رأينا فى الحلقة الأولى من هذا البحث أن العودة لمنصة التاسيس بغرض إصدار دستور دائم، لا تعنى منح تفويض مطلق لتلك المنصة، لا من الناحية الإجرائية ولا الموضوعية . وذكرنا أن ما يهمنا هنا الناحية الموضوعية، التى تحتم أن لا يخرج واضعو الدستور عن المبادئ فوق الدستورية، التى تحدد لهم حدود تفويضهم بحيث تلزمهم بأن تتضمن مسودة الدستور مبادئ معينة لا يمكن لأى أغلبية إستبعادها من الدستور القادم، ولا يجوز لأى أغلبية إحلال أحكام لا تتفق معها فى ذلك الدستور،ونظرنا فى ذلك لتجربة جنوب إفريقيا، والتى تم تبنى مبادئ فوق دستورية تم إلزام الجمعية التأسيسية بها، عن طريق إخضاع مسودة الدستور لمراجعة المحكمة الدستورية ونواصل اليوم للنظر فى المسألة السودانية .


المسألة السودانية
يجب مبدئيا لضمان التوصل لدستور ديمقراطى، أن يتم تبنى المبادئ فوق الدستورية فى إعلان دستوري، وهذا الإعلان قد يكون قائما بنفسه كدستور ينطبق على الفترة الإنتقالية التى يتم خلالها وضع الدستور الدائم، أو كجزء من الدستور الإنتقالي الذى يتم بموجبه تبنى طريقة صناعة الدستور الجديد .
لقد كان من الأخطاء الرئيسية التى تضمنتها عملية صناعة الدستور الإنتقالي لعام 2005 هو خلو ذلك الدستور من آلية لصناعة الدستور الدائم، ولعل السبب فى ذلك هو إسترابة الطرفين فى إمكانية إبقاء السودان موحداً عقب إنتهاء الفترة الإنتقالية، ففى حين أن مسألة التحول الديمقراطي لم تكن تشكل رغبة حقيقية للمؤتمر الوطني، فإن الحركة الشعبية كان لديها كثير من الإسترابة فى قدرتها على إستمالة عدد كاف من القوى السياسية لقبول دستور أحسن من الدستور الإنتقالي، فى ظل توازن القوى آنذاك، ورأت أن خوض الإنتخابات وفق أحكام الدستور الإنتقالي يمنحها رؤيا واضحة للتقرير فى مسألة الوحدة والإنفصال. نجم عن هذا الموقف أن إنتهت الفترة الإنتقالية بدون صياغة دستور دائم، وهو مأزق دستورى يتطلب مرونة من القوى السياسية للتوصل لمرحلة إنتقالية جديدة، لأن صياغة دستور جديد مسألة تختلف تماما عن إجراء تعديلات فى دستور قائم، خاصة وأن الدستور الإنتقالي قد تم بإتفاق قوتين سياسيتين فحسب، خرجت واحدة منها الآن عن نطاق القطر، تاركة قوة سياسية واحدة من القوتين المسئولتين عن صياغة الدستور الإنتقالى، ليس فقط لتحكم بموجبه بل أيضا لتقوم بخرقه كما تشاء .


متطلبات التوصل لدستور جديد
لا يمكن أن يتم التوصل لدستور توافقى فى ظل حكم حزب واحد، كما ولا بد من تبنى دستوراً إنتقاليا يوفر حريات ديمقراطية واسعة تمكن من إجراء نقاش مفتوح وعميق حتى تتم صناعة دستور ديمقراطي. ما نقترحه فى هذا الصدد هو الإتفاق على إعلان دستوري يحكم فترة إنتقالية جديدة يتم فيه تبنى أحكام الدستور الإنتقالي الحالي، فيما يتعلق بوثيقة الحقوق والنظام الرئاسي، والفيدرالي، والأحكام الموجهة المتعلقة بالتعدد، وإستخدام اللغات المحلية، وأن يتم إصدار تلك الوسيلة عن طريق مفوضية دستورية، يتم تكوينها بموافقة الأحزاب التاريخية، على أن تقوم تلك المفوضية بقبول ومناقشة المسودات الدستورية التى تقدم لها من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، ومن عموم الشعب لمناقشتها فى جلسات مفتوحة، وعرضها على الشعب فى إجتماعات على كافة المستويات. عقب ذلك تقوم المفوضية بإقتراح مسودة موحدة تتم إجازتها بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة، ومن ثم عرضها على الشعب لإجازتها بإستفتاء ولكن هذه المسودة يجب أن تحتوى على المبادئ فوق الدستورية التى تمت الأشارة لها والتى لا تستطيع أى أغلبية أن تستبعدها، وهى خضوع الحكومة للمحاسبة الشعبية، والتبادل السلمى للسلطة وإستقلال الاجهزة الدائمة للدولة، عن كل التكوينات الحزبية والسياسية، والفصل بين السلطات فى حدود التوازن، والمراقبة المتبادلة، وإستقلال السلطة القضائية حقيقةً وفعلاً عن السلطة التنفيذية، والتكوينات السياسية، وقبول ضرورة أن يتضمن الدستور وثيقة الحقوق على نسق الوثائق الدولية المقبولة .

