هل أوقعت صحافة الديمقراطية الثالثة، بالديمقراطية؟
"ألوان" و"الصحف الأقمار" أودت بمفهوم "الموضوعية الصحفية"
قام منهج التحرير على اغتيال الشخصية والتجريم والحرب بالوثائق

 

 

د. محمود قلندر

"قابيل" المنادى عليه هنا، هي"ألوان" الزمن الذي نتحدث عنه، زمان الديموقراطية الثالثة، و"هابيل" المعتدى عليه هي تجربة الصحافة الحرة تحت النظام الديمقراطي.
ونحرص على تأكيد تخصيصنا للقول على ألوان (ذلك الزمن)، لأننا لا رغبة لنا في التقليل من جهد الزملاء الحاليين في ألوان اليوم، ولكنا ما جعلنا من ألوان ذلك الزمن مركز الحديث إلا لأمرين:
الأول، أنها كانت المثال الحق لما أسميناه "الصحف الأقمار"، إذ تخفت وراءها مالكتها الأصيلة، لتبعد عن الحزب الكوكب أفعال القمر الدوار وأقواله.
والثاني، أنها كانت الرائد، وفي بعض الحالات، المبتدع لأشكال شتي من الممارسات التحريرية التي وصفناها بأنها "غابت عنها الفواصل بين صحافة الرصانة، وبين صحافة الاستهزاء بالآخرين، والتبخيس الظلوم لمناجز المنجزين"..
وليس هناك من مطالع لصحافة تلك الفترة لم تصبه ألوان، خلال أعوام الديمقراطية الأقصر في تاريخ السياسة السودانية، بالدهشة والحيرة لبعدها عن الأشكال التقليدية لكتابة الأخبار، وإثبات المصادر، والتزام الحيدة، والتفريق بين الخبر والرأي. وليس هناك ممن عايش دقائق السياسة في تلك السنوات، من لا يعرف أن ألواناً كانت واحداً من ألسنة الجبهة الإسلامية القومية التي كانت بها تخاطب الرأي العام، وانها كانت –وسط صحافة تلك الأيام - "خروفا أسوداً" يرمي بعواهن القول يمنة ويسرة، يصيب من يصيب ولا تبالي.
بكل ذلك، تستحق ألوان ذلك الزمن، أن تكون مصدر المراجعة للوقوف على أثر أسلوبها المتفرد في التحرير الصحفي، على المزاج الوطني العام تجاه أدوات التعبير الديمقراطي، واحتمال انسحاب أثر ذلك المزاج على ما هو أكثر من الأدوات والوسائل.
***
قد يكون مفيداً، للنظر المتعمق في أساليب المعالجات الصحفية التحريرية التي قامت بها ألوان تلك الفترة، أن نعتمد تحليل المحتوى أداةً للتقصي العلمي لفحوى النصوص المكتوبة. ونستفيد في في هذا الأمر من تلك الدراسة الأكاديمية التي أجريت على الصحيفة في مبتدأ عصر التسعينيات باسم (حرية الصحافة والاستقرار السياسي في السودان: دراسة حول دور الصحافة في الديمقراطية الثالثة). وهي دراسة تناولت العامين الأعلى في حدة الصراعات السياسية، (87، و88،)واللذان تميزا باحداث مشهودة من شاكلة سقوط مدن للتمرد، وانفراط عقد التحالف الحاكم مرتين، وتوقيع اتفاقية الميرغني قرنق. 
اعتمدت الدراسة على تبيان اساليب الصحيفة التحريرية، فقامت بتعريف ثلاثة من أساليبها كما يلي:
الأخبار السالبة 
أخبار وموضوعات التحقير وتشويه السمعة
أخبار وموضوعات التجريم
لا تشكل المجموعة الأولى – الأخبار السالبة- موضع التقصي والاهتمام هنا، فهي أخبار تم إيرادها بموجب المقتضيات الفنية لتحرير الأخبار ونشرها، كالتزام الموضوعية والحياد والتوازن. ولكن لأنها من نوع الأخبار السالبة، فإنها تصب في مجرى النوعين التاليين، فتعضدهما وتقوي من أثرهما الكلي على بيئة العمل الصحفي.ولكن لا بد من الإضافة هنا بالقولإن الأساليب الفنية التي يعرض بها الخبر والقوالب التي يقدم بها، لها التأثير النهائي في فهم القارئ للمعاني والدلالات التي ينطوي عليها الخبر. لهذا فإن أسلوب إيراد الخبر السالب – تضخيماً أو تركيزاَ- قد يعكس أغراض ونوايا من يملك أو يتحكم في تلك الصحف.
