عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
شاهدت (بمحض الصدفةً، والله العظيم) برنامج "أيام لها حاجات" على تلفزيون السودان "القومي". كان ذلك في منتصف التسعينيات قبل المفاصلة والمُفارزة والمبارزة التي تلتها، والتي جعلت الحركة الإسلامية الحكومة والمعارضة في آن واحد، واحالت شعب السودان المتفرج والضحية في آن واحد. قال مُقدم البرنامج "اللامع" لضيفه، والذي كان آنذاك من عباقرة النظام من الشباب، أمضى ردحا من الزمان في بلاد الأمريكان، ووقف على التجربة الأمريكية (وقوفهم على التجربة الماليزية التي يبلغ عدد من وقفوا عليها نفس عدد الذين وقفوا بجبل عرفات على حساب الحكومة): "حدثنا عن زيف الديموقراطية في أمريكا!". اجابه الضيف، لا فض فوه، دون تردد، بعد أن افاد المشاهدين بخبايا النظام الأمريكي: "نعم. الكونجرس الأمريكي يبصم مثل مجلس الشعب المصري!"
تذكرت هذه الواقعة وأنا أقرأ (بمحض الصدفة، والله العظيم) تصريحات رئيس المجلس الوطني عن قيادة المجلس لجهد يسعى لإصلاح العلاقات السودانية-الأمريكية (بعد أن خاب مسعى وزارة الخارجية وأجهزة الحكومة الأخرى). وقد ذكر رئيس المجلس أنهم سيستعينون في جهدهم لإصلاح ذات البين بشخصيات نافذة  من (كِرام المواطنين) الأمريكان الذين تُؤذيهم وتقُض مضجعهم هذه القطيعة (ولعلها جفوة مفتعلة)، قبل أن يكشف عن أنهم كادوا أن يصلوا إلى "رؤية مشتركة" لولا أحداث  سبتمبر (لم أعرف إن كانت الإشارة لسبتمبرنا (2013) أم سبتمبرهم (2001)).
قلت لنفسي الأمّارة بالسوء، أن مثل هذا الجهد الذي لم نسمع به ولم نر علاماته الصُغرى والكُبرى، لا بد أن يكون قد تمّ في طي الكتمان، في محادثات سرية ماراثونية (ربما في منتجع كامب ديفيد) بين المجلسين، قد تكون تمخضت عن اتفاقات مبدئية لوقف الحملات الإعلامية (ينزعج الأمريكان كثيرا من الهجوم عليهم في وسائل الإعلام السودانية وفي خطب الجمعة، وفي الأناشيد الوطنية - زمان – أمثال "ليكم تسلحنا" و"قد دنا عذابها"). وربما أبرزت المحادثات الأرضية المشتركة بين البلدين خاصة في المسائل الإيمانية (كون الأمريكان أهل كتاب متدينين خاصة في ظل سطوة اليمين المسيحي والمحافظين الجدد)، وتطرقت إلى التحالف الدولي ضد داعش والمد الشيعي في السودان والمنطقة. وقد تكون المحادثات قد توصلت لاتفاق حول تطبيع العلاقات بإنهاء المقاطعة الاقتصادية الأمريكية (الجائرة) ضد السودان، ووقف مقاطعة السودان للدولار الأمريكي وفض العلاقة مع اليوان الصيني المُنافس، وتبادل زيارات الوفود والفرق الثقافية والرياضية والدعوية، وغير ذلك مما من شأنه إعادة العلاقات "سيرتها الأولى"، إضافة للتعاون السياسي الذس يشمل حضور الحزب الحاكم (وأحزاب الفكّة) مؤتمرات الحزب الجمهوري (الحاكم في مجلس النواب) والديموقراطي (الحاكم في مجلس الشيوخ)، ومراقبة الانتخابات العامة في عام 2015 (في السودان) وعام 2016 (في الولايات المتحدة)، وربما المشاركة في حوار الوثبة الذي قد يُصبح حوار(7+7+1 كبير)!
وعدتنا الاستراتيجية ربع القرنية (رحمها الله) بأن السودان سيُصبح بنهايتها دولة عُظمى. ها نحن قد أصبحنا في مصاف الدول العظمى و"تلاحقت الكتوف"، واصبح المجلس الوطني السوداني والكونجرس الأمريكي "أضانين في راس جواد"، أو "شيئين آخرين في مخيط"!
رحم الله مختار مارشال المُديرية الذي كان يقول، وهو يتأمل الأحوال في ستينيات القرن الماضي: " الأمور اصبحت غير مُدركة"، فصارت شعارَنا!