لم يفقد السيد ترمب أبدا قدرته على إثارة الدهشة، حتى ولو كانت دهشة محاطة بالسخط. ها هو يفاجيء العالم بطريقة إعفاء وزير الخارجية الأمريكي ريكس تليرسون من منصبه، كما كان قد فاجأه اول الأمر بتعيينه. كان تعيين تليرسون مفاجئاً لأنه لم يشغل أي منصب رسمي من قبل، حيث أن خبرته في التعامل مع الدول الأجنبية من موقعه في القطاع الخاص، بحكم منصبه على رأس شركة إكسكون موبيل إحدى أكبر شركات البترول، كانت في نظر الكثيرين مختلفة عن إدارة العلاقات الدولية لدولة. كذلك فقد ثار تساؤل يتصل بعلاقته ببوتين، بالنسبة للإتهامات التي كانت تحيط بعلاقة حملة ترمب الإنتخابية بروسيا.

القرار نفسه كان متوقعا لأن علاقته بتيلرسون حسب وصف ترمب كانت علاقة مضطربة، ولكن طريقة عزل تليرسون والتي تمت بتغريدة على تويتر كانت مثيرة للدهشة. قرر ترمب عزل تليرسون وتعيين مدير وكالة المخابرات المركزية مايك بومبيو بديلاً ولكن ما سيضيف السخط للدهشة، هو تعيين هاسبيل كمديرة لوكالة المخابرات المركزية. إذا تم التصديق على تعيين هاسبيل بواسطة مجلس الشيوخ الأمريكي كما يتطلب الدستور فستكون أول إمرأة تشغل هذا المنصب. ولكن المشكلة لا تكمن في ذلك بل تكمن في تاريخها السابق كضابط مخابرات، حيث تولت رئاسة الموقع الأسود أو الخفي في تايلاند في عام 2002. وهو موقع إستضاف أبوزبيدة والمناشيري، وهما من ضحايا التعذيب، في نفس العام.
مماجعل النيويورك تايمز تصفها بأنها معذِبة ومجرمة حرب. وذكرت عنها اللوس انجيليس تايمز إن مشاركة هاسبل في التدمير المتعمد لأدلة التعذيب، هي بمثابة اعتداء على القانون، بنفس القدر الذي كان به التعذيب إعتداء على ضحاياه.
ذكرت النيويورك تايمز أن "أحد أكثر معتقدات الرئيس ترامب إثارة للقلق هو قبوله لقيمة التعذيب. فقد صرح لـ "شون هانيتي" من "فوكس نيوز" مطلع العام الماضي، معلقا على التعذيب "في رأيي، إنه يأتي بنتائج". في السابق، كان أي شخص يزعجه حماس السيد ترامب للوحشية المجازة من الحكومة، يطمئنه تعهده بقبول نصيحة وزير دفاعه، جيم ماتيس، الذي يعارض التعذيب. ولكن الآن لدينا سبب للقلق مرة أخرى. فعندما يتعلق الأمر بالتعذيب ، لم يمارس أي من المسؤولين الأمريكيين أي من تلك التقنيات المظلمة الشنيعة مثل ضباط وموظفي وكالة الاستخبارات المركزية، الذين استخدموها مع المشتبهين بالإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر. إن عدد قليل من المسؤولين الأميركيين تورط بشكل مباشر، في هذه الممارسة السيئة مثلما تورطت جينا هاسبل" ولنبدأ القصة من أولها
التسليم بدون إتباع للنظم العادية
Extraordinary or Irregular Rendition
جعل قانون الأمن الدبلوماسي مناهضة الإرهاب لعام 1986 محاكمة المتورطين في أعمال الإرهاب ضد مواطنين أمريكيين، او مصالح أمريكية في الخارج، من إختصاص محاكم الولايات المتحدة برضا الدولة المضيفة التي وقع فيها الفعل. وقد منح القانون سلطة لمكتب التحقيقات الفيدرالية في أن يجري تحقيقات في تلك الدول لتمكين الولايات المتحدة من محاكمة تلك الجرائم.

