ناقشنا في الاسبوع الماضي الحق في تسيير المواكب السلمية بشكل عام، وننظر اليوم لأحكام القانون السوداني في هذا الصدد. لم يُشرِّع القانون السوداني قانوناً خاصاً بالمواكب السلمية، حتى بعد صدور دستور 2005 مع ما تضمنه ذلك الدستور نص على الحق في التجمع السلمي والحق في التنظيم في المادة 40 منه وعلى حرية التعبير في المادة 39 (1)منه، إضافة لتكريسه للحريات العامة في وثيقة الحقوق. رغم ذلك فقد ظل الحق في القانون تحكمه مادتان في قانون الإجراءات الجنائية، وهما مادتان يكتنفهما غموض شديد، ومادتان في القانون الجنائي أكثر غموضاً على النحو الذي سنتعرض له فيما بعد.
والحق في التجمع السلمي كما ذكرنا في الأسبوع الماضي يقتصر على تجمع قصير الأمد، بغرض إبداء رأي متفق عليه، أو نقاش مسألة بعينها. وإذا كان ذلك التجمع متحركاً أُطلِق عليه إسم مسيرة، أو موكب، أو مظاهرة، أما إذا كان إنعقد في مكان ثابت، أطلق عليه إسم إجتماع عام، وقد يقال له ندوة، أو ليلة سياسية، أو غير ذلك من التعبيرات. ولكن الفرق بينهما هو أن التجمع السلمي في كل الأحوال، هو تجمع قصير المدى ينتهي في ساعات قليلة، ولا يجمع المشاركين فيه عقب إنفضاضه وحدة نابعة منه، في حين أن التنظيم هو تجمع بين عدد من الناس، طويل المدى من حيث الزمان، لا يحدده تواجدهم في مكان معين، بل يرتكز على المصلحة التي تجمعهم بعضهم ببعض، وهو يهدف لحماية المصلحة التي تجمع أفراده أو تحقيق أهدافهم المشتركة. الحق في التنظيم يشمل النقابات والأحزاب والجمعيات وغيرها من التجمعات التي تشغل الفضاء بين الدولة والأسرة. ولقد حمى الدستور هذين النوعين من الروابط في المادة 40.
وثيقة الحقوق هي مجموع ما يخرج عن سلطة الدولة
" أساس وثيقة الحقوق هو أن تحد من سلطات الحكومة، وتؤطرها، بأن تُخرج من نطاق تلك السلطات تلك الحالات التى يمتنع فيها على الحكومة أن تفعل شيئاً، أو أن تفعل ذلك الشئ فقط بطريقة معينة. " ماديسون فى خطابه للمؤتمر الذى أقر التعديلات العشر الأوائل فى الدستور الأمريكى المعروفة بوثيقة الحقوق
بالنسبة لحق التجمع السلمي والذي يهمنا في هذا الصدد فلم يزد الدستور بشأنه عن تلك الجملة القصيرة والتي تقول " يكفل حق التجمع السلمي" في حين أنه تعرض لحق التنظيم بشكل أكثر توسعاً. ولكن ذلك لا يعني بأي شكل أن نقلل من أهمية الحق في تسيير المواكب لأنه يجمع حق التعبير مع حق التجمع السلمي. وكلاهما من الحقوق الأساسية التي لا غنى لمجتمع ديمقراطي عنها وقد وصفه Maina Kiai المقرر الخاص لحق التجمع السلمي للأمم المتحدة بقوله " حق التجمع السلمي هو قيمة عالمية. وهو حق يشبع رغبة الشعب الأساسية في أن يسيطر على مصيره، وحاجته لأن يقول ما يشعر به، وأن يعمل بشكل جماعي لخير المجموع، وأن يخضع قادته للمحاسبة، وأن يفعل كل ذلك كمجموعة مستقلة تجمعت وفق إرادتها الذاتية" إذا فهذا الحق بإعتباره قيمة عالية يلزم بشأنه العودة إلى القانون العالمي لحقوق الإنسان لمعرفة كنه هذا الحق، والحدود التي يُسمح فيها للقانون بتنظيمه. فالحق في التجمع السلمي والذي يشمل كما أسلفنا المواكب والإجتماعات العامة ليس حقاً مطلقاً بل هو يخضع في مبتدأ الأمر للتنظيم كما وأنه يخضع لبعض القيود وهذه القيود منبعها الدستور الذي يخضع له القانون بموجب المادة (3) ونصها "الدستور القومي الانتقالي هو القانون الأعلى للبلاد، ويتوافق معه دساتير الولايات وجميع القوانين".
