بزوغ عصرالصحافة الهمَّازة
" الصحفالأقمار"  فصيل جديد من الصحف الحزبية المتخفية 
إغْتَمَّ بشير محمد سعيد بحال الصحافة الديمقراطية ورفع مذكرة تنعاها
بعض الصحف صدرت حسبما توافر من "دعم السفارات"
وأخرىصارت تتغزل بالثمن في غناء ورقص الجيران 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ليس من معاصر لفترة الديمقراطية الثالثة لم يتوقف عجباً من صحافة الفترة وممارساتها..
وليس من قارئ لم يرفع حاجبي الدهشة وهو يرى بعض الصحف وقد سودت صفحاتها بنابذ القول من نافلة الذي تغلق له أذن الأطفال عند القول وأعينهم عند المشاهدة..
نفذت الديمقراطية الثالثة على البلاد بعد سنوات من الكبت الصحفي، سادت فيه صحافة داجنة، وتمددت فيه ثقافة الانضباط السياسي الصارم. فغابت عن الممارسة صحافة الرأي الحر غير المقيد بقيد الرهبة من الحاكم، وتوارت أشكال التحقيق المتحري عن الحقيقة بغير غرض. 
نشأ جيل الصحفيين الممارسين في عصر مايو وحاله كحال الأسماك، لا تستنشق الهواء إلا بذراته المختلطةبالماء، فلو استنشقته نقياً تموتمن فرط  النقاء. ومثل ذلك كان الجيل الخارج من مايو بسنواتها الستة عشر، إذ لم يعرف الحرية  إلا خليطاً من الالتزام المتحزب للتنظيم، والولاء المتأدب للرئيس. وحين انفرط عقد ذلك الجيل- مع اندثار مايو- متناثراً على ساحات الحرية الواسعة، غرق في بحرها المتلاطم، وقصر عن استيعاب متطلباتها ومستوجبات الممارسة الصحية والصحيحة..
ولا يُنقِصُ هذا القول من قدرات زملاء وزميلات تميزوا في صحافة مايو، فمن كانت له الموهبة واستزاد من العلم فيها، أو من كان له زاد من الخبرة السابقة على مايو، عبر من العصر إلى العصر وتعافى سريعاً من سوءات الصحافة المنضبطة. ولكن الذين فوجئوا بأنفسهم في ساحة ممارسة صحفية لم تطأها أقدامهم من قبل، لم يفهمموا الحرية إلا بكونها السلق باللسان الحاد، ونثر الاتهام يمنة ويسرة بلا دليل ولا ميثاق.
ولم يكن هؤلاء إلا جماعات وفدت إلى الصحافة في عهد الديمقراطية الثالثة من عدة أبواب:
بعضهم لم يمسك بقلمٍ صحفيٍ يوماً، ولكن سوق الصحافة الذي راج وقتها، والذي انفتحت "أبواب الرزق" فيه مع انفتاح أبواب الحرية، امتصهم إلى داخله، فدخلوا ومارسوا، بل وصعدوا سلم التخصص الصحفي الإداري في بعض الصحف..
بعض ممن راجت تجارته الصحفية  في ساحات الرياضة والفن، أعمدة تلتهب بالذم وغليظ القول لمن امتهن الكفر أو الوتر، انتقل- مع توسع الحاجة للكاتب الناقد- بذات القول الذميم الغليظ إلى الصحافة السياسية..
وبعضهم امتلك بعض مالٍ، وكانت له بعض مظالم، فوجد الصحافة طريقاً للتجريح والتبكيت، والتخذيل.. ولم يهمه في ذلك إن كان المذموم فرداً أو جماعة أو مؤسسة..
أما البعض الآخر، فقد استلهم ظاهرة البيع المتزايد لصحف من تعلو في صحافته وتيرة السب والشتم، فآثر أن يسلك ذات الطريق، ليفتح بابه للشتَّام الذمام يغدق عليه بقدر ما يخرج من جعبته من قذيع اللفظ.
ثم انضم لهذا الركب جماعاتٍ من أهل السياسة، وجدت في الساحة الصحفية البكر التي لم تزرع بعد، مساحة واسعة لتنثر فيها بذور اللمز والغمز الرامي  الكسب السياسي على حساب الصحافة الموضوعية.
***
واحد من الذين هزتهم حال الصحافة في عصر الديمقراطية الثالثة هو الأستاذ بشير محمد سعيد، الصحفي الفرد الذي اختار طوال عهد مايو أن يبتعد ما أمكن عن ساحة صحافة تسبح بحمد الحاكم. وحين عاد إلى الساحة بعد مايو، أغتم وهو يلمح صحافة تصرخ بشتم الحاكم، بسبب وبدونه.
