بحسب ما حَمَلَته الأنباء، وفي إحدى (هيجاته) اللامُتناهية، أطلق البشير مجموعة من الوعود التي لا يملك (مُقومات) تحقيقها، حيث كشف عن (تجاوُز) السودان للـ(صدمة) الـ(اقتصادية) بعد انفصال جنوب السودان بـ(تطبيق) الـ(برنامج) الـ(ثلاثي)، وشروعهم في (تطبيق) الـ(برنامج) الـ(خُماسي) الرامي لاستقرار الوضع الاقتصادي! ووعد بـ(حَلْ) مُشكلة البطالة والغلاء (عبر) الـ(استثمارات) الـ(عربية) المُرتقبة ضمن مشروع الأمن الغذائي العربي (أي في رحم الغيب)! كما (تعهَّد) بتحسين أوضاع العاملين في الدولة ورفع رواتبهم، والوصول (قريباً) إلى سعرٍ مُوحَّدٍ للعملة الوطنية! مُستشهداً بانتهاء (صعوبة) الحصول على تأشيرة الدخول والإقامة للسودانيين في الإمارات، دون توضيح علاقة هذا الأمر بالبرنامجين الثلاثي والخُماسي!

ولمن لا يعرفون، فإنَّ البرنامج الاسعافي الثلاثي للاقتصاد يُغطي الفترة 2012-2014، وانطلق (فعلياً) مع بداية 2012، وتمَّ إعداده (آنذاك) لمُواجهة تحدِّيات وانعكاسات انفصال جنوب السودان! واستهدف بنحوٍ خاص تحقيق الاستقرار الاقتصادي وسد الفجوة في السلع والخدمات الرئيسية للمُواطنين، وزيادة الجهد المالي وتوجيهه نحو الإنتاج والإنتاجية، وإعادة هيكلة الدولة وترشيد الإنفاق وزيادة الإيرادات. واتَّخذ ذلك البرنامج الـ(إسعافي) أربعة محاور رئيسية لتحقيق أهدافه أوَّلها محور السياسات المالية للدولة كـ(تخفيض) الـ(صرف) الـ(حكومي) لنحو20% سنوياً، وإعادة الهيكلة وزيادة الإيرادات، ثمَّ محور السياسات النقدية عبر السيطرة على التضخُّم في حدود 15% بنهاية العام الأوَّل (أي 2012)، والتحكُّم في مُعدَّلات عرض النقود ومُتابعة برنامج الضخ السيولي، والمُحافظة على استقرار سعر الصرف بحدود 3.25 جنيه للدولار الأمريكي في عام 2012!! واختصَّ المحور الثالث بسياسات القطاع الحقيقي عبر إحلال الواردات وزيادة الإنتاج خاصَّة (القمح والسُكَّر وزيوت الطعام والأدوية)، بالإضافة زيادة صادرات الثروة الحيوانية والقطن والصمغ العربي والمعادن! في ما اهتمَّ المحور الرَّابع بسياسات القطاع الاجتماعي عبر تنشيط التمويل الأصغر، وتحديد خارطة الفقر والاستفادة من البيانات الأساسية الواردة في مسح ميزانية الأسرة للعام 2009م، بالإضافة إلى تخفيض مُعدَّلات البطالة لأقل من20%!

وعقب انتهاء العام الأوَّل لذلك البرنامج (وهو 2012)، وبدايات العام الثاني (2013)، فُوجئنا بوزير المالية آنذاك – وفي ظاهرة كونية فريدة – يُبشِّرنا بالـ(قرض) الصيني الذي احتفوا به (أيَّما احتفال)، وهي كانت أولى مُؤشرات ودلائل (فشل) ذلك البرنامج الذي وصفوه بالإسعافي! خاصَّة وأنَّهم لم يُشيروا – لا من قريب أو بعيد – إلى مصفوفة أهدافه (أي البرنامج الإسعافي) الكمية وسياساته التي اقترحوها لعامه الأوَّل، والتي من أبرزها تصدير نحو 3.9 مليون بقيمة 421 مليون دولار، ونحو 25 ألف طن لحوم بقيمة 115 مليون دولار، ونحو 4.3 مليون قطعة للجلود بقيمة 13 مليون دولار، ونحو 164 ألف طن من السمسم بقيمة 170 مليون دولار، ونحو 35 ألف بالة قطن بقيمة 150 مليون ونحو60 ألف طن من الصمغ العربي بقيمة 110 مليون دولار. بالإضافة إلى تصدير نحو 50 طن متري من الذهب بقيمة 2.5 مليار دولار ونحو 70 ألف طن كروم بقيمة 17 مليون دولار!