التسليم فوق العادي، أو بشكل لا يتفق مع القواعد العادية، هو إصطلاح يعني تسليم شخص بعد نقله من إختصاص لآخر، أي باللغة العادية نقل شخص من أراضي دولة إلى دولة أخرى، وتسليمه دون إتباع القواعد المرعية. وقد كانت الولايات المتحدة برضا الدول الأخرى التي لها صلة بالعملية، ضالعة فيه بدعوى محاربة الإرهاب. وقد كانت اول عملية نفذتها الولايات المتحدة في هذا الشأن هي عملية إختطاف فواز يونس في يوليو 1987. ويونس هذا كان قد قاد مجموعة إختطفت طائرة تابعة للخطوط الملكية الأردنية، بها أربعة ركاب أمريكيين أثناء وقوفها في المدرج، في مطار بيروت الدولي.

وقد تم إختطاف فواز بتصديق من الرئيس ريجان، من يخت في المياه الدولية خارج قبرص، بعد أن تم إستدراجه لموقع الإختطاف، بصفقة مخدرات وهمية. تم نقل فواز بعد إختطافه إلى قاعدة جوية أمريكية وقد حوكم بموجب القانون الجديد بالسجن لمدة 30 عاماً.

وقد تم التصديق علي عدد من العمليات المشابهة بواسطة الرؤساء الأمريكيين التاليين.


المواقع السوداء ومخالفة القانون
عقب 11 سبتمبر 2001 أصدر الرئيس بوش قرار رئاسي سري منح بموجبه وكالة المخابرات الأمريكية سلطة إعتقال المشتبه في كونهم إرهابيين في سجون خارج إقليم الولايات المتحدة، بالتعاون مع الدول الأجنبية المعنية. وقد أدى ذلك لإنشاء سجون سرية أطلق عليها إسم المواقع السوداء في الدول الأجنبية، تحت إدارة وكالة المخابرات الأمريكية. وهو الأمر الذي وسع من عمليات النقل الجوي للمعتقلين من مكان لآخر عبر الحدود الدولية. كان الدافع لإنشاء تلك السجون ونقل المعتقلين لها مخالفة القانون الأمريكي، وخرق الإلتزامات الدولية.
أشارت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في دعوى أبو زبيدة ضد بولندا إلى تقرير كتبه مفتش عام المخابرات المركزية، يذكر فيه أن القبض على أبو زبيدة تم في مارس 2002 في وقت كانت الوكالة في أشد الحاجة للقيام بأي إجراء يمنع مزيد من الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة. وقد إعتقد بعض المسؤولين الكبار في الوكالة، أن أبي زبيدة يملك معلومات مهمة لم يكن على إستعداد للبوح بها، وأنه لم يكن لوسائل التحقيق العادية أن تنجح في الحصول عليها منه، لذلك فإن الحاجة تدعو لإستخدام وسائل قوية للحصول على تلك المعلومات منه. وأشارت بعد ذلك المحكمة لتقرير آخر في عام 2014 يدعي أن العهد الدولي لمناهضة التعذيب يجيز المعاملة القاسية أو غير الإنسانية أو المحطة بالكرامة في حالات إستثنائية، مثل حالة الطوارئ أو الحرب، وأن إستخدام تلك المعاملة مع قيادات القاعدة لا ينتهك التعديل الخامس أو التعديل الرابع عشر، لان أحكام تلك التعديلات لا تسري خارج حدود الولايات المتحدة، ولا ينتهك التعديل الثامن الذي لا ينطبق إلا على الأشخاص الخاضعين لعقوبات جنائية. ومن هذا يتضح أن السبب في إقامة تلك السجون هو إستخدام وسائل تحقيق بواسطة المحققين في الوكالة لم يكن القانون الأمريكي يصرح بها، وعلى الأخص التعذيب عن طريق الإغراق بالماء، حيث كان يتم صب المياه على قطعة قماش تغطي وجه الخاضع للتعذيب، وتقفل ممرات النفس إلى الأسير المقيد بشكل يجعله غير قادر على الحركة، ويتم صب الماء بشكل متقطع حتى يمنع من الغرق الفعلي، ولكنه يجعل الضحية يعاني من الإحساس بالغرق.