وكان بشير محمد سعيد قد اختير مستشاراً إعلامياً للمجلس العسكري الانتقالي، فعاون في عودة الصحافة الحرة، وفي عودة الصحيفتين  المصادرتبن في عهد مايو إلى أصحابهما، وفي تعويض بقية الصحف التي دثرتها مايو بالتأميم.
انسحب بشير من بعد الانتفاضة لساحة "أيامه"، وبقي يتأمل في انحدار الممارسة الصحفية التي  سادت خلال أعوام الديمقراطية الثلاثة. وحين هوى معول الانقاذ على تلك الديمقراطية، لم يجد بشير بداً من أن يفرغ ما في صدره من حزن على مآلات الحال الصحفي في البلادـ، في مذكرة متعددة الصفحات بعنوان " آراء حول مستقبل الصحافة"، بعث بها إلى اللجنة الإعلامية التي كونها وقتذاك مجلس ثورة الانقاذ، ، تعزي نفسها على الحال الذي صارت إليه الصحافة في السنوات الثلاثة، وتعدد منابت السوء ومواطن المثالب. قال بشير إن الصحافة في ثلاث سنوات فعلت ما تعاهد صحفيو الدنيا على اعتباره خطايا، فشتمت، وجرمت، وحرضت، وأهانت.وقال إنها سقطت في براثن المحظورات الصحفية التي يحذرها كل من رضي بها مهنة تسيجها قيم شفيفة تحرض عليها، وترفع ألأقلام في وجه المنتهكين لتلك القيم..
ولم يكن سعيد – بالطبع- سعيدا بالانقلاب على الديمقراطية الذي حدث، ولكنه آثر أن ينصح بما يستطيع لتتجنب الصحافة  المستقلة المنتظرة، - والتي كان يبشر بها قادة الانقاذ من حين لآخر- سوءات صحافة العهد الديمقراطي، غير الديمقراطية.
نصح بشير في مذكرته بوجوب ألا تتفتح الساحة لمن يملك الوعي السياسي المساعد على استيعاب مكنونات الممارسة الصحفية الموضوعية، وطالب بأن تهيء الدولة من الامكانات للصحافة ما يقيها مزالق الوقوع في أحضان المحظورات من شاكلة العمالة السياسية، والتسبيح بحمد اللذين لا يجمع الوطن بهم جامع.
***
يلزمنا اغتمام صحفي بقامة بشير من مسلك الصحف والصحفيين في الديمقراطية الثالثة، أن نراجع واقع صحافة تلك الفترة، انتماءاتها، وميولها واغراض سلوكها المعوج الذي منه اشتكى بشيراً.
إن أكثر ما يلفت النظر في صحافة حقبة الديمقراطية الثالثة، هو ذلك الشكل الجديد من أشكال الانتماءات  السياسية المواربة في صحف الفترة. وبالرغم من هذا الشكل من الانتماء السياسي تعود جذوره إلى سابق العهود اللبرالية، إلا أنه ظهر بقوة في فترة الديمقراطية الأخيرة بحيث شكل واحداً من أهم ملامح صحافتها. 
ونقصد بالشكل الجديد هو ظهور "الانتماء السياسي الموارب"للصحف بدلاً من الانتماء المباشر، وهو شكل نطلق عليه هنا تعبير "الصحف الأقمار"، قاصدين بذلك تبعية تلك الصحف ودورانها حول الأحزاب. وبذلك صار من الممكن تصنيف الصحف خلال عهد الديمقراطية الثالثة إلى ثلاثة أصناف، هي
1- الصحف الحزبية
2- الصحف  الأقمار
3- الصحف المستقلة
وبالرغم من أن ظاهرة الصحف المؤيدة للأحزاب أو المدافعة–على الدوام- عن مواقفها السياسية ليست شيئاً منكراً، ولا جديداً في ساحات العمل الصحفي العالمي أو المحلي، إلا أن جوهر العلاقة بين  "الصحف الأقمار" وبين الأحزاب السياسية الكواكب،  يتجاوز هذه الملامح ليكون في أصله صحافة مملوكة للحزب بالأصول، أو بانتماء الإدارة والتحرير، ولكنها تتخفي وتتستر وراء الاستقلال، أعلنته في صدرها، وبه سعت للحصول على ترخيص المزاولة.
