أواصل اليوم في الدراسة التي بدأتها في المقال السابق حول السياج القانوني الذي وضعته الإنقاذ لتمكين منسوبيها سواء من داخل أجهزة الدولة، أومن الأجهزة الموازية غير المرئية التي أقامتها خارج أجهزة الدولة، من ممارسة التعذيب الممنهج لكسر مقاومة معارضيها. نتناول اليوم جانبين من ذلك السياج الأول يتعلق بالقواعد الإيجابية التي تمنع أو تعرقل المحاسبة على التعذيب. والثاني يتصل بالقصور التشريعي الذي يخفي التعذيب عن الأعين وبالتالي يسمح بممارسته دون خشية من العقاب.
الحواجز القانونية المانعة من المسؤولية عن التعذيب
” السلطة تفسد والسلطة المطلقة تفسد بشكل مطلق. لذلك فإن الرجال العظماء هم فى الغالب الأعم رجال سيئين، حين يمارسون السلطة في حماية نفوذهم. ليس هنالك إعتقاداً أكثر فساداً من الإعتقاد بأن المركز الذى يتولاه الشخص يمنح صاحبه حصانة” لورد اكتون فى خطاب للاسقف ما نديل كريتون
العقوبة هي إيلام مقصود يقابل الجريمة ويتناسب معها. أحد أهم ما ينتجه العقاب هو منع وقوع الجريمة عن طريق الردع الذي ينتج عن ذلك الإيلام، والذي يخلق خشية لدى من تحدثهم أنفسهم بإرتكاب الجريمة. التعذيب بشكل خاص يرتكبه أنماط من البشر يتأثرون بالتهديد بالعقاب. يقول مارك لورنس في أمير الشوك"الجبناء هم أفضل زبانية التعذيب. الجبناء يفهمون الخوف ويعرفون كيف يستخدمونه. " لذلك فلقد رفعت الإنقاذ خشية العقاب عن قوات الضبط الذين أعدتهم للتعامل مع المعارضين وقمعهم بأن وضعت في قوانينها ما يمنحهم الحصانة من العقاب 

(1) أجهزة تنفيذ القانون
أولا الحصانة الإجرائية
""لا يمكن لرئيس أن يدافع عن أمته، ما لم يكن هو نفسه خاضعا للمحاسبة وفق قوانينها." داشان ستوكس

منح قانونا الأمن والشرطة أعضاء الجهازين حصانة تمنع إتخاذ إجراءات بفتح الدعاوى الجنائية أو المدنية ضدهم جراء أعمال قاموا بها بسبب وظائفهم إلا بعد الحصول على إذن بذلك من مديرالأمن، ومدير الشرطة تباعا، كل فيما يتعلق بمن يتبعه.  وقد كان ذلك لا يتم إطلاقا بالنسبة للأمن ويتم بشكل نادر بالنسبة للشرطة.
تنص المادة 52 (3) من قانون الأمن على "مع عدم الإخلال بأحكام هذا القانون، ودون المساس بأي حق في التعويض في مواجهة الجهاز، لا يجوز اتخاذ أي إجراءات مدنية أو جنائية ضد العضو أو المتعاون، إلا بموافقة المـدير. ويجب على المـدير إعطاء هذه الموافقة متى إتضح أن موضوع المساءلة غير متصل بالعمل الرسمي، على أن تكون محاكمة أي عضو أو متعاون أمام محكمة جنائية سرية أثناء خدمته، أو بعد انتهائها، فيما يقع منه من فعل .
كما وتنص الفقرة  (4) من نفس المادة على أنه "مع مراعاة أحكام المادة 46 ، ودون المساس بأي حق في التعويض في مواجهة الجهاز، لا يجوز اتخاذ أي إجراءات مدنية أو جنائية ضد العضو في أي فعل متصل بعمل العضو الرسـمي إلا بموافقة المـدير العام، ويجب على المدير العام إعطاء هذه الموافقة متى ما اتضح أن موضوع المساءلة غير متصل بأعمال الجهاز"
بالنسبة للشرطة تنص المادة (45)(2) على أنه "دون المساس بسلطات النيابة العامة في التحري لا يجوز إتخاذ أي إجراءات ضد أي شرطي إذا قررت الشؤون القانونية الشرطية أنه إرتكب فعلاً يشكل جريمة وقعت أثناء أو بسبب تنفيذه لواجباته أو أي أمر قانوني يصدر إليه بصفته هذه ، ولا تجوز محاكمته إلا بإذن صادر من الوزير أو من يفوضه . (3)
ثانيا عرقلة وصول البينة إلى القضاء
تنص المادة 52ـ (2) من قانون الأمن على أنه لا يجوز إجبار أي عضو أو متعاون للإدلاء بأي معلومات عن أوضاع الجهاز، أو مناشطه ، أو أعمال يكون قد حصل عليها أثناء تأديته واجبه، إلا بقرار من المحكمة

ثالثا المعاملة الخاصة
تتحمل الدولة دفع أى تعويض أو دية عن الشرطى أو أى شخص آخر مكلف قانوناً ، فى الجرائم المرتكبة أثناء العمل الرسمى أو بسببه . (4) كل شرطى يواجه أية إجراءات قانونية تقتضى إيداعه بالحراسة القانونية يحبس بحراسات الشرطة لحين الفصل فى الإجراءات وتحدد اللوائح تنظيم إيداعه بالحبس.

