" السلطة التى لا تعرف حدوداً قادرة على إفساد أصحابها ". وليام بيت

الدستور، أى دستور، هو آلية لإدارة الصراع السياسى، وذلك يعني أنه هو الذي يحدد قواعد ممارسة الصراع السياسي. الدستور الديمقراطي يخضع كافة أطراف الصراع السياسي حكاما ومحكومين، لقواعد متكافئة يلتزم بموجبها الجميع. هذه القواعد، فيما يتعلق بعلاقات الأحزاب السياسية فيما بين بعضها البعض، تقوم على طريقة إدارة الإختلاف. الآلية الدستورية لا تهدف لإنهاء الخلاف بين البرامج السياسية المختلفة، فهذا مستحيل لمخالفته لطبيعة الأشياء، فالناس جُبِلوا على الإختلاف، والدولة التي يختفي فيها الخلاف السياسي على مدى طويل، هي دولة بالضرورة يحكمها دستور سلطوي يقوم على تغليب إتجاه واحد على باقي الإتجاهات قهراً. ما يقوم عليه الدستور هو الإتفاق على طريقة إدارة الصراع، وليس منع الصراع نفسه. الصراع السياسي أساسه وجود طبقات وشرائح مختلفة، تحمل مصالح إقتصادية متضاربة، بسبب إختلاف موقعها من العملية الإنتاجية. هذه المصالح الإقتصادية تعبر عن نفسها في تكوينات سياسية (الأحزاب) تطرح برامج تتفق مع تلك المصالح. لما كانت الدولة في نهاية الأمر هي التي تحدد السياسات التي تحكم إنتاج السلع والخدمات في البلد، فإن التكوينات السياسية المختلفة تتطلع لتنفيذ تلك البرامج عن طريق الوصول للسلطة السياسية. الدستور يفرض قواعد لإدارة الصراع بين تلك التكوينات السياسية في سعيها للوصول إلى السلطة السياسية، بشكل يمنع أن ينزلق الصراع السياسي بينها للعنف. السبيل الوحيد لذلك يتمثل في قبول التبادل السلمي للسلطة.


التبادل السلمي للسلطة بديلا للعنف
التبادل السلمي للسلطة يستلزم بشكل أساسي منع الهيمنة. وهو أمر لا يبدو أننا نجحنا في تحقيقه حتى الآن، فتاريخ السودان منذ الإستقلال وحتى الآن هو تاريخ محاولات فرض هيمنة اتجاه سياسي واحد، أو عنصر واحد، أو دين واحد، على اللعبة السياسية. هذا ينطبق على كل الأنظمة التي مرت على البلاد، العسكرية منها و الديمقراطية، والتي سقطت جميعها ضحايا لمحاولات الهيمنة. الهيمنة هي دعوة للعنف، لأنه لا سبيل لفرضها إلا بالقهر، ولا لمقاومتها إلا بالعنف. في مقابل محاولة الهيمنة يجب أن يقبل الجميع بالخيار الديمقراطي، و الذي يعني تعايش القوى السياسية المختلفة مع بعضها البعض، عن طريق الإعتراف الحقيقي، وليس اللفظي، بالتداول السلمي للسلطة. التداول السلمي للسلطة لا توفره الإنتخابات الدورية، ما لم تكن السلطة السياسية مطروحة في صندوق تلك الإنتخابات. والسلطة السياسية لا تكون مطروحة في الصندوق إلا إذا كان الناخبون يقررون من يتولى تلك السلطة، في كافة المستويات. والناخب لا يقرر ذلك إلا إذا توفرت له الحرية والإدراك اللازمين لإتخاذ القرار المنسجم مع مصلحته الحقيقية. و هذا يتم عندما تتوافر الحريات العامة، وعلى رأسها حرية التعبير والتنظيم والوصول إلى المعلومات، بالنسبة لكافة المكونات السياسية للأمة. ولكن الأمر لا يقف عند المكونات السياسية بل يتعداه إلى المكونات العرقية والثقافية. فبالإضافة للحريات السياسية، هنالك ضرورة للإعتراف الحقيقي بتعدد الثقافات، والسماح للثقافات المختلفة بالتعبير عن نفسها دون حجر، أو وصاية، بما في ذلك حق إستعمال لغاتها في دواوينها ومدارسها المحلية. كما ويتطلب التطور الإقتصادي المتوازن. وبغير هذا كله سنظل في دائرة العنف التي لم نخرج عنها منذ الإستقلال. والذين يتحدثون عن المجتمع السوداني المسالم، لا يرون الدم المراق بعيداً عن كاميرات الصحافة والتلفزيون.


