يبدو واضحاً جداً أن مآسي وآلام و(خيبات) السودان لن تتوقَّف، وهي مُستمرَّة ولم تعد قاصرة فقط على المُتأسلمين، وإنَّما في مُشاركة قطاعات أخرى في صناعة هذه الـ(خيبات)! ودونكم ما شهده السودان خلال الأُسبوعين الماضيين من (بلاوي) و(كوارث) مُتلاحقة، مع صمت ممن (يدَّعون) الوطنية ويُقاتلون لأجلها، وأعني بهذا الجريمة الكارثية التي جرت، على مسمع ومرأى الجميع، وهي ما وصفوه بالاتفاقية الإطارية لسد النهضة، رغم ما يُشكِّله هذا السد من مُهددات و(إهدار) للحقوق والكرامة والسلامة الوطنية! ثم قبل أن نفيق من هذه الكارثة، فاجأنا البشير بكارثة جديدة تُضاف لـ(كوارثه) الـ(مُتلاحقة) في حق البلد وأهلها، وهي المُشاركة في ما أسموه عاصفة الحزم!

ولعلَّ ما يُصيب النفس بالغَمْ والإحباط، ويُعمِّق الإحساس بالـ(خيبة) والـ(حَسْرَة) مُساهمة الغالبية – بشكلٍ أو بآخر – في هذه الكوارث، سواء كانوا قيادات ورموز سياسية، أو بعض المحسوبين على النُخب والمُثقفين، أو الشعب التائه ما بين احتياجاته الأوَّلية أو الهروب من البطش الإسلاموي، أو الانشغال بإلهاءات وتمويهات المُتأسلمين كالقتال لأجل فكرة ذاتية أو جهوية أو حزبية....إلخ، وجميعها تزيد حالة السودان وشعبه سوءاً وبُؤساً، وتضعنا تحت مطامع وسخرية الآخرين! فبالنسبة لسد النهضة، لم نشهد أو نقرأ (تصريحاً) واحداً من أي حزب أو حتَّى شخصية سياسية واحدة، تستفسر مجرد استفسار ناهيك عن مُناهضة، أو مُطالبة بأخذ مُوافقتنا واستفتائنا بهذه المُصيبة، نزولاً للتحذيرات التي أطلقها عددٌ من الخُبراء والمُختصين في القانون الدولي والعلوم السياسية والاقتصاديين، والمُهتمين بالأمن المائي والدراسات الاستشرافية، والذين أفاضوا في ذكر مساوئ و(تجاوُزات) هذه الاتفاقية القانونية والأمنية والاقتصادية (حاضراً ومُستقبلاً)! ومع هذا مَرَّت الاتفاقية وكأنَّ شيئاً لم يكن، وهو أمرٌ مُحزن حقاً، ومُثيرٌ للدهشة، لا سيما وأنَّ هناك ما يُمكن إنقاذه من البلد وكرامتها وسيادتها وحقوقها الآنية والمُستقبلية، وبالأحرى حقوق أبنائها المُهدَّدة بوضوح، إلا أنَّ التجاهل السوداني على أكثر من صعيد هو المُسيطر على المشهد!

ثم فوجئنا في أقلَّ من أُسبوع بعاصفة الحزم التي جَرَّنا إليها البشير بمُبرِّراتٍ وحِجَجْ مُتضاربة (تُؤكِّد) بأنَّ لها أهدافاً أخرى غير المُعلنة! إذ، وبلا مُقدِّمات، قرَّر البشير إدخال السودان في هذه الـ(عاصفة) بحجة (الدفاع عن الحرمين)! بينما السعودية (نفسها) وحليفاتها، أعلنوا أنَّهم يستهدفون (إعادة الشرعية في اليمن)! وبالطبع، لا يُعقَل أن يكون البشير أكثر (حرصاً) من السعودية على أمن الحرمين الشريفين، وقبلها المولى جلَّ وعلا الذي (حَمَى) بيته العتيق وسيحميه إلى أن تقوم الساعة، بخلاف أنَّ البشير (عَجَز) عن حماية رعيته من أهل السودان بلا استثناء! ولا يُمكن للبشير (أيضاً) الإدعاء بحرصه على شرعية اليمن، وهو يفتقد الشرعية في إدارة (ذاته) و(شخصيته) ناهيك من دولة كالسودان، وشعبها الذي أذاقه البشير كل صنوف القهر والبطش، ومَارَسَ هو وجماعته كل أنواع الجرائم بحقه، بدايةً بالتشريد وقطع الأرزاق والتهميش، انتهاءً بالقتل والاغتصاب والحرق والتجويع! والبشير لن يرتدع ولن يتراجع عما بدأه، لأنَّ له منفعة (ذاتية) وهو ومن معه، إنْ لم نقل صفقة من صفقاتهم المُخجلة، والتي لا يتوانى عن التنازُل فيها عن كل ما هو غالي ونفيس في سبيل إشباع شهواته المالية والسلطوية!