القصور التشريعي الذي يسهل ممارسة التعذيب
لما كان التعذيب هو فعل غير مشروع فإنه يتم دائما في الخفاء بعيدا عن أعين الناس. وأكثر الأفراد تعرضا له هم من يجدون أنفسهم، لسبب أو آخر  في قبضة الدولة، أي رهن الإعتقال لسبب أو آخر، يتعلق بشبهات تحوم حولهم بمخالفة القانون،  لما يخلقه هذا الوضع في العادة من رهبة في نفوسهم يجعلهم لا يحتجون على سوء المعاملة التي يخضعون لها. لذلك فإن وضع القواعد الخاصة بمنع سوء المعاملة لا يجدي ما لم يكن المعتقلين قادرون على التمسك بها والإحتجاج على إنتهاكها وسنتعرض فيما يلي لأهم تلك القواعد التي تمكن المعتقلين من ذلك.
(1) عدم تبني الحق في التنبيه
رغم أن العلم بالقانون مفترض بحكم القانون، إلا أن ذلك الإفتراض لا يطابق الواقع، لذلك فإن جهل الأشحاص المواجهين بإتهامات جنائية بحقوقهم الإجرائية كثيراً ما يهدر تلك الحقوق. لذلك لم تكتفى القوانين الحديثة بتقرير تلك الحقوق، بل وضعت على  الشرطة واجباً إيجابياً بتنبيه المشتبه فيهم لحقوقهم  فى هذا الخصوص. فأوجبت عليهم قبل توجيه أى سؤال لشخص محتجز لديهم، تنبيهه إلى حقه فى الإستعانة بمحام، و حقه فى الصمت. ويتطلب ذلك إخطار الخاضعين لإستجواب الشرطة بوضوح وبشكل مفهوم لهم، بحقهم فى الإمتناع عن الإدلاء بأي أقوال، وأن أي أقوال يدلون بها قد تستخدم ضدهم كدليل في المحاكمة. كما ويتوجب إخطارهم  بأن من حقهم الإستعانة بمحام فإن لم تفعل الشرطة ذلك، يكون كل ما أدلى به المقبوض عليه غير مقبول كبينة في محاكمة ذلك الشخص. وهذا الحق في التحذير نشأ أول ما نشأ في إنجلترا وويلز في عام 1912، عندما صدرت القواعد القضائية، والتي قضت بأنه يتوجب على الشرطي إذا أراد إستجواب شخص مشتبه فيه حول جريمة، قبل أن يبأ في إستجواب ذلك الشخص أن ينبهه إلى حقه في الصمت. و لكن ذلك المبدأ ذاع عندما تبنته المحكمة العليا الأمريكية في سابقة ميراندا ضد أريزونا، حتى أصبح الحق في التنبيه يُعرف بتحذيرات ميراندا. تتلخص وقائع تلك السابقة في أنه في عام 1963 تم القبض على أرنستو ميراندا بتهمتي الإختطاف والإغتصاب، وقد إعترف بالتهمتين. ولم تكن الشرطة قد نبهته لحقه القانوني في عدم الإدلاء بأي أقوال، ولا في حقه في أن يكون له محام يحضر التحقيق إذا رغب في ذلك. وفي المحاكمة لم تكن ضده أي بينة سوى إعترافه، وقد تمت إدانته بناءأ على ذلك الإعتراف. عندما عرض الأمر على المحكمة العليا قررت أن التحقيق قد خلق رهبة في نفس ميراندا، الذي لم يكن على علم بحقه الدستوري في الصمت، ولا في الإستعانة بمحامي، ولذلك فقد ألغت الإدانة وأمرت بإعادة المحاكمة . وقد حددت المحكمة العليا في حكمها هذا بالنسبة للإستعانة بمحامي، أنه يجب أن يخطر المقبوض عليه بحقه في الإستعانة بمحامي، وبأن يحضر ذلك المحامي التحقيق معه. وأنه إذا لم يكن يملك وسائل كافية لسداد أتعاب المحامي، فإن من حقه أن يطلب الإستعانة بمحامي على نفقة الدولة.  وقد حكم بعد ذلك برفض الإعتراف الذي أدلى به متهم لم يكن على دراية كافية باللغة الإنجليزية التي وجه له التحذير بها، لأنه إذا طلب القانون تنبيهاً فإن الإبلاغ  لا يتم إلا إذا فهمه من يتطلب القانون تنبيهه.