الأجهزة والآليات قبل النصوص
" إذا كان البشر ملائكة لن تكون هنلك حاجة لحكومة، وإذا كانت الحكومة مشكلة من الملائكة ، فإنه لا حاجة لوضع كوابح على سلطتها لا من داخلها ولا من خارجها . ولكن عندما يكون الأمر متعلقا بحكومة يتولاها بشر لحكم بشر آخرين، فإن الصعوبة تكمن فى أنه يجب أولا تمكين الحكومة من السيطرة على المحكومين، ويجب ثانيا أن تلزمها بأن تسيطر على نفسها. لا شك أن إختيار الحكومة بواسطة الشعب هو أساس الرقابة على الحكومة، ولكن الخبرة الإنسانية تؤكد ضرورة وضع تحوطات إضافية " جيمس ماديسون .

أساس العملية الدستورية هو إخضاع السلطة العامة لحدود لا يجوز لها تخطيها. وذلك ليس فقط عن طريق نصوص تحدد تلك الحدود، بل أيضا عن طريق خلق آلية يمكن بموجبها للسطات أن تراجع بعضها البعض، وأن تخضع السلطات جميعا للمحاسبة، عندما تتجاوز تلك السلطة المحددة. هذا يتم فى كل أنظمة الحكم بدرجات متفاوتة، ومفتاح المسألة هو من صاحب السلطة فى المحاسبة. إن النصوص لا تعنى شيئاً بل تظل حبيسة الكتب عندما لا تتوفر لها الأجهزة والآليات القادرة والراغبة فى إنفاذها. ولعل الفترة التي عشناها تحت الدستور الحالي، واضحة الدلالة على عجز النصوص عن إنفاذ أحكامها. الحكومة الحالية ولا جدال في ذلك تستظل بدستور ديمقراطي، هو الأحسن ضمن ما خبرنا من دساتير، فيما يتعلق بالحريات العامة. فقد تضمن وثيقة حقوق فسرت جملة "فى حدود القانون" بأنها تجيز للقانون سلطة تنظيم الحقوق والحريات العامة، دون أن تصادرها أو أن تنتقص منها. وهو تفسير يتسق مع الفهم العالمي الديمقراطي. كما وأضافت الوثيقة للدستور أحكام العهود الدولية المتصلة بحقوق الإنسان، التى صادق عليها السودان، وألزمت الدولة والمحاكم بصيانة الوثيقة وحمايتها وتطبيقها. ومع ذلك فإن الحكم تحت هذا الدستور قد شابه إهدار لكثير من الحقوق الدستورية التى حملتها الوثيقة. ولم يكن ذلك ممكناً لولا أن منظومتنا القانونية تعج بالقوانين المقيدة للحريات، والتي تستخدم بكثافة لإنتهاك الحقوق الدستورية للأفراد والمنظمات. و رغم أن الحكومة نفسها أكدت لدى بداية الفترة الإنتقالية أن عدداً من القوانين يحتاج لإعادة إصدار، وبعض آخر للتعديل، حتى يتوافق مع الأحكام الدستورية، فإنها لم تعدل تلك القوانين أو تعيد إصدارها إلا لتجعلها أكثر قهرا وإنتهاكا للحريات الدستورية.