والحريات العامة هي في جوهرها مجموع قيود على سلطة الدولة والتي كوّنها المجتمع للحفاظ على أمنه. فوفق نظرية العقد الإجتماعي فإن حاجة الإنسان للعيش في مجتمع، قد دفعته للخضوع لقوانين تنظيم الحياة المشتركة، مما إقتضى وجود الدولة بما تملكه من سلطة تنفيذ القانون. وقد إستلزم وجود الدولة والقوانين تنازل الأفراد عن الحريات التي تتعارض مع ما يتطلبه العيش في المجتمع. وثيقة الحقوق هي مجموع ما لم يتنازل عنه الناس من حقوق للدولة التي كونوها، وهي بذلك تشكل قيداً على الدولة لا تستطيع تجاوزه بما تشرعه من قوانين، ولا بما تتخذه من إجراءات. هذه القيود هي الحقوق تشملها وثيقة الحقوق المضمنة في الدستور، في الباب الثاني في المواد 27 وحتى 48 منه. وقد حددت الفقرة الرابعة من المادة 27 من ذلك الدستور المجال المسموح فيه للقانون بالتدخل في تلك الحريات.
سلطة التعامل مع الموكب
لم يصدر المشرع قانوناً ينظم مسألة المواكب والإجتماعات العامة، عقب صدور دستور 2005 ، وترك الأمر للمواد الموجودة في منظومة القوانين السابقة لذلك الدستور، وهم كما أسلفنا أربع مواد سنتعرض لهم تفصيلاً في هذا المقال.
مسألة التعامل مع الموكب قبل قيامه حددتها المادة 127 من قانون الإجراءات الجنائية ونصها كالتالي: يجوز لاي وال أو محافظ، في حدود دائرة اختصاصه، أن يصدر أمرا يحظر،أو يقيد، أو ينظم، بموجبه أي اجتماع أو تجمهر أو موكب في الطرق أو الاماكن العامة، مما يحتمل أن يؤدي الي الاخلال بالسلام العام"
ومن هذه المادة يتضح أمران:
الأول هو ان القانون نفسه لم يحدد القواعد التي تحكم مسألة الدعوة إلى موكب عام، بل ترك ذلك للوالي أو المحافظ، كل في دائرة إختصاصه المكاني، وهذا قصور في القانون كان يجب على المشرع تداركه ولكنه لم يفعل إما قصداً أو سهواً.
الثاني أن سلطة التنظيم التي منحها القانون للوالي أو المحافظ، هي سلطة متصلة بالمحافظة على السلام العام وسنرى حالاً كيف سارت الممارسة بشكل مخالف لذلك.
لم تفوض المادة الوالي، أو المحافظ سلطة إصدار اللوائح، ولم تصدر - فيما نعلم – لوائح منظمة لهذه السلطة. والملاحظ هنا هو ان القانون لم يتطلب الحصول على تصديق مسبق من منظمي الموكب، ولكن سارت الممارسة العملية على ذلك دون سند من القانون. ورغم أن المادة نفسها لم تطلب إخطاراً أيضاً لأي جهة تنفيذية، إلا أن ممارسة السلطات الممنوحة للوالي والمحافظ تسمح لهما بطلب ذلك.
بمراجعة السلطة الواردة في المادة 127 فإن القانون لا يتطلب من منظمي الموكب أي إتصال مسبق بأي جهة إدارية، ولكن إذا تطلب أياً من الوالي او المحافظ في دائرة إختصاصه، أن يتم إخطاره قبل الموعد المقرر لتسيير الموكب فعلى المنظمين التقيد بذلك متى ما كان الطلب متسقاًمع الدستور. كذلك فإنه يستحسن أن يقوم منظمو الموكب من تلقاء أنفسهم بإخطار السلطات بموعد الموكب وغرضه وخط سيره تمكينا للسلطات من حماية الموكب أولاً، وما يتطلبه الأمر من تنظيم لحركة المرور في الأماكن التي سيمر بها الموكب.