التنبيه حق دستورى لا يجوز للقانون تجاوزه
 و أهمبة سابقة ميراندا تتمثل فى أمرين، الأول أنها تتعلق بالأقوال التى يدلى بها من يكونوا قد تم إحتجازهم بواسطة الشرطة، فقد إستنتجت المحكمة العليا أن ذلك الإحتجاز فى حد ذاته يدخل الرهبة فى نفس من يخضع له، و بالتالى فإنه يتوجب تنبيهه لحقوقه الدستورية. والثانى أن هذه المسألة تتعلق بحقين دستوريين متميزين، فهى لا تقتصر فقط على القاعدة ضد إجبار الشخص بتقديم بينة ضد نفسه، بل أيضاً بقاعدة الإجراء القانونى السليمdue process of law. نتيجة لذلك فإنه طالما أن  ما أدلى به المحتجز من أقوال قد تم الإفضاء به وهو محتجز لدى الشرطة، دون أن يكون قد تم تنبيهه لحقوقه الدستورية فى الصمت و الإستعانة بمحامى، فإن ذلك فى حد ذاته يشكل سبباً لإستبعادها حتى ولو كانت طوعية. أثارت هذه القاعدة بما أثارته من عدم ضرورة أن يثبت المتهم أن ما أدلى به من أقوال  لم يتم الإدلاء به طواعية، إستنكار العاملين في أجهزة تنفيذ القانون، وقد إستجاب الكونجرس لضغوطهم و أصدر المادة 3501 والتى تقضى بأن المعيار الوحبد لقيول أو إستبعاد أقوال المتهمين فى المحاكمة، هو ما إذا كانت هذه الأقوال قد تم الإدلاء بها طوعاً. عقب صدور المادة المذكورة، تم القبض على ديكرسون بتهمتي سرقة بنك، واستخدام سلاح ناري لتنفيذ جريمة عنف، وكلاهما جرائم الاتحادية. تم إستجواب ديكرسون بواسطة مكتب التحقيقات الفدرالي دون أن تُوجه له التحذيرات التي أصبحت معروفة بتحذيرات ميراندا. طلب ديكرسون إستبعاد الأقوال التي ادلى بها لأنه لم توجه له تحذيرات ميراندا قبل أن يدلي بأقواله لمكتب التحقيقات الاتحادي. إستبعدت محكمة المقاطعة الأقوال ، وإستأنفت الحكومة. ألغت الدائرة الرابعة من محكمة الإستئناف الفيدرالية حكم محكمة المقاطعة، وكان رأيها أن المادة § 3501 حلت محل شرط أن تعطي الشرطة تحذيرات ميراندا لأن تلك التحذيرات لم تكن من المستوجبات الدستورية، وبالتالي فإن الكونجرس يمكنه نقض السابقة عن طريق التشريع.  نتيجة لذلك رأت المحكمة أنه قد تم تجاوز سابقة ميراندا بهذا التشريع. وافقت المحكمة العليا ألأمريكية فى تلك السابقة الهامة محكمة الإستئنافعلى أن الكونجرس قد هدف من ذلك التعديل أن يتجاوز حكم المحكمة العليا فى دعوى ميراندا ضد أريزونا، ولكن السؤال هو هل يستطيع ذلك؟ أجابت المحكمة على ذلك بالنفى. رأت المحكمة العليا أنها هى الجهة المنوط بها تفسير الدستور، ولذلك فإن ما تقضى به المحكمة العليا بإعتباره تفسيراً لأحكام الدستور لا يستطيع الكونجرس أن يتجاوزه بالتشريع العادي.
DICKERSON  V United STATES 530 U.S. 428 (2000)
الوضع فى القانون السودانى
الحق في التنبيه لا أثر له في القانون السوداني فلقد تجاهله قانون الإجراءات الجنائية السوداني تماما، ولم تأخذ به السوابق القضائية السودانية، رغم أنه يتصل إتصالاً وثيقاً بعدم جواز إجبار الشخص على تقديم بينة ضد نفسه، وهو بالتالي ضمانة هامة لمنع التعذيب. نجم عدم إحتواء القانون لحكم يلزم قوات الضبط بتنبيه المقبوض عليه بمجرد إلقاء القبض عليه بحقوقه الدستورية، أن أصبحت ممارسة التعذيب ممارسة عادية في مواجهة المعتقلين من غير الذين يقضون عقوبات قانونية.
نبيل أديب عبدالله
المحامي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////////