عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ما قصدتُ مكتباً من مكاتب الحكومة ( الفدرالية/الولائية /المعتمدية/المحلية /الشعبية) لقضاء أمرٍ من أمور الدنيا ‎ التي لا تنقضي إلا بموافقة الحكومة ( وهذا يشمل هذه الأيام كل شيء تقريباً)، إلّا خرجتُ غاضباً ثائراً هائجاً، "أبَرطٍمُ " وألعن "أبُو " اليوم والساعة والحكومة والأمر الذي قادني إلى مكاتبها، و محتاراً أهرش راسي وأحدّثُ نفسي في قارِعة الطريق. ("كلّنا بَدينا كده!‎”،  قالت المجنونة ‎للصائغ بأمدرمان بعد أن وقفت طويلاً تتأمله وهو يُحدّث نفسه ويعدّ نقوده ). 
مصدر غضبي وثورتي هو المعاملة السيئة والمهينة التي أتلقاها (ويتلقاها الجميع الّا من رحم ربى وجاء بتزكية) من معظم موظفي (وعلي وجه الخصوص) موظفات هذه المكاتب التي تُزيّن جدرانها لوحات تنُبِئك أن الله اختصّ بعض عباده بخدمة الناس (ولكنها تُغفِل أن تُشير الي أن المقصودين يقومون بخدمة الناس طوعاً دون أجر أو حوافز أو ترحيل)، وأن الوقت للعمل (وتراهم يلصقون موبايلاتهم باذانهم في محادثات ماراثونية تُذكّرك بنيفاشا وأبوجا وأخواتها)، ويقرأوون صحف الإثارة (وِلادَةْ سَخَلْ استيريو برأسين)، وصحف الفضائح والجريمة و‎- طبعا - الكورة، في تبتّل واستغراق، ويغيبون طويلاً طويلا :"والله الجماعة ديل مشو الفطور"، ولعله في الحصاحيصا، أو "والله الجماعة ديل في الصلاة" وأظنها قضاء لتراويح رمضان، أو "والله الجماعة ديل في إجتماع " - في مقر الأمم المتحدة بنيويورك غالبا . 
ما يُغضبني هو ما تراه من احتقار بيّن لك ولمن جاءوا بك إلي الدنيا، وتجاهل مُتعمّد يجعلك إنساناً خفياً لا تُري بالعين المجرّدة. وحين تطول وقفتك ويبدا الزّبَد في التسرب من بين شفتيك المَزمُومتين في حزم تُداري به غضبك، وتُلجم به لسانك لأنك صاحب حاجة، يلتفت اليك الموظف بنصف عين وقليل اكتراث، أو الموظفة برموش مُسْدَله (علامة علي الامتعاض) مثقلة بالكحل الصيني، وأجفان عليها من اﻷصباغ ما يكفى لتلوين كل "زَرازِير الجنّة" فى النصف الجنوبى للكرة اﻷرضية،  وشفاه مَلويّة (زيادة في الامتعاض)، لطّخها أحمر الشفاه وارد الصين أيضا، لتسمع : "نعم ؟؟" وتُقرَأ : "عايز شنو ؟ ما تخلّونا في حالنا! جنّنتُونا!". فتكظُم غيظك، ويشرد مخّك لبرهة متسائلاَ للمرّة أﻷلف: ”لماذا تستخدم نساء السودان أحمر الشفاه (كبديَّه ورماديَّه) الذى يزيد "شلاليفهنّ" بروزاً وهى ناتئة أصلا،ً ما شاء الله؟
وحين تفلح فى السيطرة على غضبك الجامح، وعلى رغبتك المُلحّة فى القفز فوق الحاجز الزُجاجى الذى يفصلك عن المُوظّفة وخَنْقِها هى واﻷعور الجالس بجوارها، وتشرع فى شرح ملابسات طلبك البسيط والمشروع فى صوت مؤدّب وخفيض، يرنُّ هاتفها النّقال ، فتَضع يداً مُثقلة بالخواتم، موشّاة "بالحِنَّة" فوق أوراقك، دون أن تنظر اليك، وتتناول باﻷخرى هاتفها الذى لا يكفّ عن "المديح". وما يرفع ضغطك عند ذلك ليس "لطعَك" دون استئذان (رغم اللّافتة التى تُعلن فى حزم: “الوقت للعمل!”)، بل "الونسة البايخة" مع الطرف اﻵخر (الذى هو غالباً موظّفة أخرى "تلطع" مسكيناً آخر) : “ كان شفتى ناس هِنَاية ما رجعو من الحج وجابو حوّة الطقطاقة!”، أو "عرس ناس كلتوم ما كان سينما"، أو " كان شُفتى عبد القيوم الليلة جاب لى ناس المكتب فطور أقاشى من سماية ولدو"، وغير ذلك من "الونسة البيض" التى تجعلك "ترفِس" مَنْ حولك مِن عباد الله الصابرين، لتفثأ غضبك، وتُلجم نفسك عن خبط رأسك فى الحاجز الزُجاجى.
