رغم أن الحكومة هي التي دعت إلى الحوار الوطني إلا أنه ظل يتراجع بفعلها خطوتين، كلما تقدم بفعل الآخرين خطوة . فما أن دفع مجلس الأمن والسلم الدولي التابع للإتحاد الأفريقي بالحوار خطوة إلى الأمام، بدعوته للأحزاب السياسية والحركات المسلحة للإنضمام للحوار الوطني، حتى سارعت الحكومة بإعادته خطوتين إلى الوراء، بإعتقال الإمام الصادق. وما أن أفلحت الآلية الرفيعة في إيجاد معبر لإدخال الحركات المسلحة للحوار عن طريق وثيقة أديس، وبمد اليد لقوى الإجماع الوطني بالإفراج عن المنصورة والشيخ حين أقنعت الحكومة بالتخلي عن تاكتيكاتها الغليظة. حتى خرج علينا السيد/ غندور بكل ثقله السياسي بإشتراطين لإستيعاب الحركات المسلحة في الحوار، وأي منهما كفيل بأن يوصد الباب ويعود بالحوار إلى المربع الأول. يتلخص إشتراطا السيد/ غندور في وقف العدائيات والتوقيع بدلاً منه على وقف إطلاق نار شامل، و رفض إجراء الحوار أو أي جزء منه خارج الوطن. الإشتراطان بالغا الغرابة فمن جهة، فإن رفض وقف العدائيات في مقابل المطالبة بوقف إطلاق النار، هو رفض للخطوة الأولى وإبداله بالخطوة الثانية التي يصعب التوصل لها بدون الخطوة الأولى. ومن جهة ثانية فإن الحوار في الداخل مع الحركات المسلحة يتطلب إجراءات لم تتخذها الحكومة بعد.
وقف العدائيات هو إلتزام من جانب واحد بعدم بدء أي هجوم عسكري، بما في ذلك تحريك القوات بشكل يضعها في موقف هجومي يهدد الجانب الآخر. وهو يلزم الطرف الآخر معنوياً بإلتزام مشابه، ولكنه مجرد إلتزام معنوي لا يتطلب أي محادثات. أعلنت الجبهة الثورية وقف العدائيات بالفعل، ورفضه يعني أن الحكومة لا تلتزم بعدم القيام بعمليات عسكرية ضد  قوات الجبهة الثورية. إقدام الحكومة على الهجوم سينهي إلتزام الجبهة الثورية بوقف العدائيات، ويؤدي إلى تجديد الإشتباكات المسلحة، وهو الأمر الذي يستحيل معه أن يتواصل الحوار. من جهة أخرى فإن وقف إطلاق النار لا يتم من جانب واحد، بل يلزم أن يتم الإتفاق عليه بين الطرفين المتحاربين، ويسلتزم تحديد مواقع القوات المتحاربة، ومنعها من تجاوزها، كما ويتطلب وجود مراقبين لوقف إطلاق النار يقدمون تقارير للجنة إما مشكلة من الطرفين، أو تابعة للجهة الراعية لوقف إطلاق النار، وهي في هذه الحالة مجلس الأمن والسلم الدولي التابع للإتحاد الأفريقي . كان يجدر بالسيد/ غندور أن يقبل وقف العدائيات بشرط الدخول فوراً في مفاوضات للتوصل لوقف إطلاق النار، أما أن يضع التوصل لذلك الإتفاق على ما به من تعقيدات شرطاً لوقف الحرب، فإن هذا يعني في أحسن الأحوال عرقلة الحوار لحين التوصل لوقف إطلاق النار، وفي أسوئها يرهن الحوار لإحتمالات التصعيد العسكري، الذي من شأنه زيادة حملات الكراهية، وإفساد المناخ الذي يمكن أن يقود إلى الحوار .
يبدو رفض السيد/ غندور لأي حوار يجرى في الخارج مع رفضه لوقف العدائيات مسألة مثيرة للدهشة، ليس فقط لأن الحكومة لم يسبق لها التحاور مع أي حركة مسلحة داخل السودان على كثرة ما حاورت الحركات المسلحة وما أفضت له تلك الحوارات من إتفاقات ( ميونخ، أبوجا ، نيفاشا ، الدوحة )، ولكن لأنه كيف يتوقع أن تأتي قيادات حركات مطلوبة للعدالة وبعضها محكوم عليه بالإعدام ليجلسوا للحوار مع الحكومة، والمعارك العسكرية بين الطرفين ما زالت محتدمة ؟
إذا أصرت الحكومة على هذين الشرطين للتحاور مع الحركات المسلحة فليجمع السيد / إمبيكي أمتعته وليبحث له عن مهمة أخرى .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.