دون الدخول فى جدلية علم السياسة وتقاطعاته يأتى حديثى هذا عن مفاهيم فى البناء السياسي الحزبى مرتبطاً بالممارسة السياسية الوطنية تحليلاً لسيرتها وأدوارها الوطنية ومنهجها تجاه القضايا الوطنية منذ الإستقلال، والتي تأتى متقدمة عليها "الوحده الوطنية" التي مازالت مهددة حتى بعد إنفصال جنوب السودان، لتحكي كم هو إدمان الفشل الوطنى سوءة وخطأ فى الممارسة السياسية، وذلك مايتطلب قراءته مقروناً بالبيئة السودانية تحديداً للموضوعات السالبة فيها تأثيراً على الأمن القومي، وعدم الإستقرار السياسي الذي بات سمة بارزه للحياة السودانية من خلال الصراع السلطوى بين الحكومات المدنية غير الموحدة إجماعاً فى الهدف القومي والمصالح القومية، والحكم العسكرى بشموليته القابضة وسجنه للحرية والديمقراطية، وذلك ما يؤكد على أهمية الدراسة، وبيان دورها في المستقبل السياسي السوداني ومالآته، تأسيساً لدور وطني جديد جامع للحركة السياسية السودانية من خلال رؤية إستراتيجية وطنية مازالت غائبة لتخرج من الجسد الوطني جرثومة صراع السلطة منذ الإستقلال، بناء لدولة الوطن والمواطنة المستقرة تحقيقاً للدولة السودانية الطبيعية التى يحلم بها الشعب السوداني. لقد ذكرت أن الحركة السياسية السودانية بكل أحزابها الوطنية قد أفتقدت الرؤية الإستراتيجية الوطنية، مخالفة بذلك أغلب الحركات السياسية التى عرفها العالم. ويتأكد هذا التوصيف بحسبان أنه من المعلوم أو من المفترض أن يكون نشوء أي حزب أو جماعة سياسية منطلقاً من حال وظروف البيئة الوطنية التي تنبت فيها، بمعنى أنها تبدأ وتتطور من خلال معرفة كاملة بكل مكونات هذه البيئة إنساناً وأرضاً، قوةً وضعفاً، وتقدماً وتخلفاً، مع مكونات النسيج الإجتماعي وآثرها في النشاط الكلي للدولة إيجاباً وسلباً لتحدد من خلال ذلك الرؤي السياسية التى تبني عليها ذاتها فى إطار المطلوبات التي تحقق غاية وأهداف البناء الوطني، محافظة على المصالح القومية. ولتحقيق ماسبق ذكره تأسيساً لحزب سياسي وطني فاعل وقادر على القياده السياسية للأمة لابد من الإعتبارات الآتية :-
أولاً: يسبق كل الإعتبارات شأناً القيادة الكاريزما "الزعامة الملهمة" التى تستطيع أن تحدد الفكرة المحورية للحزب وتضع الرؤية والأهداف التى يؤسس عليها، وفوق ذلك أن تكون لديها قدره الإلهام التى تجمع الناس حول الفكرة، إسوة وقدوة حسنة.
ثانياً: إعتبار تأسيس الحزب السياسي من خلال "الفكرة المحورية" على مفهوم الدولة القومية التي توحدها هوية جامعة يؤسس عليها الرضاءالنفسي لكل أهل السودان حيث يجد كل منهم ذاته قناعة وطنية، أي أن يؤسس لدولة المواطنة وليس لدولة الحزب، كما هو منهج المؤتمر الوطني الآن وبما يؤدي لبناء دولة المؤسسات القومية، والدستور والقانون تأكيداً على مبدأ العدل إذ هو أساس الحكم .
ثالثاً: أن ينطلق الحزب في رؤاه الوطنية من إستراتيجية وطنية غايتها إقامة دولة وطنية تسع الجميع وتؤمن لهم المساواة والحرية والرفاهية والعزة .
رابعاً: تحديد الهدف القومي والمصالح القومية والأهداف القطاعية من إجتماعية، وسياسية وعسكرية وأمنية وإقتصادية ودبلوماسية وحضارية وعلمية إعتباراً لوضوح الرؤى حول ماهو الموقف من الوحدة الوطنية وكيفية تحقيقها في ظل حالات الضعف التي يعاني منها السودان مثلاً بسبب تعدد الأعراق والثقافات والديانات وإختلاف المستويات التعليمية والحالة الإجتماعية والضعف الإقتصادي، وتأثير  الجغرافية السياسية على الوحدة الشاملة؟، وماهي خطوات المعالجة لنقاط الضعف تلك وتحويلها إلى نقاط قوة وطنية؟، تركيزاً على حل مشكلة الصراع المسلح بالمنطقتين ودارفور باعتبارها المهدد الأول للوحدة السودانية والأمن القومي؟ ثم ماهو الموقف من وجود معارضة ديمقراطية للسلطة، تأمنياً لنظام حكم راشد وفاعل من خلال مشاركة كل السودانيين في صياغة خطط بنائه بقلب مفتوح ومدرك لدور المعارضة من منطلق وطني خاص؟ وماهي الرؤية الشاملة لتوزيع السلطات بمستوياتها المختلفة، وماهي ضوابط عدم التدخل والتداخل في الواجبات والاختصاصات داخل وبين المؤسسات الوطنية؟، وأن يتطابق ذلك توافقاً مع مؤسسات الدولة الرسمية، ومن خلال تجارب الممارسة السياسية السودانية السابقة، ثم ماهي الخطوات العلمية والتطبيقية لتحقيق التعاون والتآزر بين المعارضة كحركة سياسية والسلطة الحاكمة كحركة سياسية أيضاً، منعاً لعودة الشمولية للحكم، تجاوزاً لإستبدالها لأن الحكم المستبد لا يمكن أن يكون عادلاً.