وأنا أبتعد عن المكان (في الحقيقة فرار أكثر منه إبتعاد)، عَصَفتْ بي التساؤلات عن مبعث هذه الظاهرة العجيبة، ظاهرة المعاملة المهينة التي يتلقاها الجمهور من موظفي وموظفات الحكومة (والقطاع العام والخاص والبَيْن بَيْن )، "والزعل"الشديد الذي يجعلهم يبدون وكأنهم يستمتعون بمرمطة المواطن المسكين الذي يدفع مرتباتهم وحوافزهم السنوية والربع سنوية وحوافزالعيدين والمولد، و"يُكندِش" مكاتبهم و "يُسرمِكها "، ويُوفّر لهم الترحيل وسيارات الدفع الرباعي، والدفع المؤجّل، والدفع تحت الطاولة، ودفع الناس بعضهم بعضاً بواسطة العطاءات ومشتروات الأثاثات المكتبية وصيانة المركبات والكومبيوتر وصيانة منزل الوزير والوكيل وصيانة حيشان الوزارة وحدائقها وبواباتها . 
من أين لهم هذا اللؤم المجّانى الذي لا غبينة وراءه ولا ثأر "بايت"، وهذه المقدرة على تجاهل معاناة المواطنين ومشاكلهم وظروفهم ، ولا أقول حقوقهم؟ أهو شيء كامن في جينات الموظف/ة السوداني من مخلّفات حكم التركية السابقة، أم شيء ممّا تركه بعض المفتشين الإنجليز الذين كانوا (عكس باقي أهلهم الأشراف) يُعامِلون " الاهالي" بكثير من الصلف والاحتقار؟ (لزم والدي، رحمه الله ، سرير المرض بمستشفي مروي في نهاية سبعينات القرن الماضي ، فهرعت من الخرطوم لأراه وهالني ما كتب الدكتور على سجلّهِ المَرضِي: الإسم : كذا وكذا؛ العمر: كذا ؛ المهنة : أهالي !!!!)، أم أنه نتاج طبيعي لسنوات من الخلخلة المتعمّدة لبنيان الدولة وإنقاص هيبتها وتقويض أجهزتها وإهدار مواردها البشرية والمالية وتسخيرها لخدمة مصالح قِلّة من الأفراد والجماعات والأحزاب، و"طناشِها" العجيب عن واجباتها اﻷساسية تجاه مواطنيها؟ أم أن هناك معاهد ومدارس خاصة (كمعهد القرش  ومدرسة الدايات ومدرسة المساحة) ، تُعِدُّ هولاء الموظفين والموظفات إعداداً نظرياُ وعملياُ ﻹذلال خلق الله العُزّل الّا من الصبر والدُعاء، وتعذيبهم واحتقارهم وتنكيد حياتهم وإضاعة وقتهم ومالهم، وهم خُدّام الشعب على الورق، أسياده في الواقع، يركبونه و"يُدلْدلُون" أرجلهم، و"يلكزونه" كلّما حَرَن أو تباطأ فى دفع المعلوم والمجهول؟