النوعان الثاني والثالث هما رحى التأمل هنا. "فأخبار التحقير"، نوع فريد من الأخبار تقوم فيه الصحيفة بالبحث عن معلوماتٍ تتعلق بأفعال أو اقوال الشخصيات ذات الموقع الحزبي أو السياسي، فتقوم بإيرادها مصحوبة بالمحسنات الدرامية التي تكسب القول أو الفعل بعداً يؤدي إلى تشويه السمعة أو تحقير الشخصية. وتركز الصحيفة على أشكال متعددة من أسلوب إيراد هذا النوع،  منها التحقير عبر السخرية والفكاهة، الإساءة باسباغ الألقاب المهينة على الشخص أو الجماعة أو الحزب، واستصحاب الأسماء بالأوصاف ذات الدلالات المحقرة.  
أما أخبار وموضوعات التجريم، فإنها تلك الأخبار والموضوعات التي تتهم أفراداً أو جماعات بما يشكل ارتكابه جريمة بمقتضى القوانين السارية في البلاد. ولكن الصحيفة تنشر تلك الأخبار أو الموضوعات ليس باعتبارها ذلك، بل باعتبارها خبراً صحفياً، دون أن تكمل جانبه الأساسي الذي يبرر نشره – كموضوع يمت لصحافة الاستقصاء- فلا تثبت المصادر، ولا ترجع لمن تم اتهامه للتثبت أو لتمكينه من التبرير أو النفي.
ويجب التذكير هنا بأن الصحيفة، في إيرادها للمعلومات والبيانات ذات الصلة بهذين الصنفين من الأخبار والمعلومات، لم تتقيد بأي من المبادئ المتعارف عليها كأسس للممارسة الصحفية المعافاة. ومن أهمها الموضوعية،وهو الحرص على إيراد الحدث بدقة وتوازن وبلا انحياز، والاستقلال،وهو ابتعاد الصحفي عن الارتباط الشخصي بالحدث؛ والمصلحة العامة: وهو أن يسعى الصحفي  لتغليب المصلحة العامة في نشر الخبر؛ واحترام الرأي الآخر والالتزام بحق الرد.
***
واحد من أشهر أساليب إيراد الأخبار التي انفردت بها ألوان – ذلك الزمان- هو اعتماد مصادر غير تقليدية للحصول على الأخبار. وكانت أهم تلك المصادر هي الوثائق التي تنشرها الصحيفة بعد أن تحصل عليها من أفراد أو جماعات. وهي وثائق تحوي معلومات ذات طابع شخصي حيناً، أو حكومي رسمي حيناً، أوحزبي سياسي في أحيان أخرى. ولما كانت عمليات نشر الوثائق، تنطوي على عامل استثارة غريزة حب الاستطلاع عند الجمهور، فقد صار ذلك النوع من الأخبار عاملاً مساعداً على زيادة التوزيع للصحيفة، استحسنته الصحيفة واستزادت منه، وهو مادفع غيرها من الصحف إلى سلوك ذات الطريق، فتواترت في الصحف الاخرى وثائق شبيهة، بعضها نال من اللذين تنافح عنهم ألوان.
وما يلفت النظر في مصادر ألوان الصحفية  التي اعتمدتها مصادر للأخبار، أنها جاءت من أفراد وجماعات كانت بطبيعة عملها السابق تجمع المعلومات، ولكن لغير الأغراض الصحفية. فبعض الذين مدوا ألوان بالوثائق كانوا من ضباط جهاز أمن الدولة الذي قامت بحله قيادة المجلس العسكري الذي انقلب على النميري خلال أسابيع من الانتفاضة. ولعله من الممكن القول بأن بعض أعضاء ذلك الجهاز، لم يكن لهم كثير ودٍمع النظام الديمقراطي اللبرالي الذي أحالهم عطالى بلا وظائف، ومن ثم فإن حماس بعضهم للنيل من النظام الديمقراطي بكل ما ستطيعون لم تكن مستبعدة.