وقد أشارت المذكرة لعدد من الإجراءات المراد إستخدامها، والتي يتم فيها إستخدام نوع من الإتصال الجسدي بين المحقق والشخص الذي يتم التحقيق معه، وتعريض الشخص الخاضع للتحقيق لبعض المشقات الجسدية، والإخلال بالترتيب الطبيعي الجسدي للشخص الخاضع للتحقيق بغرض رفع شعوره بالضعف للدرجة القصوى، وتخفيض او إنهاء تصميمه على المقاومة. وعدد آخر من الأفعال التي تنطوي على معاملة قاسية أو مهينة كتعريض الشخص لضوء باهر، أو صوت عال لمدة طويلة، أو وضعه في درجة حرارة منخفضة بشكل يضايقه، وحبسه إنفراديا. ويزعم التقرير أن هذه الأساليب هي أساليب فنية محسنة للتحقيق مع المشتبه في كونهم إرهابيين. واقع الأمر هي أنها كلها تدخل في التعريف الدولي للتعذيب المشكل لجريمة دولية.


مخالفة حجج وكالة المخابرات المركزية للمستوى الدولي
أعادت الولايات المتحدة هذه الحجج مرة أخرى في تقريرها المقدم للجنة مناهضة التعذيب في 2014 تطبيقاً للبند الإختياري في الإتفاقية، بتقديم التقارير الدورية. إلا أن لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب رفضت تلك الحجج، في ردها على تقرير الولايات المتحدة. وقد رأت اللجنة الدولية أن هنالك قصوراً في القانون الأمريكي، يتمثل في عدم تبني جريمة التعذيب في القانون الجنائي الفيدرالي، رغم وجود تلك الجريمة في عدد من القوانين الجنائية الخاصة بالولايات. وقد أوصت اللجنة بأنه على الولايات المتحدة أن تتبنى جريمة التعذيب في قانونها الفيدرالي، وأن تعاقب عليها بالعقوبة التي تتناسب مع خطورة الجريمة.

كما ورفضت تفسير الولايات المتحدة لمبدأ عدم إنطباق قانونها خارج حدودها الإقليمية، حيث رأت اللجنة أنه على الولايات المتحدة أن تتبنى في قانونها إلتزاماً بمنع التعذيب ليس فقط داخل حدودها الإقليمية، بل أيضاً في أي منطقة تقع تحت سيطرتها.

كما وأبدت اللجنة عدم مشروعية التسليم على غير القواعد العادية المنظمة له، وبرنامج الإعتقال والتحقيق السري، التي تبنته الولايات من 2001 وحتى 2008.
كما وأبدت اللجنة قلقها من تفسير الولايات المتحدة للظروف الطارئة، والتي قد تمنح أي صورة من صور التعذيب شرعية. وذكرت بأن المادة 2 من الإتفاقية تمنع التعذيب بصورة مطلقة، ولا تجيز اللجوء له تحت أي ظرف سواء أكان ذلك حالة طوارئ عامة، أو حرب، أو غير ذلك من الظروف.

كما وأبدت اللجنة قلقها حول فشل الولايات المتحدة في إجراء تحقيق شامل في الإدعاءات بوجود تعذيب، أو سوء معاملة للمعتقلين للإشتباه في إرتكابهم أفعال إرهابية ، بواسطة الولايات المتحدة خارج أراضيها.