ويبدو لنا هنا أن مجرد إضافة المبادئ الدستورية بشكل عام قد لا تعني شيئا فكم دستور تم تبنيه فى هذا البلد تضمن مبادئ عامة عن الخضوع للمحاسبة والخضوع للقانون، دون أن ينتج شيئاً من ذلك فى الواقع السياسي ؟ لابد أن تكون المبادئ فوق الدستورية التى يتم تبنيها قبل صياغة الدستور من جهة مفصلة لأحكام تضمن تطبيقها، ومن جهة أخرى تضع آلية تضمن تبنيها فى الدستور، وتحويلها بعد ذلك من نصوص فى القانون، إلى واقع لا يمكن للسلطة تجاوزه.
لابد لنا هنا من الإشارة إلى أن هذه المبادئ تصادم فى بعض الأحيان أراء الأغلبية، وهذا بالطبع بالضبط هو السبب فى تبنيها، ورغم أن التأسيس النظري لذلك مقبول ومنطقي، إلا أن ذلك لا يمنع الواقع الذى يخلقه عدم قبول أغلبية مؤقتة، لمبادئ تضعها الصدفة التاريخية فى موقع يلزمها بإقرارها. وضع آلية لضمان إقرار تلك المبادئ فى الدستور، هو إنعكاس لعدم وجود ضمان أن تلك المبادئ نابعة من الإرادة الشعبية وقت صدور الدستور، وهذا فى حد ذاته مشكلة، لذلك فإن القبول الطوعي للقيادات الرئيسية لتلك المبادئ، ضرورى حتى تساهم فى إقناع التكوينات التابعة لها بها، ورغم أن ذلك يجعل من الدستور صناعة نخبة وليس إرادة شعبية، فإنه يظل البديل الوحيد للخروج من نفق النزاعات المسلحة، وعدم الإستقرار الذى يورثه طغيان الأغلبية. كذلك فإنه لابد من القول بأن عملية نقاش متطاول مع القواعد، تقوده المفوضية الدستورية، كفيلة بإيجاد أغلبية قابلة للمبادئ الدستورية التى بدونها يستحيل صناعة دستور ديمقراطي .
الخطورة الرئيسية تأتي من المجموعات السياسية المستنده على نظريات دينية، أو علمانية تقوم على فلسفات توحى لمن يتبنوها بأنهم يحتكرون الحقيقة، وانهم بهذا لهم حق الوصاية على الشعب الذى يمنعه الجهل من ان يرى ما يرون. فهؤلاء لديهم مبادئ فوق دستورية مختلفة تماماً عن تلك التى نقول بها يرفضون أن يخرج الدستور عنها، والفرق بين تلك المبادئ، والمبادئ التى ندعو لها، هو أن المبادئ التى نقول بها، هي مبادئ تهدف لمنع الطغيان، بينما تؤدي المبادئ التى يدعون لها إلى تكريس الطغيان، والذى غالباً ما يبدأ بطغيان الأغلبية عند تبنيه، وينتهى بطغيان أقلية مكونة من حلقة صغيرة تمارس حقا فى الحكم، عن طريق إمتلاكها لما تتصور أنه الحقيقة، التى تمنحها تفويض غير محدود، بحكم البلاد كممثل وحيد للحقيقة الدينية، أو للأغلبية التى تحتكر هى دون تفويض تمثيلها .