وليس صعباً على من يعيد قراءة الوان تلك الفترة، ملاحظة بعض أخبارها وقد تقدمتها عبارات من شاكلة "تفيد المصادر" و "قالت مصادرنا". وتلك عبارات درجت سجلات قوى الأمن والمخابرات على أن تصدر بها تقاريرها اليومية أو الدورية.
لعلنا نستعرض بعضاً من هذه الأساليب فيما يلي من أخبار منقولة من الصفحات الأولى للصحيفة بالتواريخ المسجلة قبالها:
أكدت مصادر عليمة لألوان أن إثنين من الشخصيات القيادية في الأسرة الحاكمة، متورطان في صفقة تتعلق بشراء باخرتين لمؤسسة نقل بحري (12 مارس 1988)
نما إلى علم ألوان أن قياديا من حزب طائفي يقوم بتخزين أسلحة دفاعية متقدمة في منزله الكائن في  قلب الخرطوم. الخبر المهم هنا هو أن القوات المسلحة وحدها تمتلك مثل هذه الأسلحة المتطورة (21 مارس 1988)
في اجتماع عالي المستوى، ناقش مندوب دولة شقيقة تحتضن حزباً سودانياً، مع الطبيب العجوز الذي ينتمي للحزب المذكور مسألة تدهور التأييد الجماهيري للحزب في غرب السودان. وعندما اخطر الطبيب العجوز المندوب بأن السبب هو ضعف الأموال، ذكر المندوب بأنهم دفعوا أموالاً كثيرة للحزب، حينها قال الطبيب بأن السيد الكبير قد حول الأموال لجيبه الخاص (4 ديسمبر 1988) (لم ينسب هذا الخبر لأي مصدر، ولكن أسلوب الصياغة الأمنية فيه واضح)
***
في مدارس العمل الصحفي الجيد،يعتبر العنوان هو المفتاح الذي يقود القارئ لقراءة الخبر، ومن ثم  يجب أن يقدم ملخصاً لأهم جوانب الخبر دون سرد التفاصيل، كما يجب أن يقوم على التشويق في العرض حتى يدفع القارئ إلى مواصلة قراءة الخبر. ومن أبجديات الصياغة الخبرية التي يتعلمها ويتدرب عليها الصحفيون،أن لا تورد في العنوان معلومات لا توجد في متن الخبر، ومن نافلة القول أن العنوان ينبغي أن يلتزم بذات الأساسيات المطلوبة في الخبر، من حيث الموضوعية والحياد والتوازن. 
ولو أردنا أن نطبق هذه المبادئ على بعض ما كانت تورده ألوان من عناوين لأخبار، يمكن أن نشهد حجم البعد بين عناوين تلك الأخبار عن المناهج الصحفية الصحيحة. فخلال العامين 87 و88 وردت أخبار في الصفحات الأولى، بعناوين لا تتقيد بمبادئ العمل الصحفي الرصين، بعضٌ قليلٌ منها نورده فيما يلي:
"الكجور لا يقبل القسمة" (04-12-1988)
" رغم أنف الميرغني" ( 12-09-1988)
" الميرغني يوقع باليد السفلى" (16-11-1988)
"الخيانة العظمى" (27-10-1988)
"الخيانة بالوراثة" (22-11-1988)
الشاهد في هذه العناوين المأخوذة من الصفحات الأولى من الصحيفة، أنها لا تمت إلى الموضوعية بصلة فحسب، بل وتغرق فيما يمكن اعتباره سباً وقذفاً يجر إلى المحاكم، وهو ما فعلته بعض تلك العناوين..