بالنسبة لمن يُوصفون بقادة و(رموز) السياسة والأحزاب والكيانات والقوى السياسية، أتت أفعالهم مُخزية و(مُخيبة) للآمال، سواء تجاه سد النهضة وتداعياته وحقوق السودان وأهله، أو تجاه عاصفة الحزم والدفع بدولتنا في أتون حربٍ لا تُبقي ولا تذر، ولن يتوقف صداها على الحاضر المأزوم، وإنَّما تمتد لتشمل مُستقبلنا المُظلم والمجهول بالأساس! ففي كلتا الكارثتين، انصبَّت اهتمامات رموز الأحزاب والقوى السياسية، في تحقيق المصالح الشخصية والحزبية الضيقة، ما بين كالـ(حِصص) الوزارية أو المقاعد البرلمانية ضمن المسرحية العبثية المُسمَّاة انتخابات، إلى الصراعات الداخلية بتلك القوى والأحزاب السياسية وتصفية الحسابات الشخصية، إلى التسارُع لاسترضاء البشير وصحبه على حساب البلد وأهلها. و(اتَّسعت) طموحات بعضهم (القوى السياسية) للحاق بالبشير وعصابته و(مُقاسمتهم) في دلالة بيع السودان وأهله (دولياً)، إذ حَمَلَت الأنباء ركوب بعضهم الـ(مَوْجَة) و(تأييدهم) لتكوين قوة عربية مُشتركة، وتحقيق التكامل الاقتصادي العربي! وبعضهم كان أكثر جُرأة، مُقترحاً (تولي) السعودية لـ(ملف الحوار الوطني) والـ(تفاوض) بين السودانيين، مع (تأييد) الـ(عاصفة)، بما يحمي الأمن القومي العربي (وليس إعادة الشرعية لليمن كما أعلنت السعودية نفسها)! وهنا يلتقي من يُوصفون برموز الأحزاب والعمل السياسي مع المُتأسلمين في الكذب والتضليل، والـ(سعي) نحو الـ(مصالح) الذاتية على حساب السودان وأهله!

ولم يختلف بعض الخُبراء والأكاديميين عن المُتأسلمين ورموز السياسة في سعيهم نحو مصالحهم الذاتية على حساب السودان وأهله، تجاه كارثتي سد النهضة وإدخال السودان في حرب الحزم! ففي الأولى (سد النهضة)، صَمَتَ العديدون، ولا يزالون، وبإمكانهم إعداد مُذكرات أو بيانات أو حتَّى تصريحات، بما يُمكن القيام به لـ(تخفيف) أو (تعطيل) المُخطط الاستعماري الجديد لالتهام السودان من قبل أثيوبيا ومصر، وهضم حقوقه في المياه بل وفي السيادة الوطنية، ومع هذا يتجاهلون الأمر وكأنه لا يعنيهم! في ما نجدهم يتاهفتون لإيجاد المُبررات والتأييد للـ(عاصفة)! إذ حَمَلَت الأنباء أنَّ بعضهم (الخُبراء) أفادوا بأنَّ للمُشاركة في هذه الـ(عاصفة) مردودات (إيجابية) على إقتصاد البلاد، وتساهم في رفع الحصار والمُقاطعة (الأمريكية)! دون توضيح علاقة أمريكا بالحرمين، وحصارها المفروض على السودان منذ التسعينات بـ(إعادة) الـ(شرعية) للـ(يمن)!!

حتَّى القوات النظامية وبخاصة الجيش والشرطة، (خيَّبَتْ) آمالنا و(عَجَزوا) حتَّى عن حماية ذواتهم من مُغامرات البشير وعصابته بالزج بهم في حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جَمَل، من واقع تقاطع تبريرات البشير المُعلَنَة للحرب مع تبريرات الحلفاء وعلى رأسهم السعودية (صاحبة الوَجْعَة)! والحقيقة القاسية تتمثل في معرفة الجميع بعدم امتلاك البشير لقدرات قتالية تدعم الـ(عاصفة)، وإنَّما مليشيات تكون (حطباً) و(قُرباناً) للحرب البرية، وحرب الشوارع المُرتقبة مع الحوثيين وغيرهم، بدلاً عن الـ(زَجْ) بأبنائهم لأنَّ أرواحهم (عزيزة)! بعكس البشير وصحبه الذين لا يرون إلا أنفسهم، وإشباع شهواتهم التي لا تنتهي! ومع هذا، وافق أفراد جيشنا لأن يكونوا (سلعة) تُباع وتُشترى! حتَّى ولو برَّر البعض (ذهابه) للحرب بالمُقابل المادي (أو الأجر) الشهري المُرتقب، تكون مُصيبته أكبر، بتأكيد الارتزاق والعمالة من جهة، وقصور العقل وغياب الكرامة من جهةٍ ثانية!

