ظل نظام الجبهة الإسلامية/الحركة الإسلامية/المؤتمر الوطني/الشعبي يكذب على شعب السودان منذ عام 1989 (وقبل ذلك)، ولم يتوقف لحظة واحدة منذ بداية عهده المشؤوم عن الكذب منذ ان أنكر صلته بالجبهة الاسلامية وهو حركة إسلامية كاملة الدسم - او لعلها كاملة الدسم دون حرف الدال . لماذا لا يكذب علينا الآن في وجه مصاب أطفال المناصير؟ لماذا لا يذرف على هؤلاء الاطفال دموع التماسيح، وينكس الأعلام فوق قصوره الفخمة، وعمارات وزاراته الشامخة، ومقر حزبه المهيب، وأنديته الفاخرة، ويعلن الحداد على هؤلاء الاطفال؟ لماذا لا يركب قادته هيليكوبتراتهم الى ارض المناصير، هم وشالاتهم المعطرة، وعصيهم الأنيقة، وقلوبهم التي لا تعرف الرحمة، ويحاولون - كذبا ونفاقا - مواساة الأسر التي ابتلعت بحيرة سدهم فلذات أكبادهم؟ لماذا لا يغصبون انفسهم على إظهار المشاطرة لهذه الأسر المكلومة في فقدها الجلل، وهم يجوبون أطراف العاصمة والأقاليم بلاندكروزارتهم وحراساتهم يوميا، يسجلون حضورا غير مرحب به في بيوت المآتم؟

ثلاثة عقود وهم يكذبون ويدلسون على الشعب السوداني الصابر الى حين، يستغفلونه "ويستهبلون" عليه، ويحتقرون ذكاءه وفطنته بوعود التنمية، والاستراتيجيات ربع القرنية التي ستحيله دولة عظمى "تأكل مما تزرع"، وتتحدى العالم أجمع بما في باطن الارض وظاهرها، والوعود بثورات التعليم والنفرات الزراعية وبدولة الشريعة التي لا تتعثر فيها بغلة في أطراف السودان. ثلاثة عقود من تأكيد الأيدي الطاهرة المتوضئة، و"القوي الأمين"، وانكار الفساد، وادعاء المعرفة على جهل فاضح. ثلاثة عقود من إنكار المجاعات، وفشل الخطط والبرامج، وانهيار الاقتصاد، وافلاس الدولة، واهدار الموارد في اليخوت، والاحتفالات والمؤتمرات، والاندية، والبلح و"المررو"، وصناديق "أمواج"، والحج والعمرة كل عام - والوطن ينزف حروبا عبثية في أطرافه، واهله يهربون إلى اي "بلد" يقبلهم، أو إلى معسكرات اللجوء والنزوح وهوامش المدن، أو إلى جوف البحر لأبيض المتوسط، وأطفاله يدرسون في مدارس تنهار على رؤوسهم تفتقد ابجديات المعينات المدرسية والحد الأدنى اللازم من البيئة المدرسية الصالحة لتلقي العلم.

لماذا إذن لا يكذب أهل النظام على مكلومي المناصير بذرف دموع التماسيح على اطفالهم الأبرياء الذين يعبرون النهر بمراكب مهترئة ليصلوا الى مدارسهم يوميا في قمة موسم الفيضان؟ لماذا لا يتظاهرون (وهم ملوك التمثيل والخداع) بان فقد هذا العدد الكبير من الاطفال كارثة قومية تطلب التعاطف اولا والمحاسبة ثانيا والعمل على ضمان عدم تكرارها، او تكرار امثالها، ثالثا، في مناطق اخرى تتعرض فيها حياة الاطفال (والمعلمين) للخطر - والأمثلة لا تحصى عن فصول تنهار على رؤوس الاطفال، او مراحيض تنهار بالمعلمين (اذا توفرت في المدارس)، او عجز عن الوفاء ببضعة جنيهات تجنبهم الطرد من المدرسة رغم تأكيدات "مجانية التعليم"؟

كذبوا علينا "بقوة عين" عن أسباب انهيار الجنيه، وعن مطاردة "القطط السمان"، وعن عزلة السودان، وعن المؤامرات الاجية من جهات لا تسميها قط، وعن دفاعه عن الحرمين، وعن ما تحمله الميزانيات العامة، وعن كل حدث ومشروع ووعد. لماذا عجزوا إذن عن إظهار الحزن الكاذب والتعاطف الظاهري والمواساة الخادعة لأهل المناصير وهم السباقون في التعاطف مع تركيا وهي تتعرض للمقاطعة الامريكية، ومع أهل غزة وهم يتعرضون لعسف اسرائيل، ومع الروهينجا وهم يتعرضون للإبادة في بورما، ومع المسلمين في افريقيا الوسطى، ومع مرضى جيبوتي (وجيبوتي أحسن حالا من السودان)؟

لماذا يتجاهلون مأساة المناصير وقد تحدثت عنها تلفزيونات العالم وإذاعاته وصحفه، وأرسل بعض زعماء العالم رسائل التعازي للنظام وهم يعتقدون - دون شك - أن الفقد فقد قومي يمس أسر الاطفال، وأهل المنطقة، والشعب السوداني و"حكومته"؟

تجاهل النظام للمصيبة التي لحقت بالمناصير تأتي في أعقاب سلسلة طويلة من "الأضرار" التي ألحقها النظام بأهل المناصير: أهملهم قبل قيام السد، ثم غمر أراضيهم ومزارعهم وحقولهم بماء السد، وحارب قرار بعضهم بالتمسك بأرض اجدادهم وعدم هجرانها، ثم عرض عليهم التهجير في أرض قفر يباب، ثم باع أراضيهم، وحارب بقاءهم في منطقتهم، ومنع عنهم الخدمات (وعلى رأسها كهرباء السد الذي شردهم). ولكن رغم "غبينة" النظام ضد المناصير (والحقيقة ضد أهل السودان)، أجد من العسير فهم عجزهم عن الكذب على أهل المناصير (وعلينا) بافتعال الحزن والمشاطرة في وجه هذه الماساة التي هزت العالم ولم تفلح في هز النظام!

لماذا لا يكذبون علينا هذه المرة؟


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.