خضوع السلطة للمحاسبة
" السلطة تفسد والسلطة المطلقة تفسد بشكل مطلق. لذلك فإن الرجال العظماء هم فى الغالب الأعم رجال سيئين، حتى حين يمارسون النفوذ وليس السلطة ليس هنالك إعتقاداً أكثر فساداً من الإعتقاد بأن المركز الذى يتولاه الشخص يمنح صاحبه حصانة" لورد اكتون فى خطاب للاسقف ما نديل كريتون
التبادل السلمي للسلطة لن يصبح ممكناً إلا إذا تحقق خضوع السلطة السياسية، في كل مستوياتها، للمحاسبة. والسلطة السياسية بإعتبارها تتولى بشكل أساسي السلطة التنفيذية لن يتحقق خضوعها للمحاسبة ما لم يتم الفصل تماما بين مصالحها الحزبية كطرف في الصراع الحزبي، وبين أدائها لمهامها كسلطة تنفيذية. هذا يعني من جهة خضوع السلطة التنفيذية للقانون، ومن جهة أخرى إستقلال أجهزة الدولة عن العمل السياسي الحزبي، فهذا هو ما يهدد إمكانية طرح السلطة السياسية في صندوق الإنتخابات. ما يميز الدولة الديمقراطية عن الدول السلطوية، هو الفصل الواضح بين مصلحة الدولة وبين المصلحة الحزبية، وإنعكاس ذلك بشكل صارم على الحكومة نفسها، كمؤسسة مؤقتة، مفوضة بإدارة المؤسسات الدائمة للدولة لفترة محدودة. وفقا لذلك فإن الحكومة لا تشرك أبدا أجهزة السلطة التنفيذية في صراعها مع منافسيها السياسيين، بل تحفظ علاقتها بتلك الأجهزة في حدود دور تلك الأجهزة في خدمة مصالح الدولة وقوانينها.

والسلطة السياسية التي تتولى بشكل أساسي السلطة التنفيذية تخضع للمحاسبة، بواسطة السلطات الأخرى من جهة، وبواسطة التكوينات المدنية والسياسية من جهة أخرى. السلطة السياسية نفسها (أي الحكومة) يجب أن تخضع بشكل مستمر، فيما تصدر من قرارات لرقابة من السلطة التشريعية، ولمراجعة من السلطة القضائية. وهذا لا يتم إلا عن طريق جهاز قضائي مستقل، وبرلمان منتخب بشكل بعيد عن تدخل السلطة السياسية، وخاضع لإرادة الشعب الذي إنتخبه. هذا الخضوع يتطلب أن يتحرر الناخب من الخضوع لأي مؤثرات سلطوية أو طائفية أو قبلية أو عشائرية.

خضوع السلطة السياسية للمحاسبة الشعبية ينتهي بمواجهة قرار الشعب في الإنتحابات العامة، ولكنه يبدأ مع كل قرار يتم إتخاذه في الشؤون العامة. وهذا يتم بالنقاش المفتوح في منظمات المجتمع المدني، والصحافة، والتكوينات السياسية خارج الحكم. وهذا ما توفره الحريات العامة، وعلى وجه الخصوص الشفافية وتوفير المعلومات عن الطريقة التي تدار بها الشؤون العامة. خضوع السلطة السياسية لكل هذه الأنواع من الرقابة يدعم التبادل السلمي للسلطة، والذي به يتحقق الخضوع للمحاسبة السياسية التي يوفرها النظام الديمقراطي.

إن وجود معارضة قوية هو أمر أساسي وضمان رئيسي لحسن إدارة الدولة. لذلك فإن الإنجليز في أم البرلمانات يطلقون على المعارضة تعبير"معارضة صاحب الجلالة"أى أن المعارضة مثلها مثل الحكومة تعمل في خدمة الدولة التي يمثلها عندهم الملك. أول من إستخدم هذا التعبير ( على جدل حول ذلك ) هو كام هوبهاوس فى عام 1826 فى خطاب القاه فى البرلمان، بمناسبة تحديد مرتب رئيس مجلس التجارة. وقد قيل يومذاك " لأننا لكل الأغراض والنوايا نشكل فرع من حكومة صاحب الجلالة" وهذا هو الفهم الصحيح للمعارضة فى الأنظمة الديمقراطية، فهي تلعب دورا هاما في الرقابة على الحكومة لا غنى للحكومة عنها لو شاءت أن تتوصل للقرارات الصحيحة فى أى شأن. لذلك فإن حياد القائمين على أجهزة الدولة، كالقضاة وأعضاء القوات النظامية والخدمة المدنية، بالنسبة للصراع السياسى الذى تكون الحكومة جزء منه، هو أمر أساسى لإقامة نظام ديمقراطى. إن النزاع السياسى بين الحكومة والمعارضة فى الأنظمة الديمقراطية، هو جزء من العمل السياسى لا تتدخل فيه أجهزة الدولة المحايدة. طالما ظلت السلطة السياسية مسيطرة على أجهزة الدولة، لن تكون هنالك حريات عامة، مهما كانت درجة تضمينها فى النصوص الدستورية، لأن تلك النصوص تبدأ وتنتهي بالمؤسسات التى تطبقها، والتى لا تستطيع أصلاً أن تطبقها ما لم تتخلص من سيطرة السلطة السياسية.