ولعلَّ ما يُؤكِد الارتزاق، ليس فقط الودائع المليارية أو المشروعات الاستثمارية التي بدأ البعض يُشيع لها هنا وهناك، ولا يستفيد منها سوى المُتأسلمين وبعض (مُترصدي) فتات موائدهم، وإنما الأنباء التي (رَشَحَتْ) بشأن الجنود الذين (أقلَّتهم) طائرتين من الخرطوم بعد تضليلهم (عبر قياداتهم) باختيارهم للمُشاركة في الـ(عاصفة) مُقابل 7 آلاف جنيه سوداني/الشهر ليجدوا أنفسهم في كادقلي فامتنعوا عن النزول! ولكم أن تتخيلوا حجم هذا البُؤس، جنودنا الذين بقينا زماناً نأمل في أن يُخلصونا، لا يعملون إلا بالمُقابل وهو الارتزاق بعينه، مهما سُقنا من مبررات أو انتقينا من عباراتٍ تجميلية! أمَّا الشرطة، فيكفي (تعهُّد) مُديرها بعدم (مُساءلة) أى شرطى (جنائياً) إذا ارتكب فعلاً بحجَّة أداء الواجب، بعدما أخذوا الضوء الأخضر من البشير! وهو ما حذَّرنا منه في حينه، وهم (الشرطة) نفَّذوا (توجيهاته) بحذافيرها في أقل من أسبوع بالحماداب، وكتبنا أيضاً عن هذا، وها هو ذا كبير الشرطة يقولها نصاً كما نشرته وسائل الإعلام (الشرطي البعمل واجبو ما عندنا ليهم اذن)!

إنَّ خيباتنا السودانية أضحت مُتلاحقة ومُتسارعة منذ مجيئ البشير وصحبه، ولا مجال أمامنا – كما استعرضنا أعلاه – للخلاص إلا بالاعتماد على الذات، وعلى الشعب نفسه استنهاض هممه وحشد طاقاته، بمُختلف قطاعاته لتحسين أوضاعه! ورسالتي، بل رجائي، أتوجَّه بها بنحوٍ خاص، إلى ما تبقَّى من شرفاء الجيش والشرطة، بأنَّ البشير وعصابته إنَّما يُتاجرون بالوطن وأهله وانتم ضمن هذه المُتاجرة (بالطبع)، وبدلاً من التهافُت على الارتزاق لأجل (دُريهمات)، أو قتل أبناء وطنكم وأهلكم قوموا باقتلاع هذه العصابة المُغامرة، واثأروا لأنفسكم في المقام الأوَّل قبل أهلكم ووطنكم، وثقوا بأنَّ بلادكم عامرة بالخير وفيها ما يكفيكم شر الحاجة والـ(ارتزاق)! واستصحبوا معكم تجارُبنا السابقة، وتجارُب الآخرين في الحرية والانعتاق، كبوركينا فاسو تلك الدولة الوليدة التي انحاز شعبها لإرادة شعبه في أقل من 48 ساعة!

والرسالة (أيضاً) لشبابنا السوداني على اختلاف مُعتقداتهم الفكرية والسياسية ومناطقهم الجُغرافية، اتَّحدوا بجدية وقوموا بأعمالٍ فعلية، فالبلد يضيع والقادم هو مُستقبلكم وملككم فلا تسمحوا بالعبث به وتهديده، وتجاوزوا القيادات المُتكلِّسة الذين لا يسعون إلا لتكريس وإشباع شهواتهم السلطوية والمالية وتوريثها لأبنائهم، فأنتم أصحاب الـ(وَجْعَة) والألم الحقيقي، وأنتم وأهلكم من يدفع الثمن فعلاً، إذ لم نسمع عن اغتصاب أو قتل أو تشريد ابن أحدهم أو حرق بيته وأهله! ثم رسالتي للمحسوبين ضمن النُخبة أو الـ(مُثقَّفاتية) والأكاديميين، وأقول لهم من العيب تزييف الحقائق أمام شعبكم، فأنتم منوطٌ بكم التوعية ونشر المعرفة والتنبيه، وعارٌ عليكم التبرير لإجرام البشير وعصابته وتزيين جرائمهم بحق السودان وأهله، وحرامٌ أن يكون السودان دولة (مُثْقَلَة) بهذا الكم الهائل من الديون، رغم ما حباه الله به من موارد وهذه وحدها وحدها كفيلة بأن تلتزموا جانب الحياء وتكفُّوا عن التصفيق والتهليل للفشل والفاشلين.

ولأهلي، شعب السودان المُكتوي بنيران الظلم والقهر الإسلاموي، أقول بأنّني لستُ ضد السعودية ولا أمنها، ولستُ ضد شرعية اليمن ومصلحة أهله، لكننا لدينا ما يكفينا من بلاوي ولا قبل لنا بالمزيد. ولقد ركَّزتُ على هاتين الكارثتين (سد النهضة وعاصفة الحزم)، واتَّخذتهما كأمثلة، لانعكاساتهما الكارثية (لا قدر الله) لو استمرَّ صمتنا، فالأمر أكبر وأخطر بكثير مما تتصوَّرون في المُستقبل القريب والبعيد، مما يُحتِّم اجتماع الكل لاتخاذ ما يلزم من تدابير دون تسويفٍ أو مُماطلة. والظلم مهما طال واستطال فهو إلى زوال، هكذا تعلَّمنا من التاريخ! نحتاج فقط لإرادة حقيقية، والتفاف حول شبابنا وتشجيعهم على الحرية والعزَّة والكرامة.. وللحديث بقية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.