في هذا الجزء من البحث الذي نتناول فيه هيمنة القضاء على الحبس السابق للمحاكمة والذي تناولت فيه فرعين الأول يتعلق بواجب السلطة في عرض المعتقل على قاض والفرع التاني يتعلق بحق المعتقل في اللجوء إلى القضاء كحق قائم بذاته لا يتوقف على إرادة السلطة. يكمل مقال اليوم الحديث في القصور التشريعي الذي شاب سلطة القضاء في حق المحبوس في اللجوء للقضاء والذي كنا بدأنا الحديث عنه في المقال السابق.

قصور سلطة القضاء في تجديد الحبس في القانون الحالي
رغم أن القانون منح القضاء سلطة تجديد إعتقال المقبوض عليهم بواسطة الشرطة عند إنتهاء فترة التجديد بواسطة النيابة، إلا أن تلك السلطة لا تشمل المعتقلين بواسطة جهاز الأمن الوطنى. شكل ذلك الحكم قصوراً خطيراً بالنظر لضخامة عددية المعتقلين بواسطة جهاز الأمن، والأثر الذي كان يحدثه إعتقالهم على النشاط السياسي المعارض وعلى الحركة السياسية للمجتمع ككل. ولكن ما يهمنا هنا بشكل خاص هو أن من تعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة المهينة من السياسيين في عهد الإنقاذ تعرض لذلك أثناء إعتقاله في معتقلات الأمن مما يجعلهم خارج رقابة القضاء تماما. أضف إلى ذلك أن سلطة تجديد الحبس بالنسبة للمعتقلين الآخرين، في القانون لم تكن موافقة للمتطلبات الدولية. لأن القانون لا يتطلب مثول المقبوض عليه أمام القاضي، قبل إصدار قرار التجديد. ولذلك فقد جرى العمل على أن يتم التجديد بشكل تلقائي في حضور الشرطة فقط . ورغم أن المقبوض عليه يمكنه أن يتقدم للقاضي المختص بالتجديد بطلب لإطلاق سراحه، ولكن قلة قليلة من المتهمين كانت تلجأ لذلك، وهم المتهمون المثلون بمحامين. وحقيقة الأمر هي أن واجب القضاء لا يقتصر فقط على قانونية الإعتقال، بل أيضاً على ظروف الإعتقال. إذ يجب عليه أن يتأكد من أن المقبوض عليه محجتز في ظروف معقولة، ويعامل معاملة إنسانية، وهذا لا يتيسر له إلا بمثول المقبوض أمامه، أو بإنتقاله هو لمكان إحتجاز المقبوض عليه . من الواضح الآن أن مسألة التجديد لا تحظى بالعناية المطلوبة لقصور في القانون وأيضاً لإنشغال القضاة بالدعاوي اللتي ينظرونها، لذلك فإنه من الأوفق تخصيص قاضي للقيام بفحص طلبات تجديد الحبس، وأن يتم ذلك في حضور المتهم وبعد سماعه حول مشروعية التجديد وحول ظروف الإعتقال .