لا ينفرد موظفو الوزارات والمصالح الخدمية وحدهم بشرف ثقافة تنكيد حياة مواطنيهم وانتهارهم ونعذيبهم، بل يُشاركهم فى هذه "الرياضة الدموية" من يتعاملون مع الجمهور فى الوزارات السيادية ونصف السيادية وغيرها من مؤسسات الدولة التى ترى المواطن عبئاً ثقيلاً وزائراً غير مرغوب فيه، يُزعجهم ويصرِفَهم عن أداء عملهم اﻷساسى. ويشمل ذلك حُرّاس هذه اﻷماكن، أكانوا عُزّلاً "مبهدلين" فى القمصان الغبشاء،أم شاكّى السلاح مهندمين فى القُمصان الزرقاء ذات "الهدف" الواحد (وهو ابعادك عن الباب :"ماشى وين ياخينا؟!”) ، وحُجّاب المحاكم وقضاتها، ومُوظّفى اﻹستقبال، وموظّفى مكاتب الحجز الجوى، ومُضيفات سودانير - زمان (خلاص بدينا؟ انتو الرّكّبكُم الطيّارة شنو؟)، والعاملين فى جهاز الإجهاز على المغتربين (الذين يُجرّدونك بدم بارد من اموالك وكرامتك ووطنيتك)، وأطباء الجُملة الذين يفحصون ستين مريضاً فى الليلة الواحدة دون أن "يملأوا " عيونهم فى واحد منهم)، وهلمجرا. وتتساءل مرّةً أخرى: أهل هذه خصلة من خصال اﻹنسان السودانى التى تجعله "لا يَحْمَل" الُسُلطة مهما كان نوعها ؟
وحين تفرغ الموظّفة من التّفرُّس فى أوراقِك فى غير اكتراث، تأمُرك (دون أن تنظر اليك) بدفع الرسوم. “وين؟" تتساءل أنت فى مسكنة (تخشى غضبها وفقدان مستنداتك وحجم المبلغ المطلوب).  تُلوّح بيدها فى اتجاه غامض بين "مرزوق" و"الدخينات" : “بى هناك". فتتجنب سؤالها "هناك بى وين؟" خوفاً من ثورتها، وتخرج تسأل من يقابلك فى "جخَانين" المصلحة عن مكان "الخزنة/السلخانة"، ثم تعود ظافراً باﻹيصال الذى ما عاد أخضراً، فتتسلّمه منك فى تأفّف واضح، وتُجيب على سؤالك عن موعد استلام الورق :”والله ما عارفه..وكت ينتهى ينتهى, أقعد فى اﻹستقبال!”.  تَتَحوْقلْ ( فى سِرّك طبعاً)، وتعصر ذَيلَك بين قوائمك الخلفيّة، و تقذف جسدك فى الكرسى الصينى "المهتوك"، وتشكى حالك وقلّة حِيلَتك لجارِك المُنتظِر فى جَلَد وصبر، فيقول لك مُسَرّياً: “اللّه فى” ! 
“ونِعْمَ باللهِ!"، تُغمغم جهْراً، "حسبُنا الله ونِعْمَ الوكيل!"، وتُتمتم سرّاً بدعوات لاتشكّ أنها دعوات المظلوم التى لا تُرَدْ عن جعل عالِيها سافلِها، وعن "تغتيس" حجر "اللى كانوا السبب"، وتخرج الى طُرقات الخرطوم تُصارع سائقى "الركشات" و"اﻷمجاد" والحافلات ، وتأمل أن يصرعوك فترتاح وتُرِيح!