وعلى ذلك فإن السلطة الممنوحة للوالي، أو المحافظ فيما يتعلق بالتعامل مع المواكب العامة يجب أن تتم ممارستها وفقاً للضوابط المنصوص عليها في القانون الذي منحه هذه السلطة، ولكن بما ان تلك السلطة الممنوحة له هي سلطة تتعلق بتنظيم ممارسة حق دستوري، فإنه يتوجب عليه أن يقيد نفسه في ما يصدر من قرارات ليس فقط بحدود تلك السلطة كما وردت في القانون، بل أيضاً بالحدود الواردة في الدستور.
ضرورة التقيد بالمستوى الدولي
الدستور هنا لا يعني فقط المواد الدستورية الواردة في وثيقة الحقوق، بل يعني أيضاً الأحكام الواردة على ما درج على تسميته بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، والمكون من الوثائق الثلاث المتصلة بتلك الحقوق: وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية، و الإجتماعية، والثقافية. وكذلك الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لأن تلك العهود صادق عليها السودان، وقد إعتبرت بموجب المادة 127 (3) جزءً لا يتجزأ من الدستور. ونلفت النظر هنا للقرار الهام الذي أصدرته لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في قرارها في الدعوى "مشروع الحقوق الدستورية وآخرون ضد نيجيريا" والقرار 140 145/95 (1999)، الفقرة 40. حيث ذكرت" إن النص في الميثاق، على أن "الحق قد يقيده القانون" لا يعني أن القانون الوطني يمكن أن ينحي جانبا الحق في التعبير عن الآراء ونشرها، وهو احد الحقوق المضمونة على الصعيد الدولي ؛ فإن ذلك من شأنه أن يفقد حماية الحق في التعبير عن الرأي أي فعالية. ومن شأن السماح للقانون الوطني أن يكون له الأسبقية على القانون الدولي، أن يلغي الغرض من تدوين بعض الحقوق في القانون الدولي، بل وفي جوهر عملية صنع المعاهدات برمتها ".
الشروط الواجب توافرها لتقييد الحق في التجمع السلمي
يضع قانون حقوق الإنسان الدولي شروطاً ثلاث يلزم توافرها لتقييد الحريات والحقوق العامة وهي: أولاً أن يكون القيد مصدره القانون. فلا تستطيع السلطة التنفيذية أن تقيد الحق ما لم يرخص لها القانون ذلك. وثانياً أن يكون القيد من شأنه أن يخدم غرضاً مشروعاً. وهذا يعني أن يكون القيد لازما لحماية حق يجب على الدولة أن تعمل لحمايته. و يلزم هنا أن يكون التدخل متناسباً مع الغرض المشروع، وهذا ما يُعرف بشرط التناسب Proportionality وتقول في ذلك لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام رقم 27، الفقرة 14؛ التعليق العام رقم 34، الفقرة 34. يجب أن يكون القيد مناسبا لتحقيق وظيفته في حماية المصلحة المشروعة؛ كما ويجب أن يكون الوسيلة الأقل تدخلا في حرية الأفراد من بين الوسائل التي يمكنها حماية المصلحة المشروعة ؛ كما ويجب أن يكون متناسبا مع المصلحة التي ينبغي حمايتها " وتذكر أيضا في التعليق العام رقم 27، الفقرة 15؛ التعليق العام رقم 34، الفقرة 34.""يجب احترام مبدأ التناسب، ليس فقط من قبل القانون الذي يضع القيود، ولكن أيضاً بواسطة السلطات الإدارية والقضائية حين تطبق ذلك القانون".
وثالثاً أن يكون القيد ضرورياً بالنسبة لمجتمع ديمقراطي. شرحت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية معنى تعبير ضرورى لمجتمع ديمقراطى فى دعوى سنداى تايمز ضد المملكة المتحدة بقولها "كلمة ضروري لا تعني انه لايمكن الاستغناء عنه، كما وأنها لا تنطوي على المرونة التى تحملها تعابير "غير مسموح به "او "عادي" او "مقيد"، ولكنه تعبير يتضمن وجود حاجة إجتماعية ملحة Pressing social need لذلك فإن السلطة التي تتعامل مع الموكب قبل خروجه يجب أن تضع كل ذلك في إعتبارها.
