرير اللجنة أي تأكيد قاطع للجهة أو الأفراد الذين قاموا بمذبحة بيت الضيافة. وكان هناك تواجد لقوت أتت من القيادة الغربية لتصل الخرطوم في نفس أيام انقلاب هاشم العطا.
× وجدت اللجنة ايضاً ان غرفة عمليات للقيادة الغربية كانت متواجدة في الخرطوم. وطلبت اللجنة أن يتم تحقيق اضافي عن تواجد هذه القوات والطرف الثالث في الأحداث..
× توصلت اللجنة من شهادات الشهود وتحليلها للأحداث للأدوار المزدوجة التي لعبها المقدم/ صلاح عبدالعال مبروك وقد تم رفع هذه الاتهامات بحيثيات قوية لنميري.
التعسف في الاستنتاجات
كثيرون من الذين حاكموا الحزب الشيوعي السوداني, أو مجموعة 19 يوليو أو قائد الحرس الجمهوري على جريمة قتل العسكريين العزل استندوا على أن المعتقلين تحت مسئولية الجهة التي اعتقلتهم دون النظر الى ما كان يمور في الساحة يوم 22 يوليو. ومن هؤلاء من كانوا بعيدين عن الأحداث وأطلقوا تلك الأحكام بعد سنوات طويلة بناء على استنتاجات خاصة ومتعسفة وهذا لا يحدث بالصدفة.
فاللواء م/ محمود محمد قلندر كتب في بحثه عن بيت الضيافة "سنوات نميري":
"ان عثمان حاج حسين ابوشيبة هو الذي أصدر التعليمات بأنه في حال حصول انتكاسة لحركة 19 يوليو يجب ان ينفذ حكم الاعدام بحق المعتقلين. وصدرت تعليمات الى الضباط المسئولين عن الحراسات: الملازم/ حسن العماس في مباني جهاز الأمن ومحمد خاطر حمودة في القصر الجمهوري والحردلو في بيت الضيافة" لكن اللواء م/ قلندر لم يحصل على الخطة التنفيذية لتحرك 19 يوليو وبدأ البحث عن مسألة بيت الضيافة في 1976م. واتيحت له فرصة الاطلاع على ملفات لجنة التحقيق القضائية حول أحداث 19 يوليو 1971م مع ذلك لم يكمل قراءتها "لضخامتها" وانتقى بعضاً منها.. ولأنه لا يعرف العقيد/ ابوشيبة ولم يره فإنه توصل الى (الاستنتاج) بأن ابوشيبة اصدر التعليمات, بمحاولة "فهم شخصية ابوشيبة" مستعيناً بأقاربه وبالضباط المقربين "فهو لم يبنى استنتاجاته على أوراق ومستندات لجنة التحقيق..!".
ومعلوم أن اللواء م/ محمود محمد قلندر التحق بالقوات المسلحة في منتصف شهر مايو 1971م أي قبل شهر واحد من تحرك 19 يوليو وكان وقتها يتلقى دورة تدريبية أساسية في شندي "مراجعات/ الطاهر حسن التوم".
ان التعسف في استنتاج اللواء م/ قلندر لا يحتاج لبيان. ومجموعة 19 يوليو ليست لها اصلاً خطة لتأمين السلطة بل لم يتصوروا أبداً انقلاباً مضاداً دعك من الانقلابات العديدة داخل الانقلاب المضاد. ولم تكن لديهم خطة (أ) أو (ب).
ان مجموعة 19 يوليو تفاجأت بحركة الدبابات وقذائفها المهولة مثلما فاجأت هي الناس كل الناس في يوم 19 يوليو وفاجأت الحزب الشيوعي السوداني "إلا قليل من قياداته" الذي تم توريطه من كافة الانحاء.
والمؤكد ان "محرك الأحداث" كان يحتاج لغطاء للوقائع التي أظهرتها محاكمة عطبرة 1976م.
ونواصل: القتل العمد والاغتيالات بغطاء القانون..
للتواصل والمشاركة في هذا التوثيق الجماعي: موبايل 0126667742 واتساب 0117333006 بريد عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.