القضاء الدستوري
سلطة إصدار Writ of Habeas Corpus الممنوحة للمحكمة الدستورية مختلفة كيفاً عن سلطة تجديد الحبس. فالمحكمة الدستورية لا تنظر في قانونية الإعتقال بل في دستوريته. وهذه مسألة تفوق سلطة القاضي العادي والذي لم يكن أصلا ينظر في غير قانونية الإعتقال. وهي تختلف أيضا عن سلطة إلغاء القوانين والأوامر للمحكمة الدستورية، لأن المطالبة بإلغاء القوانين والأوامر المخالفة للدستور تتم في شكل دعوى، في حين أن النظر في دستورية القبض هو إجراء تحفظي وسريع، وبالتالي فهو يمكن التقدم به عن إستقلال من دعوى الإلغاء أو ك‘جراء تحفظي داخل تلك الدعوى. ينجم عن ذلك أن تجديد أمر الإعتقال بواسطة القاضى العادى لايمنع المعتقل من اللجوء للمحكمة الدستورية لإستصدارWrit of Habeas Corpus ، كما ولا يلزم المقبوض عليه بالتقدم للقاضى العادى أولاً قبل التقدم للمحكمة الدستورية ،لأنه لا قيد على الوصول إلى المحكمة الدستورية حمايةً للحقوق الواردة فى وثيقة الحقوق .
لم يتعرض قانون الإجراءات الجنائية لتنظيم هذا الحق والذي تبناه قانون المحكمة الدستورية في المادة 16/1/ج. ولكن يؤخذ على تلك المادة أنها لم تحدد الإجراءات الواجب إتباعها في نظر الطلب، مما أدى لأن يتم نظره عن طريق دائرة يتم تكوينها لتصريحه وفقاً للمادة (19) من قانون المحكمة الدستورية. وهو إجراء عقيم ويأخذ كثيراً من الوقت. أضف لذلك أن المحكمة الدستورية من حيث الإمكانيات المتاحة لها والتي اشرنا من قبل لنقصها المريع، لا تستطيع أن تفصل في تلك الطلبات بالسرعة المطلوبة. ولعل المثل الأكثر وضوحاً في هذا المجال هو أن دعوى أبو عيسى ومدني والتي كان قد قُدِم فيها طلب تحت المادة 16 ج من قانون المحكمة الدستورية لإطلاق سراح الطاعنين، لم تفصل فيه المحكمة حتى لم تعد منه أي جدوى، حيث تم إطلاق سراحهما والذي تم نتيجة لإسقاط العوى ضدهما أمام محكمة الإرهاب، حيث أن الإتهام لم يكن أصلا يهدف لإدانتهما لعلم القائمين على توجيه التهمة بعدم وجود أي بينة لإثبات ما وجه لهما من إتهامات، وإنما وجهت التهم فقط بغرض إعتقالهما لفترة من الوقت تتيحها الأحكام المعيبة في القواني السائدة آنذاك.
هذه الدعاوي لكي تصبح ضمانا ضد تعسف السلطة يلزم أن تكون إجراءاتها سريعة بحيث يتم الفصل فيها فيما لا يزيد عن أيام معدودة وإلا فقدت جدواها.
كما وأن الطريقة التي يتم بها الفصل في الطلب لا تساعد على منع التعذيب وسوء المعاملة، لأن المحكمة الدستورية درجت على سماع الطلب بناء على المذكرات المكتوبة دون إحضار المقبوض عليه أمامها، وهو الأمر الذي يفقد الطلب جدواه من حيث التأكد من تمتع المقبوض عليه من حقه في الحرمة من التعذيب.

عمار نجم الدين جلك ضد جهاز الأمن الوطني
عموما لقد توصلت المحكمة الدستورية في دعوى عمار نجم الدين إلىدستورية لصحة ودستورية سلطة الإعتقال الممنوحة للأمن والتي كانت تبلغ في قانون 1999 تسعة أشهر بل وقد ذهب القاضي سومي زيدان إلى دستورية الإعتقال لمدة عام فذكر ما يلي
“هل لمشروعية السلطة التقديرية الموضوعة بيد مدير جهاز الأمن الوطني أو مجلس الأمن الوطني مبرر يصححها ؟ للإجابة على هذا التساؤل لابد من مرجعية حاكمة لأننا إذا احتكمنا الى المعقول المجرد من المرجعية الأعلى راوحنا النزاع الذي طرحه الطعن .
وفي تقديري تتوفر هذه المرجعية في قوله تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام : (( ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه ليأتيني بسلطان مبين (21) )) سورة النمل الآية 20 و21
ففي التفسير : لأعذبنه …. أو نجعله في القفص ” التفسير المنير للزحيلي” ذلك يعني حتى يأتي ببرهان ظاهر أو حجة بينة لإعذاره دليلاً على أن غيابه لا مخالفة فيه لقانون سيدنا سليمان عليه السلام.
وبالرغم من أن المعلن هو العقوبات التي تنتظر الهدهد إلا أن الحبس في القفص هو الحبس التوقيفي حتى يأتي الهدهد بدليله المبرئ له . ونأخذ بهذا الحكم تأسيساً على القاعدة (( شرع من كان قبلنا شرع لنا) غير أن هذا النص غير مقيد بسقف زمني ….. كما جاء بفقه الأحوال الشخصية أن التلوم لمدة لمدة عام كامل بلا مزيد عليه كافٍ للتحقق من تضرر أى زوجة تدعى التضرر من زوجها لعدم وفاء الزوج بحقوقها الزوجية. وتحديد العام في ذلك بني على أمر موضوعي وهو أن لكل فصل من فصول السنة الأربعة أثره على مزاج الشخص فإذا أنقضت الأربعة فصول دون وفاء بالمطلوب يكون الزوج قد أعذر بمبرر كافٍ يتوجب معه التفريق بينهما لرفع الضرر عن الزوجة.
فمعقولية الأخذ بهذا التوقيف لعام كأطول مدة للتوقيف لأجل التحري والتحقق في مصلحة عامة قياساً على المصلحة الخاصة مبرر كافٍ للقول بعدالة النص المطعون فيه بما يفي بمقتضيات التواؤم بين النص والدستور”
وهو كما نرى قد قاس الحبس لغرض التحري الذي يجوز توقيعه على الناس، على حبس سيدنا سليمان للهدهد، فرأى أنه يجوز الحبس حتى يثبت المعتقل براءته من الشبهه وإن كان لم يذهب بالقياس إلى جواز الذبح الذي هدد به سيدنا سليمان الهدهد. أما بالنسبة لمدة الحبس فقد رأى أن تكون عاما كاملا بالقياس على حكم خاص بالأحوال الشخصية. عموماً فإن رأي مولانا سومي زيدان لا يمكن إعتباره هو رأى المحكمة على ضوء ما عرضنا من رأى الأغلبية والأقلية والذين لم يقبل أيا منهم قلب عبء الإثبات بحيث فيقرر جواز حبس المشتبه فيه إلى أن يثبت براءته من الإشتباه.
الدعوى الدستورية رقم م د/ ق د/ 11/ 2008 م فيما بين عمار نجم الدين حسين جلك ضد جهاز الأمن الوطني .