شروط تنظيم الموكب
الدستور يجيز للإدارة سلطة تنظيم المواكب، لا حظرها، فيجوز للسلطات المحلية بل يجب عليها أن تنظم المواكب فلها أن تأمر المشاركين في المظاهرة بعدم حمل أي سلاح مثلاً، أو التقيد بغير ذلك من الضوابط التي تمنع إرهاب الآخرين، أو تؤدي إلى سلوك غير منضبط مما يستلزم ضرورة إخطارها مسبقاً بالموكب وموعده وخط سيره بحيث تقوم بواجبها في تنظيم الموكب .
و تدخل الإدارة فى الموكب يجب أن يكون معقولاً لذلك فإن التقييد المتعلق بزمان أو مكان أو سلوك الموكب في الأغلب يكون معقولاً متى ما كان متعلقاً بمنع التعدي على حريات الآخرين أو إرهابهم . و حدود التنظيم هي الموازنة بين حق المواطنين الأصيل في التعبير عن رأيهم بالإشتراك مع من يشاركونهم الرأي ولفت نظر الآخرين إلى ذلك الرأي ودعوتهم للإنضمام إليهم وبين حق العامة في إستخدام الطريق العام بأقل عرقلة ممكنة والإدارة حين تفعل ذلك يجب أن تفعله بغض النظر عن موقع منظمي الموكب أو رأيهم السياسي.
شروط الإخطار
ومدة الإخطار يجب أن تكون معقولة فلا تكون قصيرة جداً بحيث لا تيسر للسلطات العامة فرصة دراسة خط السير وحمايته ولا تكون طويلة جداً بحيث يفقد موضوع الموكب أثره على الرأي العام وفي غير الأحوال الإستثنائية فإن فرصة يوم أو يومين قد تكون كافية
ورغم إقرارنا بحق السلطة في تطلب الإخطار، إلا أن ذلك يقتصر على الحالات العادية ولكن لا يجب أن يكون متطلباً في كل الحالات، ففي حالة المواكب الصغيرة التي ليس من شأنها إحداث عرقلة للطرق الرئيسة، فإن الإخطار لا ضرورة له لإنتفاء الغرض منه. بالإضافة للمواكب التي تخرج تلقائياً تعبيراً عن عاطفة عارمة تجاه الأحداث التي تفجر ردود فعل شعبية لا يسمح الموقف بإنتظار فترة الإخطار بشأنها كوقوع إعتداء خارجي مثلاً أو صدور قرار أو وقوع أمر يثير بهجة لدى الجمهور، ففي هذه الحالات يتوجب على السلطات تجاهل مسألة الإخطار والعمل على حماية الموكب وتنظيم سيره بإرشادات وقتية على أن عدم الإخطار في حد ذاته لا يجب أن يكون سبباً لفض الموكب ولا إيقاع جزاء على منظميه وذلك لأن الأحكام المتعلقة بفض الموكب مثل الأحكام المتعلقة بفرض العقوبات يجب أن يتضمنها القانون نفسه وقد رأينا حالاً أن القانون لم يتطلب لسير الموكب التقدم بإخطار مسبق.

العقاب على المشاركة في الموكب


عادة ما توجه للمشاركين في مواكب الإحتجاج تهمة مخالفة المادة 69 من القانون الجنائي ونصها (من يخل بالسلام العام أو يقوم بفعل يقصد به أو يحتمل أن يؤدي الى الإخلال بالسلام العام او بالطمأنينة العامة ، وكان ذلك فى مكان عام ، يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز شهراً أو بالغرامة أو بالجلد بما لا يجاوز عشرين جلدة.)
لا شك أن هذه المادة غير دستورية لغموضها، وخلوها من أى معنى محدد ، ويتوجب على المحاكم الإمتناع عن تطببيقها. معلوم أن الإخلال بالسلام العام في الشريعة العامة The Common Law هوعنصر تتضمنه أى جريمة، ولكنه ليس جريمة قائمة بذاتها. لذلك فإن فقهاء القانون الإنجليزي مجمعين على أن جميع الجرائم تتضمن a breach of queen’s peace وفقاً لذلك، فإنه عند صياغة التهمة، حسب قانون لائحة الإتهام لعام 1915م Indictments Act يشمل الاتهام جملة أن المتهم قد إرتكب فعلا ضد سلام سيدتنا الملكة وتاجها وكرامتها against the peace of our lady the queen , her crown and dignity. ثم تأتي بعد ذلك تفاصيل الإتهام الموجه للمتهم. وهذا هو السبب في أن مكتب المدعى العام، بإعتباره ممثلاً للملكة، هو الذي يتولى الإتهام في جميع الدعاوى الجنائية. أما إعتبار الإخلال بالسلام العام، دون تحديد اى فعل كجريمة معاقب عليها، فهذأ غموض مخالف للدستور، يخرج التعرض له تفصيلا عن نطاق هذا المقال، ونكتفى هنا بالقول بأننا وإن كنا لا نستطيع أن نعرف بالضبط ما هو المقصود بالإخلال بالسلام العام، إلا اننا نعرف أن الفعل المنسوب للمشاركين في المواكب ليس به أى إخلال بالسلام العام. لأن الإخلال بالسلام العام لا يمكنه أن يتضمن ممارسة حق دستوري.
