(اللجنة المركزية/ نوفمبر 1971م)

اللجنة المركزية لأي حزب شيوعي هي أعلى هيئة قيادية فيما بين المؤتمرين. وتشكل السمة الجماعية للتوجه والقيادة الحزبية, ومن وظائفها الأساسية التمسك بخط الحزب السياسي وخطه التنظيمي وبرنامجه المجاز من المؤتمر العام, واحترام الديمقراطية الحزبية الداخلية, والادارة الديمقراطية للخلافات, وتقديم المبادرات بشأن مشروعات تقييم النشاط وتعميم تجارب العمل. وطلب الحقيقة من الواقع.. الى آخر.
وفي السودان, فان المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي 1967م هو الذي ظل يحكم العمل القيادي حتى 2009م عند انعقاد المؤتمر الخامس. أما اجتماع الكادر الموسع "مؤتمر الكادر" اغسطس 1970م فقد نتج عنه الانقسام الكبير. وخلال كل الفترة من 22 يوليو 1971م وحتى 2009م كان التصعيد والإنزال لعضوية اللجنة المركزية يتم بالتعيين ممن تبقى من عضوية اللجنة المركزية المنتخبة من المؤتمر الرابع. وبعد ذلك, وفي الممارسة حل المكتب السياسي محل اللجنة المركزية التي حلت محل المؤتمر العام. بأثر سيادة المركزية المطلقة لأربعين سنة.
وانعقد المؤتمر الخامس 2009م كأول مؤتمر عام بعد عملية يوليو الكبرى بما فيها انقلاب مايو 69 والذي أجاز تقييم أحداث يوليو 1971م, الذي أعده عضو واحد/ أو أكثر من عضوية اللجنة المركزية المنتخبة من المؤتمر الرابع والتي تبقت بعد 22 يوليو.
وأشار عرضنا السابق الى ملاحظات أساسية حول التقييم ذات علاقة بموضوع العرض وأبرزها:
1/ لم يتضمن الفترة قبل انقلاب 25 مايو ولا سلطة القوميين العرب بالانقلاب والصراع الفكري والسياسي خلالها ومشاركة ضباط شيوعيين في انقلاب 25 مايو 69 وبدأ من 16 نوفمبر 1970م تاريخ فض القوميين العرب لتحالفهم مع الحزب الشيوعي. وبذلك سكت عن مشاركة أعضاء في اللجنة المركزية في انقلاب مايو واتفاقهم مع القوميين العرب وهم أغلبية أعضاء اللجنة المركزية حتى أغسطس 1970م.
2/ قام بتعليق مسألة المذبحة والمجزرة واغتيال قيادات من الحزب الشيوعي وسكت بالضرورة عن دور المخابرات المصرية ومخابرات الدول الغربية ومسئوليتها بالتضامن مع شريحة القوميين العرب في أنهار الدم التي سالت هنا وهناك ونقلها الى المؤتمر السادس الذي انعقد دون حسم لكل ذلك.
3/ اكتفى فيما يتعلق بالتحرك العسكري في 19 يوليو بتعديل تعريف طبيعة ما حدث من "انتفاضة" الى "انقلاب" والجهة المنفذة من "الضباط الأحرار" الى "مجموعة" من ضباط شيوعيين وديمقراطيين وماركسيين من دون إنتماء.
وخلال السنوات الطويلة التي انقضت تكشفت وقائع كثيرة ومثبتة ومنها: شهادات شهود, ووثائق رسمية, وكتابات عسكريين منفذين.. وبما يتطلب إعادة النظر في الوقائع القديمة! وبالضرورة التقييم. ومعروف أن العمليات التي تكون أجهزة المخابرات هي محركها أو طرف رئيسي فيها تكون سرية وإماطة اللثام عنها يحتاج لوقت. وهو ما حدث فعلاً ولا اعتقد أن هناك أي حرج لإعادة ترتيب الوقائع وإعادة النظر في التقيم.
وفي هذا العرض نكتفي بالوقائع التي توصلت اليها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني وملاحظاتها عن 19 يوليو في دورة نوفمبر 1971م, دون أي تعديل "نقل مسطرة" إلا العناوين الجانبية لتيسير العرض, "وقد نلجأ الى دورة اللجنة المركزية في يوليو 1972م" فيما يتعلق بموضوع العرض.