***
تلوين الخبر بالموقف السياسي، هو من سوءات الصحف الناطقة باسم الاحزاب أو الملتزمة بخطها السياسي. فمبادئ العمل الصحفي المعافى، تلزم بإيراد الخبر بعيداً عن الموقف السياسي، ولكنها تسمح بالتعليق أو التصريح المضاد، أو التعقيب على الخبر في ذات الصحيفة أو ذات الوقت. وبذلك يظل  مبدأ الالتزام بالخبر ومحتواه دون تحريفه لمصلحة الموقف الحزبي، هو الأساس في ممارسات الصحافة الحزبية. وهذا هو ماتلزم به الصحف الحزبية في كل الديمقراطيات، إذ يظل "الخبر مقدساً" و"التعليق حراً".
دعنا نقيس هذا الواقع على ألوان،آخذين خبراً ورد في وكالة السودان للأنباء (سونا)، فلونته الوان بألوانها الخاصة. 
قرأ الخبر في نسخة سونا كما يلي:
"في لقائه بوفد البني عامر، أكد السيد محمد طاهر جيلاني لأعضاء الوفد أنه، وبعكس تقارير الواردة من الإقليم الشرقي، فإن هيكل الإدارة الأهلية لمناطق قبائل البني عامر بحدوده وأقسامه ووحداته سيظل كما هو. وأكد الوزير للوفد بأنه سيتم اتخاذ الإجرءات الإدارية الرامية إلى إزالة سوء التفاهم. وقال الوزير إن الحكومة تتقبل نقد المواطنين وتظل مسئولة تجاههم."
قرأ الخبر في صحيفة ألوان كما يلي: 
" بات من الواضح أن السيد محمد عثمان المرغني رفض مقابلة وفد البني عامر الذي حضر للخرطوم للاحتجاج على التقسيمات الجديدة للحدود القبلية في الإقليم الشرقي. وهي التقسيمات التي تنتزع السلطات التاريخية لقبائل البني عامر على المنطقة، وتمنحها لقبائل الرشايدة. هذا وقد اتضح أن السيد الميرغني طلب من السيد محمد طاهر جيلاني الاجتماع بالوفد فقط لتقييم مستوى ولاء أعضائه للحزب الاتحادي الديمقراطي."
لا يصعب استخلاص "الألوان" التي أضافتها ألوان- ذلك الزمان-  إلى الخبر، وهي إضافات، لو أرادت لها الصحيفة الاستقامة كمعلومات إضافية أوردتها مصادرها، لاستصحبتها بإثبات ذلك في متون الخبر بالإشارة إلى الجهة التي وفرت المعلومات المضافة، أو حتى بالقول إن المصادر غائبة باختيارها. وهذا كله كان غائباً في صياغة ذلك الخبر.
***
لم تكن ألوان وحدها سيدة ساحة العصف الظالم بالعقلانية الصحفية،بل كانت الرائد.
فقد رافقها على الدرب كثر، كانت لكل منهم دوافع متباينة لسلوك ذلك الصراط الصحفي غير المستقيم. ففي الوقت الذي وردت أقمار الأحزاب المنافسة للجبهة الإسلامية  ذات المورد كيداً للجبهة، ذهبت بعض الصحف الخاصة المستقلة ذات المذهب، طمعاً في أن يزيد لهب الإثارة المشتعل من مبيعاتها ودخولها. بينما سلكت أخريات مسلكاً قريبا من مسلك "الرائد" لأغراضٍ بعضها يمكن اعتباره إفراغ ضغائن وإحن..
ولعل "الوطن" هي الصحيفة الأولى التي تشب إلى الذهن من قمر تلك الفترة، فقد كانت قمراً لحزب لأمة لا يملك أحد إنكاره، فرئيس تحريرها كان رئيساً لتحرير صحيفة الحزب، وكان مرشحها في دائرة "كسر العظام" الانتخابية التي خاضها ضد أمين الجبهة الإسلامية العام.  
والمراقبون يذكرون أن أخباراً وموضوعات عدة مما كانت تنشره الوطن صب في خانة الكيد السياسي للحزب المعارض، وفي بعضه على الحزب المنافس، وانتهج نهجاً بعيداً عن الموضوعية الصحفية، فخلط الخبر بالرأي، وأورد من المعلومات ما لا يمكن إيراده بلا مصدر أو بلا دليل موثق. 