المبادئ الفوق الدستورية التى نطالب بها لا تستند على فكرة، أو تكوين، او طبقة، وهى تتمتع بعمى تام تجاه كل تلك التكوينات، وإنما هى من شأنها فقط أن تعطى أغلبية الشعب الحق فى أن يعطى تفويضاً محدداً لمن تختاره، للقيام نيابة عنها بما تملك هى القيام به، فى خلال فترة زمنية محدودة. وما تملك هى القيام به، هو تصريف شئون الحكم فى فترة زمنية محدودة، حتى لا تُحرم من حقها فى تغيير رأيها، وذلك فى إطار عدم المساس بحقوق الأقلية فى الأحتفاظ بذاتيتهم، وحقوق الأفراد فى أن يتركوا وشأنهم طالما أنهم لم يلمسوا أنف جارهم .


التعديلات الغير دستورية للدستور
الدستور كوثيقة متأثرة بظروف الزمن الذى تم تبنيها فيه، لابد أن يُظهر التطبيق أنها تفتقد أحكاما معينة، أو أن بعض الأحكام التى تبنتها لم تكن صائبة إما لأن التجارب اللاحقة أثبتت ذلك، أو لأن الظروف قد تغيرت بشكل لم تعد معه تلك الأحكام ملائمة، مما يستلزم تعديل الدستور، إما لإدراج أحكام جديدة، أو لتعديل أحكام قائمة، وهذا يتطلب التوصل لأحكام تحدد سبل تعديل الدستور. لإكساب الدستور نوعاً من الثبات، وضماناً أيضاً لحقوق الأقلية، فإن الأحكام الدساتورية عادة يُسبغ بعض الثبات علبها أو على بعضها بتبنى حماية إجرائية تتمثل فى تتطلب أغلبيات معينة لتعديل الدستور، ولكن ما يهمنا هنا هو إسباغ الحماية الموضوعية على بعض الأحكام الدستورية الموضوعية، فى مواجهة التعديلات الدستورية. ففى حين تعنى المسألة الإجرائية بشكل التعديل، فإن الحماية الموضوعية لبعض الأحكام الدستورية تُعنى بموضوع التعديل، بحيث تمنع المساس بمبادئ معينة فى الدستور، تجعل من تعديل أحكامها تعديلات غير دستورية، حتى ولو تمت إجازتها بشكل صحيح من الناحية الشكلية. وهذه الحماية لا تهدف لأن تمنع التعديلات الدستورية بشكل مطلق، ولكنها فقط تمنع تعديل الأسس التى يقوم عليها الدستور بشكل يغير تماما من طبيعة الدستور، وهذا فى العادة يستلزم أن يتضمن الدستور نفسه أحكاماً، تشير بشكل مباشر إلى بعض المواد، وتمنع تعديلها، أو تشير إلى مفاهيم يتبناها الدستور وتمنع تعديلها. ولكن هذا المبدأ قد لاينبع من نص الدستور، بل من روحه، وهى فى هذه الحالة تكون نظرية قضائية، حين يقوم القضاء بإستخدام سلطته فى المراجعة القضائية، ليعلن أن تعديلاً بعينه، لا يتفق مع النظرية العامة التى قام عليها الدستور، رغم إشباعه للمتطلبات الدستورية .