الأكاذيب حول مذبحة بيت الضيافة
وبحسب السكرتارية المركزية: صدرت من اللجنة المركزية في دورة سبتمبر/ نوفمبر 1971م وثائق وتوجيهات منها:
× تجميع المعلومات والحقائق عن تطور نظام الردة اليميني, وبصفة خاصة الأكاذيب حول مذبحة بيت الضيافة, وان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اتخذت قراراً بالانقلاب في 31 مايو 1971م وان قيادة الحزب خططت للانقلاب وان الاتحاد السوفييتي وراء الانقلاب.. الخ.. الخ.
× تجميع المعلومات والحقائق عن محاكمات الشهداء والسجناء والمعتقلين, التدخل المصري الليبي وغير ذلك من قضايا الوضع السياسي والعسكري.
× وقررت اللجنة المركزية اصدار الوثائق التالية "نعرض منها":
= وضع تقرير سياسي أشمل يعالج القضايا الأساسية حول الوضع الراهن والتطورات التي صاحبتها, مثل مواقع ومراكز سيطرة الاستعمار الحديث, الجمهورية الرئاسية, التشريعات الجديدة, التكوين الجديد للوزارة, الجنوب, الوضع الاقتصادي والمالي والتحركات السياسية للطبقات والفئات والأحزاب والاتجاهات المختلفة بعد 22 يوليو, الملامح الأساسية للوضع في الشرق العربي وأزمة الشرق الأوسط, المسائل الجديدة في الوضع العالمي.. الخ.
= تجميع ونشر المعلومات المتوفرة لدينا حول التدخل المصري الليبي ومذبحة بيت الضيافة والمحاكمات.

الاتحاد الثلاثي والمخابرات البريطانية
تحت ضغط الأحداث والتعجل, لم يتم تقدير سليم لخطورة الاتحاد الثلاثي – ليس من الناحية السياسية العامة والمعروفة – ولكن من ناحية تدخله العسكري والسياسي وأن يصل حد التآمر مع الدوائر البريطانية لقمع الحركة "ننشر كل المعلومات والحقائق في وثيقة منفصلة" ويمكن تلخيص هذا التدخل في:
-دور الكلية العسكرية المصرية بجبل أولياء وقاعدة الطيران المصري في وادي سيدنا ودور الملحق العسكري المصري.
-الطائرة التي وصلت من القاهرة تحت ستار أنها تحمل رسالة من السادات وشخصيات معروفة بقربها وصلتها بالتقدميين في السودان.
-التعاون بين ليبيا ومصر والمخابرات البريطانية في اختطاف الطائرة.
-السادات يرسل وزير حربيته مع خالد حسن عباس لليبيا لوضع الخطة العسكرية للتدخل وتعبئة مظليين مصريين وتحضير وتجهيز الطائرات لنقل القوات السودانية من قناة السويس.
-السماح لخالد حسن عباس بالاتصال بالقوات السودانية في الجبهة وتحريضها وما تبع ذلك من تمرد في صفوفها واحتجاز قسم منها في سجن كوبر بعد وصولها.
-تصريحات القذافي بأنه لن يعترف بالنظام الشيوعي في السودان ويفتح بابه للاجئين السودانيين.
-توجيه من خالد حسن عباس للقوات المسلحة السودانية للتمرد وانه سيصل بقوات عسكرية.
-ثم تصريحات السادات بأن الاتحاد الثلاثي ولد بأسنانه كما ظهر في السودان وتصريحات جلود أن قواتهم استعدت للتدخل الخ.. الخ.
ولعبت اذاعة لندن وامريكا دوراً واضحاً ومحدداً في تعبئة كل القوى البعيدة والقريبة ضد الخطر الشيوعي في السودان.