(4) القصور في الأحكام المتعلقة بحق الإستعانة بمحام

تناول قانون الإجراءات الجنائية هذا الحق الهام فى المادة 135 و التى تنص على ما يلي: "(1) يكون للمتهم الحق في أن يدافع عنه محام أو مترافع . (2) يجوز للمحكمة أن تأذن لأي شخص أن يترافع أمامها إذا رأته أهلاً لذلك .(3) إذا كان المتهم بجريمة معاقب عليها بالسجن مدة عشرة سنوات أو أكثر أو بالقطع أو بالإعدام معسراً، فعلى النائب العام بناء على طلب المتهم أن يعين من يدافع عنه وتتحمل الدولة كل النفقات أو بعضها " .
ويؤخذ على هذه المادة مآخذ عديدة ، ونقتصر هنا على أولها، لصلته بموضوعنا وهو أن المادة 135 وضعت فى الباب الخامس والخاص بإجراءات المحاكمة، مع أن حق المتهم في الإستعانة بمحامي لا يبدأ عنددما تبدأ إجراءات المحاكمة، بل يجب أن يبدأ مع أول إجراء يُتخذ في مواجهة المشتبه فيه بغرض إستجوابه أو التحقيق معه. ورود حق المتهم في الإستعانة بمحامي فى الباب الخامس والخاص بإجراءات المحاكمة ليس بسبب خطأ فى الترتيب والتبويب، بل هو وليد سياسة المشرع فى قصر هذا الحق على مرحلة المحاكمة، بدليل أن قانون الإجراءات الجنائية ، تناول حق المحتجز فى مقابلة محاميه، فنص في الفقرة 3 من المادة 83 على أنه يكون للمقبوض عليه حق الاتصال بمحاميه والحق في مقابلة وكيل النيابة أو القاضي، دون أنيشير لأي دور آخر للمحامي. حق المعتقل في مقابلة محاميه هو حق أرسته المحاكم بمعزل عن القانون، وربما رغماً عنه، حين تصدت محكمة الإستئناف، كما كان يطلق عليها آنذاك، للأمر فى ستينات القرن الماضىفى دعوى حكومة السودان ضد ديكران هايفونى.فقد فسر القاضى جلال على لطفى إشتراط المادة 46 (4) من لوائح الشرطة على أن تتم مقابلة المقبوض عليهم لمستشاريهم القانونيين فقط تحت إشراف الشرطة بأنها تعنى أن تكون على مرأى وليس على مسمع من المتحرى أو شرطى آخر يعينه.
ويضيق المجال عن تناول باقي جوانب القصور في حق الإستعانة بمحام مما يستحسن معه التوقف هنا ومواصلة بحث المسألة في مقال قادم

نبيل أديب عبدالله

المحامي