الخضوع للمحاسبة والطرح الديني
ثار غبار كثيف حول علمانية الدستور فذُكِر أن العلمانية تقوم على نفي الدين وإبعاده عن الحياة العامة، وذهب البعض لأنها صنو للإلحاد، كما ذهب البعض لأن هذه المشكلة لا تعرض بالنسبة للمجتمعات الإسلامية، فالحكم فيها هو حكم مدنى لا ديني، لأن الإسلام لا يعرف رجال الدين. ونحن من جانبنا لا نري فائدة من الأسماء والمصطلحات، ولكننا نرى أنه من الخير للجميع الإتفاق على أن المسألة الرئيسية في هذا الصدد تتمثل في خضوع السلطات للمحاسبة .

ما نقول به هو رفض الدولة الدينية، وليس رفض الدين، ولا إبعاده عن الحياة العامة، ولكننا نؤمن بأن الحكم يمارسه البشر ويجب أن يخضعوا لمساءلة البشر. الأساس فى الخضوع للمحاسبة، هو نفى الحق الإلهي فى الحكم الذى قامت عليه أنظمة الحكم فى القرون الوسطى، والذى يعنى أنه طالما أن الله هو الذى منح الملك للحاكم، فإنه وحده الذى يملك سلطة محاسبته. ومن هنا جاء المبدأ القانوني المعروف فى القانون الإنجليزي Common Law والذى يقول بأن الملك لا يستطيع أن يخطئ. وبالتالي فلم يكن ممكنا تحدى أى قرار إداري أمام المحاكم الإنجليزية. وقد صاغ هذه المبادئ جيمس الرابع ملك إستكلندا الذى أصبح فيما بعد جيمس الأول ملك إنجلترا فى كتابه االمعروف بالهبة الملكية. وهو كتاب كتبه فى الأصل باللغة الإغريقية لإبنه هنرى الذى توفى صغيرا، فأهداه من بعده لإبنه الثاني تشارلس. يقول الكتاب أن الملك قد تم مسحه ( وهو طقس مسيحي ) لصالح شعبه، ولكن الله الذى أوكل له عبء الحكم، هو وحده الذى يملك محاسبته. ويستند فى رفضه لحق الشعب فى محاسبة الملوك على القياس، فكما أن أخطاء الأب لا تجيز للإبن التحلل من الوصية الخامسة التى تلزمه بطاعة الأب، فكذلك خطأ الملك لا يحرر الشعب من إلتزامه بطاعة الملك. وهذا لا يعني أن يفعل الملك ما يشاء، بل يجب أن يخضع للقانون الطبيعي الذى وضعه الله، وهو أن يحقق العدل والخير لشعبه، ولكن الله، وليس الشعب هو الذى يحاسبه على إخلاله بمبادئ القانون الإلهي. وهذه النظرية تعنى فى النهاية أنه ليست هنالك سلطة أرضية أو زمانية Temporal يجوز لها محاسبة الملك، وإن كانت الكنيسة الكاثولكية في فترة قوتها كانت تدعي حق محاسبة الملوك على مخالفة القانون الإلهي بإعتبارها ممثلة لله فى الأرض. ولكن الملوك لم يقروا لها بذلك أبداً، وإن كانوا قد رضخوا لها عندما كانت موازين القوة فى صالحها، وإستقلوا بتقدير المسألة لأنفسهم حين قوى ساعدهم بعد ذلك . بالنسبة لإنجلترا فإن كنيسة إنجلترا قامت على أساس خضوع الكنيسة للملكية الإنجليزية ، فقد تم إنفصال كنيسة إنجلترا عن كنيسة روما، تنفيذاً لرغبة الملك، عقب رفض البابا إبطال زواج هنرى الثامن من كاثرين أوف أوراجون، حتى يتسنى له الزواج من آن بولين. ورغم أن ملوك إنجلترا كان يتم تنصيبهم بإحتفال دينى عن طريق مسحهم بالزيت المقدس بواسطة أسقف كانتربرى، وهو إتباع لما تقوم به الكنيسة الكاثولكية كرمز لخضوع الملوك لسلطة الكنيسة، إلا أن المسألة لم تكن تتعدى ذلك الطقس الرمزى، إلى أى سلطة حقيقية تمارسها الكنيسة على الملك. وقد عبر عن ذلك كله الفرنسي بوسيه حين ذكر فى حضرة لويس الرابع عشر " إن العناية الإلهية تقول أن سلطة الملوك صادرة عنى، ومن هنا نعلم أنه ليس فقط السلطة الملكية هى الصادرة عن الله، بل أيضا إختيار الشخص الذى يتولى العرش هو من إختيار الله " ولم يكن لويس الرابع عشر فى حاجة ليسمع ذلك، ليؤسس لحكمه الإستبدادى الذى عبر عنه بقوله (الدولة هى أنا ) .