الطابع الأممي للحركة الديمقراطية السودانية
كانت 19 يوليو تعبيراً أصيلاً للطابع الأممي للحركة الديمقراطية السودانية التي بدأت خطواتها الأولى في النضال الشعبي في نهاية الاربعينات في أوثق ارتباط مع حركة التقدم والاشتراكية في العالم أجمع.
وهذا هو سر التحرك المحموم من جانب كل دوائر الاستعمار والرجعية والأنظمة المحافظة في الهجوم والتآمر على 19 يوليو. تدخل عسكري من الخارج وتحريض لفلول الرجعية في الداخل, تشويه متعمد لبرامجها ومضمونها وجذورها.. وصفوها بالتآمر الشيوعي "الانقلاب المشؤوم" "تآمر الحزب الشيوعي السوداني والاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية".. الخ ثم أغرقوها في أنهار الدم..
لقد اختلقوا خرافة التدخل السوفييتي تغطية للتدخل الحقيقي من جانب الاتحاد الثلاثي وتنسيق خطاه مع بريطانيا.

الصين ويوغسلافيا والانقساميون
لعب قادة الصين ويوغسلافيا – كل من موقعه – دوراً مخرباً كله خيانة وتنكر لمباديء التضامن الأممي باعلانهم التأييد المتهافت للردة اليمينية وانتصاراً للثورة المضادة. وإدانة 19 يوليو وموافقتهم الضمنية على اعدام الشيوعيين والديمقراطيين والتصفية الدموية للحركة الثورية في السودان. ينطلق قادة الصين من دورهم الأساسي في إضعاف تحالف حركة التحرر الوطني بالنظام الاشتراكي العالمي ويبحثون عن مناطق نفوذ, وتصفية الأحزاب الشيوعية والحركات الثورية التي لا توافق على خطهم واتخاذ تخريفات وبديهيات ماوتسي تونج قرآناً وانجيلا.. ينطلق قادة الصين من حقدهم الدفين على الحزب الشيوعي السوداني الذي قفل الطريق على خطهم الانتهازي في الحركة الشعبية في السودان وهزيمة كل محاولاتهم لبناء تنظيم "شيوعي صيني" قادر على الحركة والتأثير.
أما قادة يوغسلافيا فموقفهم تعيس بائس حقاً. يعتقد هؤلاء القادة أنهم يملكون القدرة على التأثير على سير الأحداث في السودان. يعتقدون أنهم القيادة الايديولوجية والسياسية لدول "الحياد الايجابي".. ومن الخير لهم ألا يهولوا من دورهم في السودان.
وتطابق موقف قادة الصين ويوغسلافيا تطابقاً تاماً مع خط وموقف الانقساميين الذين تسابقوا نحو الاذاعة والصحف ليعلنوا مباركة انتصار الردة. والإدانة المسبقة للشيوعيين والثوريين الماثلين أمام محاكم الثورة المضادة. ويؤيدون الاعدامات والتصفية الدموية للحركة الثورية ويقفون كشهود ملك, ويعاونون البوليس لاعتقال الشيوعيين والثوريين. وكل هذا سياق منطقي لموقفهم الفكري وانقسامهم العملي وتأييدهم لانقلاب 16 نوفمبر 1970م.