وقبل انقضاء الفترة المُقرَّرة للبرنامج (2012-2014)، أجاز البشير وجماعته في 28 اكتوبر 2014، ما وصفوه بالبرنامج الخُماسي للاصلاح الاقتصادي (2015-2019م) دون أي خُطوة من الخُطوات العلمية والمُؤسَّسية الرصينة المُتعارف عليها، كمُراجعة تنفيذ البرنامج الـ(ثلاثي) الذي لم ينته أمده (آنذاك) وتقييم ما تمَّ تنفيذه منه (إنْ كان هناك جُزء مُنفَّذ فعلاً)، وما هي أوجُه القصور أو نقاط القوة والضعف وأسبابها ومُبرِّراتها وكيفية مُعالجتها والنتائج المُتحقَّقة وغيرها. لم نر أي من تلك الخُطوات العلمية والمنهجية الرصينة، وإنَّما وجدنا توجُّهاً جديداً، يتمثَّل في إجازة، بل الدخول، في برنامج جديد، مع تكثيف الديون الخارجية وتفعيل أُطُر وأساليب الاقتراض وتجميلها ووصفها بمُسمِّياتٍ أُخرى أكثر جاذبية، بينما واقعنا الاقتصادي في تراجع يوماً بعد يوم!

والسؤال المنطقي للبشير وصحبه، الذين يملأون الدنيا (كذباً) و(تضليلاً)، إلى ماذا استندتم في إطلاق (أحكامكم) بـ(نجاح) البرنامج الثلاثي (وفق ما وضعتموه من أرقام وإنجازات)؟ فقبل الدخول في برامج، وبالأحرى (دَوَّامات) جديدة، ينبغي توضيح أو على الأقل (معرفة) مآلات برامجكم القائمة، في ظل الأزمات التي يحياها السودان وأهله منذ مقدمكم المشئوم! فالشاهد أنَّ مُعاناة الوطن وأهله في تزايدٍ مُضطرد، وهم وحدهم (أي المُواطنين) يتحمَّلون نتائج أفعالكم الكارثية، سواء في الاقتصاد أو غيره من المجالات، ولم يتحقَّق أي من (أكاذيبكم) الـ(مُوثَّقة) بكل صور وأشكال التوثيق الصوتي والمرئي والمقروء! لم يقم البشير وصحبه بـ(تقييم) برنامجهم الثلاثي الذي وصفوه بالنجاح، وبالتالي تحديد نجاحه من عدمه في ضوء الإيجابيات والسلبيات، رغم قناعتنا الأكيدة بغياب أي جانب إيجابي استناداً لواقعنا الاقتصادي المأزوم، للدرجة التي (يبتهجون) فيها بالـ(ديون) والـ(مِنَحْ) والـ(هِبَاتْ) على كافة المُستويات!

فالواقع أنَّ السودان بأكمله، وبالضرورة الاقتصاد، يدور في حلقة مُفرغة من الفشل الذي (بَرَعَ) فيه البشير ومن معه، طيلة الـ(26) عاماً الماضية، مما أفقر البلد وأهلها وزاد من مُعاناتهم! ينتقلون من فشلٍ لآخر، دون إجراء أي إنجاز حقيقي وعملي لمُعالجة أزمات السودان بصفةٍ عامَّة، والاختناق الاقتصادي المُتزايد بنحوٍ خاص، سوى بالمزيد من الأكاذيب! ودونكم أكاذيب البشير التي بدأنا بها هذه المقالة، وافتقادها مُقومات التحقيق على أرض الواقع، لكنه أطلقها – كعادته هو ومن معه – عقب كل (شَحْتَة) أو (حَسَنَة) خارجية جديدة، حتَّى ولو كانت في (رحم الغيب)! وهو ما حدث عقب إشاعة إعلامهم المأجور عن بعض الـ(هبات) الخليجية الجديدة، والتي وإنْ صَدَقوا فيها، تبقى (دَيْناً) واجب السداد على السودان، ويُضاف أرقاماً لقروضه المُتزايدة عاماً بعد عام، دون أن يفعلوا شيئاً تجاه تقليصها أو على الأقل إيقاف الاعتماد عليها، وهو قمَّة الفشل!