لكي يكون هنالك عقاب على المشاركة في الموكب يجب أن يكون الموكب غير مشروع وأن يرتكب المتهم جريمة معاقب عليها من خلال تلك المشاركة أو بسببها.
لم يُعرِّف القانون الجنائي بفرعيه الموضوعي والإجرائي الموكب غير المشروع، ولكن منح قانون الإجراءات الجنائية سلطة فض المواكب في المادة رقم ١٢٤ و ١٢٥ لأي ضابط مسئول أو وكيل نيابة. وهذه السلطة مرتبطة بوجود أحد أمرين الأول أن يكون التجمهر غير مشروع، والثاني هو أنه يحتمل أن يرتكب جريمة الشغب. والمشكلة تأتي في تفسير تعبير التجمهر غير المشروع.
لم يعرف القانون التجمهر غير المشروع ولكن سار القضاء في محاكمة المتظاهرين على إعتبار الموكب الذي لم يحصل على تصديق تجمهراً غير مشروع. وهذا إفتراض غير صحيح، ومخالف للقانون وللدستور، فلقد سبق وأوضحنا ان القانون أصلاً لا يتطلب تصديقاً مسبقاً من أي جهة للموكب، كما وأن الدستور في الأساس يمنع تطلب ذلك. ولهذا فإن عدم حصول الموكب على تصديق لا يجعله تجمهراً غير مشروع، وهذا لا يجب أن يكون موضع خلاف، ولكن السؤال هو إذا قرر الوالي أو المعتمد حظرالموكب وفقاً لسلطته بموجب المادة ١٢٧ من قانون الإجراءات الجنائية، فهل يعتبر الموكب الذي يسير مخالفة لقرار الحظر تجمهراً غير مشروع؟ في رأيي أن سلطة الوالي أو المعتمد في حظر الموكب يجب أن يكون سببها إحتمال أن يؤدي الموكب إلى إخلال بالسلام العام، وعبء إثبات ذلك على الوالي، لأن القرار هو قرار بتقييد حرية دستورية، وبالتالي فإن وجود السبب في الحظر يقع على عاتق السلطة، وشروط الحظر والتي تعرضنا لها من قبل وفق المبادئ الدستورية هي أن تكون نابعة من القانون ومتصلة بغرض مشروع وضروري لمجتمع ديمقراطي.
لما كان القانون يمنح الوالي أو المعتمد سلطة حظر الموكب في حالة إحتمال الإخلال بالسلام العام فقط، فعليه أن يحدد الظروف التي تجعله يرى أن الموكب قد يؤدي إلى الإخلال بالسلام العام. ولما كان الدستور لا يجيز اللجوء إلى الحظر إلا كملجأ أخير، حين لا يمكن لأي وسيلة أخرى أقل تعديا على الحرية أن تحقق الغرض المحدد المتوخى، فعلى من إتخذ قرار الحظر أن يوضح لماذا لا يمكنه إتخاذ إجراء أقل من الحظر لمنع الإخلال بالسلام العام، مثل تحديد خط سير معين، أو توفير حماية معينة وإلا فإن حظر الموكب في حد ذاته لا يحوله إلى تجمهر غير مشروع، لأنه لا يعدو أن يكون ممارسة لحق ديمقراطي. وفي جميع الحالات، يجب على المسؤولين أن يبلغوا فورا قرارهم لمنظمي الموكب. من المستحسن إيجاد إجراءات يمكن بواسطتها تسوية أي نزاع بشأن القيود المفروضة على المسيرة. وفي جميع الحالات، اللجوء الفوري إلى محكمة مستقلة للفصل في المسألة يجب أن يكون متوفراً.

نبيل أديب عبدالله/المحامي


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.