عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الغريب والمدهش في تطورات العلاقة بين الجارتين إثيوبيا وإرتريا ليس هو حدوث المصالحة بينهما وانهاء حالة الحرب، وقبول إثيوبيا بالتحكيم حول الحدود، وسحب القوات من منطقة (بادمي) المتنازع عليها، وتبادل الزيارات والعناق الحار و(المقالدة). الغريب والمدهش حقا هو أن الحرب نشبت بين البلدين أساسا قبل عقدين من الزمان وراح ضحيتها الآلاف من شباب البلدين، وما تبع ذلك من قطيعة شملت كل شئ حتى المحادثات الهاتفية، والإنفاق الذي يُصاحب حالة الإستعداد في بلدين يحتاجان لكل فلس يُصرف على العتاد والرجال، إضافة إلى العبء الاقتصادي والاجتماعي لحالة الطوارئ والتعبئة التي لم تتوقف أو تهدأ في إرتريا، والتي ساهمت في نزيف الهجرة للشباب في البلدين.

لماذا أقول ذلك وقد رحب العالم أجمعه (وأنا معه) بهذه الأخبار السعيدة في هذا الزمن الردئ الملئ بالأخبار المُفجعة المحزنة؟
معظم الحروب (أهلية ودولية) عبثية – بمعنى أن ما سببها وأشعل فتيلها يُمكن معالجته دون الخسائر الفادحة في الأرواح (أرواح الجنود والمدنيين) وفي الثمرات (الاقتصاد الوطني، والنسيج الاجتماعي، والبنيات التحتية، والمراكز الحضرية، والريف المنتج، والبيئة). وانظر إلى الحرب الإيرانية-العراقية، وقبلها حرب فيتنام – سنوات من الحرب الضروس، وعشرات الآلاف من الضحايا من جنود الطرفين، خسائر مادية لا حصر لها، ثم عودة إلى المربع واحد، أو مادونه، عند نهاية الحرب (العودة للحدود القديمة بين إيران والعراق، وتوحيد فيتنام تحت الحكم "الشيوعي"!) وانظر إلى الحروب "الأهلية" في جنوب السودان (1953 – 2005) والتي انتهت، بعد خسائر لا تحصى، بانشطار السودان إلى بلدين في عام 2011 عِوضا عن بقائه موحدا في نظام فدرالي عام 1956، وفي سلام؛ وفي موازمبيق وسييراليون وغيرهما حيث انتهت الحرب بنوع من السلام وجراح عميقة عميقة، وفي الصومال حيث لم تنته بعد.

غير ان الحرب الإثوبية – الإرترية هي، في رأيي، أكثر الحروب عبثية وغياب للعقل إذا ما نظرنا للتاريخ والمعطيات والظروف التي اكتنفت نشوب الحرب واستمرار القطيعة بعد توقف القتال:
- خرجت الدولتان من حرب التحرير الطويلة المدمرة التي قادتها جبهات التحرير الإرترية ضد حكومة الإمبراطور هيلاسلاسي والعقيد منجستو هايلي مريام، وحرب التغيير ضد نظام منجستو التي قادتها جبهات تحرير القوميات الإثيوبية والإرترية المتحالفة والتي انتهت بزوال نظام منجستو. وقد يظن العاقل أن في ذلك ما يُحفز الجميع على الإلتفات للبناء في بلدين من أفقر بلدان العالم في بداية التسعينات، وعلى التعاون وهم رفاق سلاح ورفاق "فقر" – و"أقارب"!

- قبلت إثيوبيا (ملس زيناوي) استقلال إرتريا بحدودها الحالية التي تشمل مينائي عصب ومصوّع مما أحال إثيوبيا دولة مغلقة لا منفذ لها على البحر. وقد يظن العاقل مرة أخرى أن في ذلك ما يُحفز على استمرار التعاون والتكامل بين البلدين، خاصة وأن إرتريا بلد صغير محدود السكان مصدر دخله الرئيسي (إن لم يكن الوحيد) هو هذه الموانئ، و"زبونه" الوحيد هو إثيوبيا التي يسكنها أكثر من 80 مليون نسمة!

- يواجه البلدان تحديات كثيرة وخطيرة قد تعصف باستقرهما وسلامهما الاجتماعي وربما وحدة أراضيهما، تتمثل في إثيوبيا في تحقيق المشاركة "الحقيقية" في السلطة والثروة بين مكوناتها القومية المختلفة التي يختزن بعضها (مثل الأرومو) غبنا تاريخيا تعمّق رغم (أو ربما بسبب) نظام "الفدرالية الإثنية"، ورغم التقدم الملموس في التنمية الاقتصادية، وفي إرتريا في التوصل إلى توافق لنظام حكم يسمح بإطلاق طاقات الشعب الإرتري الخلّاقة لمعركة البقاء والبناء. وقد يظن العاقل أن في ذلك ما يدفع البلدين للإبتعاد عن إهدار الطاقات في الحرب.

- قامت الحرب في خلاف على قطعة أرض حدودية قفر يباب (بادمي)، وقد يطن العاقل أن تسوية مثل هذه الخلافات الحدودية، في بلدين أنهكهما سنوات من القهر والظلم تحت هيلاسلاسي ومنجستو، يُمكن التوصل لها دون خسارة روح إنسان واحد، ودون إفساد للود.

ومهما تكن الأسباب التي ساقها الطرفان لتبرير اللجوء لخيار الحرب، ما زلت عند رأيي أن الحرب كانت حربا عبثية تدل على غياب العقل عند الطرفين، ولكني لا أنكر أن المصالحة بين البلدين وعودة السلام وبدايات التعاون بينهما خبر سار (مهما تكن الأسباب والأدوار). غير أن ذلك لا ينتقص من حسرتي على ما ضاع.

أسميه عودة نصف العقل، وفي انتظار عودة النصف الآخر من العقل لمجابهة التحديات الضخمة على الصعيد الداخلي في إثيوبيا وفي إرتريا.
أما نحن، فننتظر عودة كامل العقل، إن كان في عمرنا، وفي عمر السودان بقية!