الأشباح الطائرة
كان الرئيس بوش الإبن هو أول من صرح بوجود برنامج لتأمين المشبوه في إرتكابهم جرائم إرهابية في سجون مقامة على أرض أجنبية. وقد كان تورط المحققين في التعذيب مزعجا للدول المضيفة لتلك السجون، خاصة الدول الأوروبية، لأنه يخل بقانونها وبإلتزاماتها الدولية. لذلك فقد ضُرِب حول هذه السجون ستاراً من السرية جعلها تُعرف بالمواقع السوداء. وكذلك تم ضرب ستارا من السرية على عمليات التسليم الغير عادي، والذي كان يستخدم لنقل المشتبه فيهم لها ومنها، مما أدى لظهور الأشباح الطائرة. وقد نشر Stephen Grey في كتابه المعنون Ghost Plane (الطائرة الشبح) الكثير من المعلومات حول هذا البرنامج الذي أسماه برنامج التعذيب الخاص بال CIA وقد إعتمد في ذلك الكتاب على لقاءات متعددة مع مسؤولين في الوكالة، وضحايا، وبعض سائقي الطائرات التي نقلتهم إلى مكان إعتقالهم. وقد كشف لورد جورج روبرتسون وزير الدفاع البريطاني السابق و السكرتير العام لحلف الناتو، عن موافقة أعضاء الحلف على توفير أذونات مفتوحة بالعبور في أجواء الدول الأعضاء، للولايات المتحدة، والطائرات الحليفة، بالنسبة للسفريات الجوية المتصلة بالعمليات ضد الإرهاب، ومعلوم أن شركة Jeppsen التابعة لشركة بوينق، قد تمت مقاضاتها لضلوعها في وضع الخطط اللوجستية الخاصة بسفريات الطائرات الأشباح، بواسطة عدد من الضحايا، إلا أن الدعوى تم شطبها بواسطة محكمة الإستئناف الفيدرالية، بدعوى أن السير في الدعوى من شأنه إفشاء أسرار خاصة بالدولة.


ظهور الحقائق في الإعلام
لما كان إخفاء الحقائق ليس بالأمر الساهل في المجتمعات الديمقراطية، حيث تسود حرية الصحافة، ووسائل الإعلام الأخرى، فقد نشرت الواشنطن بوست تقريراً عن المواقع السوداء وإن كانت قد أحجمت عن كشف مواقع تلك السجون، حتى لا تضع الحكومة الأمريكية أمام تحديات قانونية، خاصة أمام المحاكم الأجنبية. وقد تعرضت البوست نتيجة لذلك الحجب لنقد عنيف من منظمة FAIR التي تعمل في مجال اﻟرﻗﺎﺑﺔ اﻹﻋﻼﻣﯾﺔ لأن " تعطيل الإجراءات الحكومية غير الشرعية، والتي لا تحظى بشعبية، لا يجب أن تكون نتيجة يُخشى منها، لأنه هو الغرض الرئيسي من التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة (المتعلق بحرية التعبير) إذ بدون كشف مكان تلك السجون، من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تؤدي"التحديات القانونية" لإجبار الحكومة على إغلاقهم". ورأت FAIR ـ بحق ــ أن الضرر الذي يلحق بسمعة الولايات المتحدة في العالم من جراء استمرار وجود المواقع السوداء، هو أكثر خطورة من أي تهديد يتسبب فيه كشف مواقعها.
في يونيو / حزيران 2013 نشرت منظمة العفو الدولية تقريرها بعنوان "فتح الأقفال عن الحقيقة: تورط بولندا في الاعتقال السري للسي آي إيه" ، والذي ينص ، في نتائجه على ما يلي: "كانت بولندا في بؤرة الضوء منذ عام 2005 ، فلقد طالما اتُهمت باستضافة مركز احتجاز سري تديره وكالة المخابرات المركزية، حيث تم احتجاز المشتبه فيهم، وتعذيبهم، بين عامي 2002 و 2005. ضم هذا التقرير، مجموعة من التقارير تتمتع بمصداقية بواسطة وسائل الإعلام، والمنظمات الحكومية وغير الحكومية - إلى جانب البيانات الرسمية من الوكالات الحكومية البولندية، مما لا يترك مجالا للشك في تورط بولندا. ويؤكد محامو عبد الرحيم النشيري وأبو زبيدة ، أن المعلومات المتاحة كافية لتوجبه الإتهامات، لكن التحقيق الجنائي البولندي الجاري ، الذي يتدثر بالسرية، ما زال متعثراً. وقد ظل منذ بدايته في عام 2008 ، يعانى من تغييرات مفاجئة في الموظفين ، وتحول غير مفسر من وارسو إلى كراكوف، وقد شكى محامو النشيري وأبو زبيدة، بأن المدعين العامين يحولوا بينهم وبين المشاركة الكاملة في الإجراءات البولندية. ما زال ضحايا آخرون محتملون ، مثل وليد بن عطاش ، ينتظرون دورهم في البحث عن العدالة في بولندا. تكثر الاتهامات بتأخر التحقيق كتدبير متعمد نتيجة للتأثير السياسي على العملية.


