القصد  من هذه الدراسة المساهمة في تقديم مقترحات لمواءمة القوانين السائدة مع الأحكام الدستورية الواجبة الإحترام. وقد رأيت أن أبدا من أكثر جزء في التركة القانونية للإنقاذ تقيحاً وهو نظام  التعذيب الممنهج الذي  أقامته ضمن سياج تشريعي يسمح به
معلوم أن التعذيب الذي يرتكبه منسوبو الدولة والذي كان نادر الوقوع في السودان قبل وصول النظام البائد لدست الحكم، قد أصبح ممارسة ممنهجة على يد زبانية النظام الذين تخصصوا فيه. خصص النظام بمجرد إستيلائه على السلطة معتقلات خاصة يمارس فيها التعذيب عُرِفت بإسم بيوت الأشباح وهو إسم أطلقه عليها الضحايا الذين ذاقوا ما تقدمه من خدمات إبتداء من القتل خارج نطاق القانون والإغتصاب حتى الكي بالكهرباء والحرق بالنار. لم تتوقف الإنقاذ عن هذه الممارسة الوحشية حتى آخر أيامها وكان آخر ضحاياها المعلم أحمد الخير الذي قتل أثناء تعذيبه بالخازوق في شهر مارس الماضي.


الجزء الأول
المسؤولية عن التعذيب في القانون السوداني
جريمة التعذيب جريمة بالغة الخطورة ومجرد وقوعها بغض النظر عن الدافع من إرتكابها يخرق أحد الحقوق الأساسية وهو الحق في الحرمة من التعذيب. ولكن التعذيب يسبب إنتهاكاً لعدد آخر من حقوق الإنسان كالحق في السلامة الجسدية، والكرامة الإنسانية . ولا يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن عندما يرتكب هذه الجريمة أعضاء في أجهزة تنفيذ القانون أوأجهزة الدولة الأخرى فإنهم ينتهكون بالإضافة لتلك الحقوق الحق في الحرية والأمان، والحق في المحاكمة العادلة.

التعذيب في المستوى الدولي
قامت الأمم المتحدة بتبني العديد من العهود والإعلانات والقرارات المناهضة للتعذيب والمعاملة المسيئة لعل أهمها: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وإتفاقية مناهضة التعذيب ومجموع العهود والإتفاقيات والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والتي أصبحت جزء من القانون الدولي والتي تضع على الدول إلتزام بمنع التعذيب. إعتمدت الجمعية العامة إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة وفتحت باب التوقيع والتصديق عليها والانضمام اليها في القرار 39/46 المؤرخ في 10 كانون الأول / ديسمبر 1984. دخلت الإتفاقية  حيز النفاذ في 26 يونيه 1987 وتضع الإتفاقية على الدول الأطراف إلتزامات متعددة أهمها :
أ/ إتخاذ الإجراءات التشريعية والإدارية والقضائية اللازمة لمنع أعمال التعذيب ولايوجد إستثناء لهذا الحظر يجيز السماح بأعمال التعذيب بما في ذلك الحرب. لا يجوز التذرع باية ظروف استثنائية ايا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلى أو اية حالة من حالات الطوارئ العامة الاخرى كمبرر للتعذيب.
كما ولا يحوز بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب.

ب/ لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أى شخص أو تعيده("ان ترده") أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، اذا توافرت لديها أسباب حقيقة تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب.
تراعى السلطات المختصة لتحديد ما اذا كانت هذه الأسباب متوافرة، جميع الاعتبارات ذات الصلة، بما في ذلك ، في حالة الانطباق ، وجود نمط ثابت من الانتهاكات الفادحة أو الصارخة أو الجماعية لحقوق الإنسان في الدولة المعنية.
ج/ تضمن كل دولة طرف ان تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائى، وينطبق الأمر ذاته على قيام أى شخص بأيه محاولة لممارسة التعذيب وعلى قيامه بأى عمل آخر يشكل تواطؤا ومشاركة في التعذيب.
 تجعل كل دولة طرف هذه الجرائم مستوجبة للعقاب بعقوبات مناسبة تاخذ في الاعتبار طبيعتها الخطيرة. (م 4)