ما يُثير الدهشة – ولا يزال – الفرحة العارمة والـ(مُبالَغْ) فيها، من قبل البشير وأجهزة إعلامه، لأشياء ما تزال في رحم الغيب، وإن تحقَّقت فلا علاقة لها بتحسين أو تطوير حالتنا الاقتصادية المأزومة! ودونكم فرحة أجهزة الإعلام، بل ووزير المالية نفسه (أكد انخفاض الدولار لأدنى مُستوى) وبعض من يُوصفون بالخُبراء، بالانخفاض الطفيف لأسعار العملات الأجنبية مُقابل الجنيه السوداني تبعاً لأنباء المِنَحْ أو القروض المُرتقبة، واعتبارها (دلالة) و(مُؤشِّر) على تعافي الاقتصاد السوداني، وهذه بحدِّ ذاتها مُشكلة! فانخفاض أسعار العُملات الأجنبية مُقابل الجنيه السوداني، إنَّما جاء نتيجة لـ(أقاويل) بشأن (مِنَحْ) أو (قروض) ما زالت في رحم الغيب، ولم يأتِ الانخفاض استناداً لأُسُسٍ اقتصاديةٍ (علمية) و(عملية) سليمة ومرئية ومحسوسة، مما يُدلِّلْ على هشاشة وهُلامية اقتصادنا، وخروجه عن سيطرة الدولة وتحكُّمها في إدارته، واستجابته لمُوجِّهات غير موضوعية ولا واقعية! حتَّى وإنْ صَدَقَت تلك المِنَح والعطايا أو القروض، فهي نقطة في بحر أزمتنا الاقتصادية الخانقة، ولكنه الكذب والتضليل الذي جُبلوا عليه وألفناه منهم!

في المُحصِّلة، فإنَّ البشير (يكذب) و(يُضلِّلْ)، ولا مجال لتحقيق أكاذيبه وإنزالها لأرض الواقع في ظل الراهن الاقتصادي السوداني، فعملياً صادراتنا (مُتدنية) وتكاد تكون معدومة، والصرف الحكومي (المركزي والولائي) يتزايد باضطراد، في ظل تضخُّم الجهاز الإداري والذي صنعه البشير وجماعته (إنشاء ولايات جديدة بحكومات ولائية كاملة بخلاف المؤسسات الأخرى)، فضلاً عن التكاليف المُترتبة على الصراعات الداخلية والمهددات الأمنية، والتعديات السافرة على المال العام مع ضعف الرقابة والحسم تجاه المُتجاوزين والمُفسدين وردعهم!

الحال يُغني عن الحديث والاسترسال، فمهما تحدَّثنا عن سوءات البشير وإجرامه في حق السودان وأهله، هو ومن معه، سنعجز ولا تسع الأمكنة والمساحات لحصرها، ومع كل ساعة تزداد جرائمهم وتجاوُزاتهم، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، وإنَّما في كافة الأصعدة ولم يعد من مخرج سوى اقتلاعهم! إذ لا توجد مُؤشرات لـ(انصلاحهم)، والأمور باتت أكثر من واضحة وتحتاج فقط لإرادة وعزيمة صادقة من السودانيين نحو التغيير، وهم وحدهم (أي السودانيين) المعنيين بالأمر، وهم وحدهم من ينبغي عليهم صناعة وتنفيذ هذا التغيير دون انتظار مددٍ أو عونٍ خارجي.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////