لعل أشهر ما مرغت به"الوطن " ساحة الصحافة المستقلة المستقيمة هو استهدافها لبعض أَعْلام الجبهة، والسعي لتصويرهم بما هو مسيء ومنكر على الأصعدة الشخصية والسياسية.. وهو أمرٌ جر الصحيفة في بعض حالاته إلى ساحات المحاكم.
وكان القمر الثاني المشارك في العصف بالصحافة القويمة هي "السياسة" التي اقتربت من حزب الأمة بالمالكين وبالسياسات التحريرية. وكان نصيب "السياسة"من تمريغ الموضوعية الصحفية، هو استهدافها الحزب المنافس والمتحالف في الحكومة في ذات الوقت. ولعل أشهر الموضوعات التي خاضت فيها السياسة في صحافة تجريم الآخرين هي قضية ما عرف "بالكاسيت"والتي حاولت من خلاله إسباغتهمة التخابر مع دولة أجنبية على الوزير الأهم من الحزب المنافس، وزير الداخلية.
أما النموذج الثالث، فقد كانت صحيفة غضة النبات، كان مالكها ورئيس تحريها ضابطاً قليل الخبرة بالعمل الصحفي، إذ كانقد أخرج لتوه من الجيش، فدلف إلى رحاب العمل الصحفي، ولكنه امتلك كثيراً من الغضب على قيادات الجيش في ذلك الوقت، فسخر الصحيفة للنقد المتصل لأصحاب النجوم العليا، دون أن يحسب حسابات التناول الصحفي المعافى، فوقع في  مشكلات قانونية أخذته إلى المحاكم وأغلقت صحيفته.
***
لم يكن كل ما جاء في ألوان ذلك الزمان مخالفاً لقيم الصحافة الموضوعية. فقد كانت لها أعمالاً صحفية مشهودة يمكن اعتبارها  سبقاً صحفياً يصلح تصنيفه في خانة ما يسمى اليوم بصحافة الاستقصاء . نورد في هذا السياق، خبرين وردا في ألوان ذلك الزمان، بهما نستدل على تمتع الصحيفة بإمكانيات سلوك السبيل الصحفي القويم لو أرادت. وهذان الخبران هما: 
فضحه الانغماس الحكومة في منح تعويضات كبيرة لعائلة رئيس الوزراء، و هو الأمر الذي انتقل من صفحاتها إلى الجمعية التأسيسية ومن ثم أدى إلى تراجع الحكومة عن إقرار تلك التعويضات بصورتها التي كانت عليها. 
خوضها غمار قضية أخرى سمتها "فضيحة اليورانيوم"، فيها كشفت عن خبايا تجارة تهريب للسلعة الخطيرة، كان طرفاً فيها واحد من أفراد عائلة رئيس الوزراء. وقد اعترفت الحكومة بانغماس ذلك الفرد فيها، ولكن عزت ذلك إلى كونها جزء من كمين أمني قصد كشف خبايا تلك التجارة.
يفيد وجود مثل هذا التناول المهني الراقي، إلى أن الصحيفة كان ممكناً لها أن تكون صفاً متقدماً على غيرها من صحف تلك الفترة، من حيث بقائها، كما هو مطلوب من الصحافة المستقلة في الديمقراطيات المستقيمة: "عين حراسة" المجتمع ضد  تجاوزات السلطات وتعدياتها على الحريات. فلو بقيت سياستها التحريرية كذلك، لنالت الصحيفة تقدير الحريصين على أن تدعم الحكم الديمقراطي أدواتٌ مساعدة، كالصحافة الحرة،  تكون ناجزة وفاعلة في المنافحة عن النظام الديمقراطي.
لكن الصحيفة القمر، نافحت (حتى الموت) عن كوكبها الذي دارت حوله، حتى صارت – كما سنرى في الحلقة التالية- مثلاً يحْذَرُهُ الذين كانوا على وشك الإقبال على بناء نظام صحفي جديد، ويتقون شره بنظامٍ بديلٍ، بعيدٍ عن النظام الصحفي الحر.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.