التعريف الأكثر قبولا للتعذيب دوليا والتي تحدد هو ذلك التعرقف الذي تبنته المادة 1  من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو العقوبة والذي ينص على ما يلي
1. لأغراض هذه الاتفاقية،يقصد 'بالتعذيب ' أى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد ،جسديا كان أم عقليا،يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص،أو من شخص ثالث،على معلومات أو على اعتراف ،أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه ،هو أو شخص ثالث أوتخويفه أو ارغامه هو أو أى شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأى سبب يقوم على التمييز ايا كان نوعه،أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.
2.  لا تخل هذه المادة باى صك دولى أو تشريع وطنى يتضمن أو يمكن أن يتضمن أحكاما ذات تطبيق أشمل.

الوضع في السودان
 تولت الفقرة (2) من المادة 115 من القانون الجنائي السوداني العقاب على التعذيب الذي يرتكبه منسوبو الدولة فجاء نصها كالتالي: " كل شخص من ذوي السلطة العامة ، يقوم بإغراء او تهديد او تعذيب لأى شاهد او متهم او خصم ليدلي او لئلا يدلي بأى معلومات فى اى دعوى ، يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز ثلاثة اشهر او بالغرامة أو بالعقوبتين معا"ومن ذلك التعريف يتضح أن المشرع السوداني في عهد النظام البائد لفرط إعتماده على التعذيب لكسر إرادة المعارضين، تعامل مع الجريمة بشكل لا يتناسب مع جسامتها، يبدو في المظاهر التالية
أ لم يفرد للتعذيب نص خاص بل عاقب عليه بإعتباره صورة من صور الركن المادي لجريمة تمثل صورة من صورالتأثير على العدالة.
ب لم يحفل القانون بتعريف جريمة التعذيب رغم أن الفقه الدولي مستقر على تعريف واضح للتعذيب وعلى التعامل مع الجريمة وفقا لدرجة جسامتها، مما يكشف عن رغبة النظام في توفير بيئة صالحة لهذه الممارسة القبيحة
ج رغم خطورة الجريمة من حيث كونها تهدف إلى إهدار حقوق من يخضع لها، وإفسادها للنظام العدلي بأكمله الذي يقوم على أساس من براءة المتهم حتى يثبت جرمه بما لا يدع مجالاً لشك معقول، فتسمح بتسرب بينات مصطنعة إلى المحاكمة تتسبب في إدانة الأبرياء، فإن القانون السوداني عاقب عليها بالسجن الذي لا يجاوز ثلاثة أشهر أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً، رغم أنه يعاقب على الإتلاف الجنائي الذي يسبب خسارة مادية للمجني عليه، بغض النظر عن قيمة المال موضوع الجريمة، بالسجن الذي قد يصل إلى عام.

بيئة قانونية صالحة للإفلات من العقاب 

وقد دعم النظام موقفه هذا بتوفير دفوع لمرتكبي جريمة التعذيب توفر لهم الإفلات من العقاب فقضى نص المادة52ـ (1) من قانون الأمن بأنه لا يعتبر جريمة أي فعل يصدر من أي عضو في الجهاز بحسن نية أثناء أو بسبب أداء أعمال وظيفته، أو القيام بأي واجب مفروض عليه، أو عن فعل صادر منه بموجب أي سلطة مخولة أو ممنوحة له بمقتضي هذا القانون، أو أي قانون آخر ساري المفعول، أو لائحة، أو أوامر صادرة بموجب أي منها، على أن يكون ذلك الفعل في حدود الأعمال أو الواجبات المفروضة عليه وِفق السلطة المخولة له بموجب هذا القانون .
يلاحظ أنه وفقا للقانون السوداني فإن الفعل غير المشروع قد يرتكب بحسن نية فالمادة 3 من القانون الجنائي تعرف حسن النية بقولها "يقال عن الشخص أنه فعل الشيء أو إعتقده بحسن نيه إذا حصل الفعل أو اللإعتقاد مع سلامة المقصد وبذل العناية والحيطة اللازمتين" ومعلوم أن كهنة النظام كانوا يبررون أفعال القتل خارج القانون والتعذيب وغيرها من أعمال العنف ضد المعارضين  بإعتبارها جهادا في سبيل الله مما قد يكون سببا للقول بسلامة المقصد.
كما وتنص المادة 54ـ (1) من قانون الأمن علىى أنه "إذا ارتكب أي عضو جريمة مخالفة لأحكام هذا القانون ، وكانت الجريمة المرتكبة في ذات الوقت جريمة وِفقاً لأحكام القانون الجنائي الساري، فيعاقب العضو المذكور بموجب أحكام هذا القانون ، ويجوز للمدير لأسباب موضوعية إحالته للمحاكمة أمام المحكمة المختصة"وهذا يعني عدم خضوع أعضاء الجهاز للمساءلة عن التعذيب لأنها تدخل ضمن إساءة السلطة المعاقب عليها بموجب المادة 59 من قانون الأمن وبالتالي فإن القضاء الجنائي لا يعود قادرا على محاكمة العضو في حين أن محاكم الجهاز لن تكون راغبة في ذلك