التحقيق الدولي
ونتيجة لذلك أقام البرلمانيون في مجلس أوروبا، في عام 2005، تحقيقا برئاسة ديك مارتي، عضو مجلس الشيوخ السويسري، وقد كشفت اللجنة عن أكثر من 20 دولة أوروبية تعاونت مع برنامج ال CIA للرحلات الجوية السرية لنقل المشتبه بهم من وإلى ما يسمى "المواقع السوداء "، و أن بولندا قد استضافت سجون سرية لوكالة المخابرات المركزية من 2003 إلى 2005.

يذكر مارتي في تقريره، أن بولندا قد أخفقت في أن تقدم للجنة التحقيق أي بيانات من سجلاتها الخاصة حول رحلات الطيران المرتبطة بـ CIA في مجالها الجوي أو مطاراتها، مستندة لأعذار تفتقد المصداقية.

يذكر تقرير لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة عن الدول الأوروبية في الجزء المعنون "برنامج الترحيل والاعتقال السري": أن اللجنة تشعر بالقلق إزاء التأخير الشديد في عملية التحقيق بشأن التواطؤ المدعى به في حق دول أطراف في عمليات التسليم، والاعتقال السري، لصالح وكالة المخابرات المركزية بين عامي 2001 و 2008، وهي عمليات يُزعم أنها تنطوي على تعذيب وسوء معاملة الأشخاص المشتبه في تورطهم في أعمال إرهابية ذات صلة. كما تشعر اللجنة بالقلق إزاء السرية المحيطة بالتحقيق، والفشل في ضمان المساءلة في تلك الحالات وفق (المواد 2 و 3 و 12 و 13) و تحث اللجنة الدول الاطراف على استكمال التحقيق في ادعاءات تورطها في برامج التسليم، والاحتجاز السري، لصالح وكالة المخابرات المركزية في الفترة ما بين 2001 و 2008 في غضون فترة زمنية معقولة، وضمان مساءلة الأشخاص المتورطين في جرائم التعذيب، والمعاملة السيئة المزعومة. كما توصي الدولة الطرف بإبلاغ الجمهور وضمان الشفافية في سير عملية التحقيق، وكذلك التعاون الكامل مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن التسليم غير العادي لوكالة الاستخبارات المركزية، وقضايا الاحتجاز السرية ضد بولندا.


الناشيري وأبو زبيدة ضد بولندا
رفع الناشيري وأبو زبيدة دعوى ضد بولندا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بسبب ما أصابهما من أذى نتيجة لسماحها لضباط المخابرات الأمريكية، بتعذيبهما وإساءة معاملتهما.

وقد قررت المحكمة بالنسبة لمسألة إستنفاذ طرق الإنتصاف الداخلية أن رفض بولندا تقديم البينات التي طلبتها المحكمة، بدعوى أنها في حوزة النائب العام في بولندا، وأنه يتوجب على المحكمة أن تطلب بنفسها البينة من النائب العام البولندي، أن موقف الحكومة البولندية في هذه المسألة مخالف لإجراءات المحكمة التي تلزم الحكومة بتقديم تلك البينات، وأن المحكمة تخضع لقانونها هي، وليس لقانون الدولة العضو.