تصفية الحركة الديمقراطية والحزب الشيوعي بدنياً
حدثت الردة في اطار موجة المد اليميني في المنطقة بأسرها هذا صحيح, ولكنها أيضاً حدثت وقد صعد فيها الصراع الطبقي في السودان والمنطقة طابعاً أكثر عمقاً وتعقيداً وفي وقت تقدمت فيه الأقسام الأساسية في حركتنا الشعبية لمواقع جديدة, ولم تعد تقبل بتجميد الثورة أو تتخذ النمط المصري مثلاً أعلى أو ترضى بقيادة شريحة القوميين العرب الحاكمة من البرجوازية الصغيرة, برغم هذا سارت الردة حتى نهاية الشوط في الهدف الأساسي للثورة المضادة في السودان:
تصفية الحركة الديمقراطية والحزب الشيوعي بدنياً, والعودة بالبلاد لطريق التنمية الرأسمالية وسيطرة الاستعمار الحديث وإفراغ كل شعارات الثورة الديمقراطية من محتواها وتشويه تاريخها والإرتباط بتجمع الدول اليمينية وتصفية كل ما أنجزه شعبنا في تطور العلاقات بالدول الاشتراكية والاتحاد السوفييتي. وحصرها في الاطار الدبلوماسي والتجاري التقليدي.
بهذا فالردة ليست حدثاً محلياً بل ضربة قوية لحركة التحرر الوطني والحركة التقدمية في المنطقة وفي افريقيا.
والردة أيضاً تشكل انتصاراً كاملاً في كل الجبهات للخط اليميني. خط طريق التنمية الرأسمالية والتبعية بصرف النظر عن تطبيقه على يد قوى مدنية أو عسكرية, مجموعة أحزاب أو حزب واحد. وليس محتماً في هذا الصدد أن عادت في الاسابيع الأولى نفس شخصيات مجلس الثورة التي ارتبطت اسماؤها بشعارات 25 مايو, فهي قد تحولت لأداة في يد اليمين يوم نفذت انقلاب 16 نوفمبر. وليس مهماً أن تردد السلطة ارتباطها بشعارات العداء للاستعمار, والاشتراكية وتحالف الشعب العامل وغيرها من التعابير التي فقدت معناها وقدرتها على التأثير. فقد أثبتت تجربة السودان – على الأقل بالنسبة لنا – ان العداء للاستعمار "وبالذات الاستعمار الحديث" وليس الاستعمار في انغولا وموزمبيق, والسير في طريق التقدم الاجتماعي لا يمكن أن يستقيم مالم يرتبط في داخل البلاد بانجاز مهام الثورة الديمقراطية استناداً الى التحالف الوطني الديمقراطي وسلطته ونشر الديمقراطية في كل ميادين الحياة بما فيها جهاز الدولة وداخل تحالف الأحزاب الديمقراطية والتقدمية والمنظمات والهيئات والاتجاهات, وليس انفراد شريحة من البرجوازية الصغيرة بالقيادة "القوميين العرب" وفرض ايديولوجيتها. وتجميع الطبقات والفئات الأخرى تجمعاً كمياً في الاتحاد الاشتراكي وحرمانها من حقها في تكوين أحزابها وتقديم فكرها وبرامجها.
تجربة السودان بما توفر للحركة الديمقراطية من تطور واتساع عرت هذا النمط في أقل من عامين وكان لابد لها من أن تنفجر ضده ورغم الهزيمة فلن نستسلم له.

تصفية الحركة الثورية
لقد تميزت الفترة الماضية "22 يوليو – نوفمبر 1971م" كلها بالعمل على تصفية الحركة الثورية من جهة, وفي الوقت نفسه تقنين الردة وإضفاء شرعية على الاساليب الفاشية في الحكم والعمل السياسي:
× الاعدامات, والابادة والتعذيب, المحاكم الصورية, الأحكام طويلة المدى, الاعتقالات بلا حدود أو قيود, الفصل والتشريد.
× فرض الجمهورية الرئاسية وحكم الفرد.
× العداء للشيوعية كمنهج وسياسة.
× فتح الباب لكل مؤسسات ودوائر الاستعمار الحديث وفي مقدمتها البنك الدولي والاحتكارات التي يمهد لها الطريق.
× حل كل المنظمات الديمقراطية, وفرض الحزب الواحد وملحقاته, وتصفية الحركة النقابية وقمع حركة الطبقة العاملة كعائق أمام التنمية الرأسمالية وتدفق رأس المال الأجنبي.
ونواصل عرض دورة اللجنة المركزية نوفمبر 1971م
للتواصل والمشاركة في هذا التوثيق الجماعي:
موبايل : 0126667742 واتساب : 0117333006
بريد إلكتروني : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.