خامساً: ماهو مستوى القناعة بإنفاذ الشورى وتحقيق الديمقراطية في إطار المستوى الحزبي، سواء كان بالمعارضة أو بالسلطة وما مدى إتاحتها للآخرين قبولاً بالرأي الآخر ؟.
سادساً: أين يقع مطلب القيم والمثل العليا بالنسبة للحزب السياسي؟ وماهي خطط وخطوات التربية الفكرية والوطنية التي يتم بها تنشئة الكادر السياسي الحزبي؟ وما مدي تطبيق ذلك على أرض الواقع ممارسة راشدة تؤدى لقناعات المواطنين، الذين يمثلوا قوة الحزب السياسي ونصرته، بما فى ذلك عامة الناس الذين لا إنتماء سياسياً لهم، ليكونوا بعد ذلك مشاركين حقيقيين في كل الشأن والقضايا الوطنية دفعاً للعمل الوطني العام، تجاوزاً لحالة التضليل السياسي والتخذيل الوطني والتنافس السلطوي الساعي لإمتلاك الثروة دون الإلتفاف لمهددات الدولة التى قد تؤدى لإنشطار وتفكك الوطن، كما هو الحال الذي يعيش السودان تداعياته الآن واقعاً يهدد وحدته وأمنه، تركيزاً علي المطلوبات التي تحقق الوفاق الوطني، إتفاقاً على إستراتيجية وطنية تتحقق بها طموحات الشعب.
سابعاً: التخطيط لإستراتيجية خارجية تنطلق من قراءة وتحليل علمي لواقع وحقائق ومطلوبات المجتمع الدولى بعيداً عن المحاور، تركيزاً على المصالح القومية، وبما يؤدي لأن يكون السودان مقبولاً فى ميدان العمل الجماعي الدولي.
ثامناً: إن كل ماورد ذكره لا يمكن أن يؤسس لدولة تنشد الرقي والتقدم وبما يمكنها من اللحاق بركب الأمم المتطورة دون أن يبنى على العلم المرتبط بالبيئة الوطنية والآخذ من معين وتجارب الآخرين وفي كل المجالات وذلك ما يتطلب ضرورة استعانة السياسيين بمراكز البحوث والدراسات الإستراتيجية والجامعات والخبراء من ذوي الكفاءات.
إن ما ورد سابقاً يمثل بعضاً من الكثير من مطلوبات البناء السليم لأحزاب الحركة السياسية السودانية، وبما يجعلها سوية وراشدة وفاعلة، ومن ثم خالدة في ذهن المواطن السوداني وفي التاريخ. إن الحديث الذي سبق يمثل رؤية لمعالجة ممارسات الحركة السياسية السودانية التى كانت سبباً فى حالة الوهن الوطني وعدم التأثير الفاعل للسودان في محيطه الإقليمي العالمي مما يتطلب من هذه الحركة وقفة متأنية يتم فيها بحث ودراسة حال الدولة السودانية ومسيرتها منذ الإستقلال، الذى لم يتحقق بمفهومه الحقيقي، حيث الجمود في التطور، والتدهور في الإستقرار والأمن، والصراع على السلطة والثروة تجاوزاً للخطوط الوطنية الحمراء، كما ظلت تفعل الحكومة والمعارضة.
وأخيراً لتحقق الرؤى الإصلاحية هذه أهدافها معالجة مستقبلية لقضية السودان تكاملاً فى الإستراتيجية السياسية الوطنية لأحزاب الحركة السياسية ومجموع الشعب السوداني بكل مكوناته فى شأن الوحدة الوطنية وبما يحافظ على الوحدة الوطنية، لابد من توحيد المفاهيم الوطنية والقناعات بالوحدة لكل السودانيين مع التركيز على المواطنين في مناطق الصراع المسلح والهامش عموماً ليبرز هنا دور الإعلام وتأثيره إيجاباً وسلباً وهو ما يؤكد ضرورة التركيز عليه بناء للقدرات في جميع المجالات، حتى يستطيع أن يؤدى رسالته الوطنية، ودون إغفال إعتبار أهمية الحرب النفسية، تأكيداً لبعدها المحلي والإقليمي والدولي في إطار الاستهداف للسودان من القوى التي تخطط لإضعافه وتفكيكه.

الفريق أول ركن/ محمد بشير سليمان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.