بالنسبة للدفع بالأمن الوطني كسبب لعدم تقديم البينة، قررت المحكمة أن عليها أن تقنع نفسها اولاً بوجود سبب لإعتبار البينة المطلوبة متصلة بالأمن الوطني، وأنها إذا إقتنعت بذلك، فإنه يمكنها أن تأذن للحكومة بأن تبعد الجزء الحساس من المستندات، أوأن تقدم ملخصاً للوقائع، وكذلك يمكن للمحكمة بالإعتماد على إجراءاتها الحفاظ على سرية المستند، بما في ذلك عدم إتاحته للجمهور، وعقد جلسات سماع مغلقة، وكل هذه المسائل تقررها المحكمة، ولكن لا يجوز للحكومة المعنية أن تمتنع من مد المحكمة بالمستندات المطلوبة إعتمادا على قانونها الداخلي.

وقد أكدت المحكمة أن قواعد إجراءاتها مؤهلة تماماً لحماية الأمن الوطني للدول الأعضاء، ولكن لا يجوز للدولة المعنية أن تقرر لنفسها ما تتبعه من إجراءات عندما ترى أن أمنها الوطني قد يتأثر عند تقديم بينة معينة.

وعليه ترى المحكمة أن الحكومة البولندية قد فشلت في القيام بواجبها تحت المادة 38 من العهد الأوروبي.

وقررت المحكمة انها تبنت مستوى إثبات لا يدع مجالاً لشك معقول، لتقرر في مدى وفاء الحكومة البولندية بإلتزامها وفقاً للعهد الأوروبي لحقوق الإنسان، بتوفير الحقوق المعترف بها في ذلك العهد. في حين أن على مقدم الشكوى أن يقدم بينة مبدئية على ما يدعي، إلا أنه إذا فشل الطرف في تقديم مستندات مهمة في حوزته لتمكين المحكمة من التوصل لحقيقة الوقائع التي وقعت، فإنه يمكن التوصل لإستنتاج قوي في صالح مقدم الدعوى. وكذلك اوضحت المحكمة أنه وفقاً لسوابق المحكمة، فإنه في حالة أن تكون الأحداث المتعلقة بالشكوى تقع كلياً، أو بدرجة كبيرة في علم الحكومة، كحالة وقوع موت، أو أذى، لشخص رهن الإعتقال، فإن عبء الإثبات يكون على السلطات لتقديم مبرر واضح لما حدث.
وقد رأت المحكمة أنه من الثابت وفقاً لذلك، أنه أثناء فترة إعتقال مقدم الشكوى بواسطة المخابرات الأمريكية، تم نقله إلى موقع مظلم في بولندا، وأنه قد تم نقله بعد ذلك لموقع آخر. وقد ثبت للمحكمة أنه أثناء وجود الشاكي في ذلك الموقع الأسود في بولندا قد تم إخضاع الشاكي لمختلف أنواع إساءة المعاملة، وأنه مُنِع من أي إتصال بأسرته، وذلك حتى تم نقله عن طريق التسليم غير العادي إلى مكان آخر على متن طائرة بوينج. ولما كانت الحكومة لم تقدم للمحكمة أي بينة تثبت معاملة مختلفة للشاكي عن تلك الموصوفة في تقرير وكالة المخابرات الأمريكية، فإن المحكمة ترى أن إخضاعه لتلك المعاملة القاسية والمحطة بالكرامة البشرية، في فترة بقائه في الموقع الأسود في بولندا، قد ثبت بما لا يدع مجاالا لشك معقول.

وقد قررت المحكمة في ختام حكمها مسؤولية بولندا عن إنتهاك إلتزامها وفقاً للمواد 3,6,8,13 من العهد الأوروبي لحقوق الإنسان.


نبيل أديب عبدالله
المحامي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.