الحقائق الكونية لا تحتاج لأحكام دستورية
وحقيقة الأمر أن أساس الدولة الدينية هو أن مصدر السلطة هو الله، ولذلك فمحاسبة الحاكم هى لله، وهو أمر لا ينفرد به دين، دون آخر. وقد عبر عن ذلك عثمان بن عفان رضى الله عنه، حين دعاه محاصروه لترك الخلافة بقوله "لا أخلع قميصاً سربلنيه الله". هذا الفهم عبر عنه الخوارج بشعار الحاكمية لله، والذى رفعوه تبريراً لقبول التحكيم في صفين، ثم لرفض نتائجه بعد ذلك. وهى نظرية تنسب لهم وليس للإسلام فقد رد على بن أبى طالب كرم الله وجهه على تحكيم القرآن بقوله "القرآن حمال أوجه" ووصف شعارهم بأنه قولة حق أريد بها باطل. القول بأن الحاكمية لله هو أمر لا يحتاج لإيراده في نصوص قانونية، فالنصوص القانونية لا تخضع البشر لله، فهم خاضعون له بحكم الألوهية لا نصوص الدستور، ولكن خضوع الحاكم للمحاسبة السماوية لا شأن للدستور به، بل يجب أن يخضعه لمحاسبة الشعب. وهذا الشعار سواء أكان بمفهوم الخوارج أو بمفهوم أبي الأعلى المودودي، الأب الشرعي للإسلام السياسي، هو شعار غير مقبول بإعتبار أن القصد منه نفي سيادة الشعب وإلباس الحاكم ثوب من القداسة الدينية. إن أساس الدستور المحاسبة، فإذا كان الدستور ديمقراطياً أخضع السلطة للمحاسبة ونظم تداولها ، وإن لم يكن كذلك نظم احتكارها لطبقة أو حزب أو فئة.
إن النزاع فى جوهره هو نزاع بين خيار ديمقراطى وآخر إستبدادى، وما ندعو له هو نظام ديمقراطي يقوم على أن حق الحاكم فى الحكم، مستمد من رضا المحكومين، وهذا ليس شأن كل الدساتير العلمانية فبعضها لا تؤسس على رضا المحكومين، بل على الغلبة، ويشاطرها فى ذلك جانب من الفقه الإسلامي عندما يجعل الحكم لذى الشوكة، وما يهمنا من كل ذلك هو الإتفاق على أنه ليس هنالك من بين السودانيين من له حق إلهي فى الحكم، وأن الحاكم يستمد شرعيته من رضا المحكومين والذين يمارسونه دوريا بالتصويت، الذى يؤدى لتفويض الحاكم تفويضاً محدوداً، بأن يمارس سلطاته فى الحدود التى منحها له الشعب، وأن يخضع فى ذلك لمحاسبة الشعب، ولحكم القانون بالمعني الواسع لهذه الكلمة والذى يشمل الدستور .


نبيل أديب عبدالله
المحامى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.