هذه النظرية قد تبدو غير متلائمة مع الديمقراطية الليبرالية، التى تقوم على أن السيادة للشعب، إذ أنه يبدو أن القول بأن مجموع الشعب لا يستطيع أن يعدل جزءً من الدستور، ينزع السيادة عن الشعب ويضعها فى يد السلطة القضائية، وهى سلطة لا تخضع لمحاسبة الشعب. صحيح أن السلطة القضائية هى سلطة خارج الخصومات السياسية، ويقتصر واجبها على تطبيق القانون، ولكن البعض يرون ذلك مجرد خيال لا يعكس الواقع، فالقضاء كسائر أفراد المجتمع يتأثرون بالإعتبارات السياسية، كما أن سلطة إعلان تعديل للدستور، كتعديل غير دستوري يجعلها السلطة السياسية الأعلى، إذ انه يجعلها فوق الدستور نفسه، إن المسألة فى تقديري نظرياً تقوم على الخلط بين شيئين: الاول هو أن النظرية تضع القضاة فوق الدستور وهذا غير صحيح، فإن تفسير الدستور لا يعني تفسير المواد الدستورية بشكل منفرد، بل يعنى بالضرورة النظر لمجموع الدستور . و رغم أن القضاة قد يتأثرون بإعتبارات سياسية، فإن الدستور فى الاصل هو وثيقة سياسية فى المقام الأول، ولكن يبدو أن المسألة كلها تعود للقضاة أنفسهم الذين يتوجب عليهم أن ينأوا بأنفسهم قدر الإمكان عن الإعتبارات السياسية، لصالح التفسير السليم للدستور كوثيقة مكاملة . فى خطابه لماديسون تأييداً لإقتراح الأخير بتعديل الدستور، ليتضمن وثيقة حقوق، ذكر توماس جيفرسون " فى حججك التى قدمتها من أجل الدعوة لإصدار وثيقة الحقوق أغفلت حجة هامة، وهى حجة تكتسب لدىّ وزناً كبيراً، وأعنى بها أن وجود وثيقة الحقوق يتيح للقضاء سلطة لمراجعة السلطات الأخرى صيانةً لتلك الحقوق. إن القضاء المستقل، والذى يقتصر إهتمامه على أداء عمله، هو موضع ثقة كبيرة لما يتمتع به من علم وتماسك أخلاقي ".

لا بد لنا فى النهاية من أن نقول أن هذا هو أحسن الحلول المتاحة لمنع طغيان الأغلبية ولعل التجربة الألمانية و التجربة الهندية تعين على فهم ذلك
بالنسبة لألمانيا فإن المادة 79 من الدستور قررت أن أحكاما بعينها لا يجوز تعديلها ومنها الشكل الإتحادي للدولة والمبادئ المتعلقة بحقوق الإنسان فى الهند فرغم أن الدستور أجاز تعديل اى جزء منه إلا أنه لا يجوز للبرلمان أن يغير من الهيكل الرئيسي للدستور أو الإطار العام للدستور . ولعلنا بالإستشهاد لتاريخنا الدستوري نجد أن هذا لم يكن غريباً علينا .

أنا أدعو هنا للنظر في سابقة جوزيف قرنق وآخرين ضد حكومة السودان
جوزيف قرنق وآخرون ضد حكومة السودان
فى عام 1965 وعقب إنتهاء الفترة الإنتقالية التى أعقبت ثورة اكتوبر، تم إجراء إنتخابات عامة لجمعية تأسيسية لوضع دستور دائم، وقد تم إجراء الإنتخابات جزئيا لأن الوضع الأمنى فى جنوب البلاد لم يكن يسمح بإجراء إنتخابات فيه. فى صيف ذلك العام وأثناء ندوة عامة بمعهد المعلمين العالي تحدث أحد الطلاب زاعما أنه عضو بالحزب الشيوعي، وكرر حديث الإفك، وأنتهت الندوة دون أحداث شغب، رغم الإستياء العام الذى سببه حديثه. عقب ذلك بعدة أيام وفى محاولة لإستغلال الحدث لأغراض حزبية ضيقة، سيرت بعض الأحزاب مظاهرات تطالب بحل الحزب الشيوعي، أعقبتها بتقديم إقتراح بذلك للجمعية التأسيسية التى كانت تحت سيطرتها العددية. لما كانت المادة الخامسة من دستور عام 1956 المعدل فى 65 وهو الدستور السارى آنذاك تكفل حريتى التعبير والتنظيم، فقد رأى مقدمو الإقتراح ضرورة تعديل الدستور حتى لا يُطعّن فى دستورية القانون، فقُدِم إقتراح بتعديل لتلك المادة إستثنى الشيوعية من حريتى التعبير والتنظيم. أجازت الجمعية التأسيسة الإقتراح بإغلبية 143 صوتا مقابل 17 صوت، وكانت عضوية الجمعية تتكون من 192 عضواً فقط، لأن الإنتخابات لم تجرى فى الدوائر المخصصة للجنوب والبالغة 43 دائرة. قررت الجمعية التأسيسية طرد النواب الشيوعيين من عضويتها. ثار جدل حول ما إذا كان تعديل الدستور يتطلب أغلبية معينة، وما إذا كانت تالك الأغلبية قد تحققت أم لا . واقع الأمر هو أن دستور 1956 المعدل فى 1965 والذى اجريت إنتخابات الجمعية التأسيسية فى ظله، لم يكن ينص أصلاً على طريقة لتعديله، حيث أن تعديل 65 للدستور ألغى المادة التى كانت موجودة فى دستور 1956، والتى كانت تنص على أن يتم التعديل بأغلبية ثلاثة أرباع أصوات المجلسين. رغم أن الدستور المعدل، أسقط تلك المادة، إلا أنه تطلب أغلبية الثلثين بالنسبة لإجازة الدستور الدائم. لذلك فقد رؤى أن الأغلبية المتطلبة لتعديل الدستور يجب أن تكون هى نفس الأغلبية المتطلبة لإجازة الدستور. ولم تكن تلك الأغلبية متوفرة فى قرار التعديل اذا أُخِذ فى الإعتبار العدد الكلي للجمعية التأسيسية، وهو 233 وأغلبية الثلثين بالنسبة له 156 صوتا، ولكن بالنسبة للعدد الكلي الذى تم إنتخابه بالفعل من الأعضاء كانت أغلبية الثلثين تتحقق بعدد 128 صوتا.