بالنسبة للشرطة فالوضع مشابه تنص المادة (1) (45)من قانون الشرطة على أنه لا يعتبر جريمة أي فعل يصدر من أي شرطي بحسن نية أثناء أو بسبب أداء أعمال وظيفته أو القيام بأي واجب مفروض عليه أو عن فعل صادر منه بموجب أي سلطة مخولة أو ممنوحة له بمقتضى قانون الإجراءات الجنائية أو أي قانون آخر ساري المفعول أو أي لائحة أو أوامر صادرة بموجب أي منها على أن يكون ذلك الفعل في حدود الأعمال أو الواجبات المفروضة عليه أو وفق السلطة المخولة له بموجب قانون الإجراءات الجنائية أو أي قانون آخر ولا يتعدى القدر المعقول من القوة لتنفيذ واجباته أو لتنفيذ القانون دون أي دافع آخر للقيام بذلك الفعل

كتائب الظل
كتائب الظل هي كتائب كونها لحزب الحاكم بشكل سري بدون سند من القانون. وهي تنظيمات شبه عسكرية مسلحة تقوم بعمليات قمع محدودة تشمل إعتقالات للناشطين من الشباب وإحتجازهم في اماكن غير معلومة للجمهور. كذلك تقومبالمشاركة في فض التجمعات السلمية التي تهدف إلى الإحتجاج ضد سياسات الحكومة وهي تفعل ذلك بواسطة أفراد ملثمين يقودون عربات لا تحمل أرقام وبالتالي لا يمكن التعرف عليهم. كما وتقوم بأعمال إنتقامية تستهدف فيها بعض المعارضين، أو الذين يعبرون عن آراء لا تتفق مع خط الحكومة السياسي. وهذه المجموعات شبه عسكرية إعترف بها علي عثمان محمد طه النائب الأول السابق لرئيس الجمهورية، وتحدث عنها في حديث تلفزيوني اثناء احداث الثورة، حذر فيه الثوار بأنه سيكون عليهم مواجهة كتائب الظل. وكانت هنالك أيضاً معلومات عن تكوين شبه عسكري يطلق عليه األمن الشعبي يقوم أيضاً بعمليات القتل خارج نطاق القانون وتعذيب المعارضين.
من أشهر العمليات التي قام بها جهاز الأمن الشعبي هجومه على صحيفة التيار وإعتدائه بالضرب المبرح على الأستاذ عثمان ميرغني رئيس تحرير الصحيفة والذي كاد أن يفقد نظره نتيجة لذلك الإعتداء، لولا لطف الله ثم عناية الأطباء في السودان والقاهرة.
ورغم أن أيا من التشكيلين لم يكن متمتعا بحصانة موضوعية من حيث القانون إلا أنهما من حيث الواقع لم يكونا يخضعا لأي محاسبة لأنهما كانا يعملان بشكل سري تحت حماية أجهزة الدولة.
نقف هنا ونواصل في مقال تال إستعراض الجوانب الأخرى لعرقلة المساءلة عن التعذيب في منظومة الإنقاذ القانونية

نبيل أديب عبدالله
المحامي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////