وعليه فقد تم الطعن فى تعديل الدستور بواسطة أعضاء الجمعية التأسيسية الشيوعيين الذين تم إسقاط عضويتهم، وقد مثلهم أمام المحكمة العليا High Court الأساتذة عابدين إسماعيل، وعبد الوهاب بوب، وأحمد سليمان. مثل النائب العام عثمان خالد، ويوسف ميخائيل، وحسين احمد حسين. قرر القاضى صلاح حسن فى حكم شهير أدى لأزمة دستورية كبرى، بطلان ذلك التعديل، مستنداً على أن الدساتير المكتوبة هى دائماً دساتير جامدة لا يتم تعديلها بنفس الوسيلة التى تُعدّل بها القوانين العادية، وأن إسقاط طريقة تعديل الدستور من دستور 56 ، لا يمكن تفسيره بالرغبة فى أن يكون الدستور مرناً مرونة مطلقة تجيز تعديله بالأغلبية العادية، ورأى أن إلغاء حكم التعديل الوارد فى دستور 56 لابد أن يكون قد قصد منه أن يكون الدستور جامداً جموداً مطلقاً، فى الفترة التى تقوم فيها الجمعية التأسيسية بإصدار دستور دائم على الاخص فيما يتعلق بفصل الحريات العامة، وذلك حتى يتم نقاش حر يوفر فيه للجميع فرصة إبداء الرأى فى الدستور الذى يفترض أن يحكم ليس فقط من يشاركون فى النقاش بل يضا أبناءهم وإبناء أبنائهم، لذلك فإنه من المعقول أن يكون الدستور جامداً جموداً مطلقاً فى فترة إعداد الدستور الدائم فيما يتعلق بفصل الحريات العامة، وهى فترة لا تتجاوز عامين . كما وذكر مولانا صلاح حسن على سبيل النقاش العرضى أنه لو لم يرى أن الدستور فى باب الحريات لا يقبل التعديل، فإنه كان سينتصر للرأى القائل بضرورة الحصول على نسبة الثلثين من مجموع عضوية الجمعية التأسيسية لتعديل الدستور، آخذاً فى الاعتبار حكم الدساتير الأخرى وحكم الدستور الحالى فيما يتعلق بإجازة الدستور الدائم، وعليه فقد أعلن مولانا صلاح حسن التعديل الذى أجرى على الدستور تعديل باطل .
قدمت الحكومة إستئنافاً ضد القرار ولكنها رفضت تنفيذه فى بيان يكشف عن إستهانة بالسلطة القضائية، وإشترطت محكمة الإستئناف أن تسحب الحكومة ما أعلنته حول حكم المحكم العليا حتى تنظر فى إستئنافها، وبقى كل على موقفه مما أدى لأزمة دستورية بدأت بإستقالة رئيس القضاء بابكر عوض الله وإنتهت بإنقلاب عسكرى فى 25 مايو قضى على الديمقراطية

نبيل أديب عبدالله
المحامى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.