لم يكن صعباً على المراقبين في سنوات الديمقراطية الثالثة الإشارة بالاصبع الواثق إلى صحف من هذا القبيل. يكفي ان ننقل التالي عن دراسة لصحافة تلك الفترة تصنف الصحف حسب ميولها، حزبيةً، وأقماراً ومستقلة:
الصحف الحزبية الصحف الأقمار الصحف المستقلة
الامة الوان الأيام
الاتحادي الأسبوع الخرطوم
الراية السوداني السياسة
الميدان الأشقاء الاضواء
الهدف الوطن
التلغراف
صوت الجماهير
ولعله واضح من الجدول، أن الصحف من فئة "الصحف الأقمار" شكلت الجزءالأكبر من صحافة الفترة الديمقراطية، بل لعلها كانت أكثر حيوية من الحزبية والمستقلة. ليس هذا فحسب، بل إن"الصحف اللأقمار"كانت هي الأكثر مبيعاً مقارنةبالصحافة الحزبية الصرفة، الأمر الذي دفع الأحزاب إلى الهجرة نحوها باعتبارها الضمان لوصول الرأي الحزبي إلى الجمهور العريض، بما فيهم أولئك غير الملتزمين بالولاء  الحزبي المطلق.
وفي ذات الوقت، شكلت المسافة الرسمية المحفوظة بين الصحيفة القمر، والحزب الذي تتبع له (والذي تعبر عنه عبارة "صحيفة مستقلة" في ترويسة الصحيفة)، فرصة طيبة لتنصل الحزب من الأفعال والاقوال الصادرة في تلك الصحيفة، كما يتيح لها في ذات الوقت استخدامها لأغراض تجاوز "الخطوط الديمقراطية الحمراء".
***
وماذا عن المحتوى؟
خلال العام الثاني من الديمقرطية، سألت مالكاً لصحيفة اسبوعية كانت تتأرجح بثقة بين صدور وغياب، ويداوم توزيعها على البقاء في خانة الأرقام العشرية، عن مواد تحريرية ملفتة في صحيفته، فيها جرت الإشادة المتكررة بالفن والغناء والرقص الساخن في بلد جار، فأسر لي بأنها مواد مدفوعة الثمن. وحين استزدته في التفصيل لم يتوانى في التصريح بانه درج على فتح أبواب الصحيفة لأكثر من سفارة (وذكر سفارة أخرى جارة)،وأكثر من جماعة، تداوم على النفح مقابل النشر. بل زاد: إن ذلك هو سبيله الأوحد لإصدار الصحيفة، فهي تصدر بما توفر من مواد جانبٌ مقدرٌ منها مدفوع الثمن.
و لا يبعد هذا الانزلاق للصحيفة الحامدة لغناء ورقص الجيران بالثمن، عن مزالق قريبة وقعت فيها بعض الصحف الأخرى.. فلم يكن غريباً أن تسود بعض الصحف الصفحات الكاملة بالتهاني والتبريكات في مناسبات سياسية ودينية واجتماعية، لدول وجماعات من دول. ورغم أن الإعلان بالتهاني في حد ذاته أمر مشروع، إلا أن الذي يستوقف فيه هو اقتصاره، ثم تكراره، في تلك الصحف التي كان توزيعها في أدناه، وصدورها في تارجح بين الغياب والحضور. ولعل المتابعين لأمور الصحافة في تلك السنوات الثلاثة يذكرون أن عددا من الصحف كانت لا تصدر إلا حين تتوافر مواد من شاكلة المشار إليها، أو حين يجود الأكرمون ببعض الإعلان..
***
لم يكن أمر النشر النزق هو وحده المعيب في صحافة الديمقراطية الثالثة، بل كان أهم منه الانجراف بعيداً عن المهنية في التناول الصحفي، بشتى ألوان التعبير الصحفي المتاحة، خبراً أو تعليقا أو رسوما كارتونية أو غيرها.. 
فقد دخلت الصحافة السودانية في  سنوات الديمقراطية الثالثة نفقا مظلما من الممارسات الصحفية غاب فيها الضابط المهني الأخلاقي، وانفتحت فيها في جسم الممارسة الصحفية جروح غائرة، كان سببها ذلك السلوك الصحفي النشاز الذي بدأ في الانتشار في الصحف أيامها.  إذ اعتمدت سياسات التحرير في عدة صحف، صنفاً من العمل التحريري، جعل من الممكن تسميتها   ب "الصحافة الهمازة".. تلك الساعية إلى تلطيخ الشخصيات بما فيها وليس فيها، والناحية نحو السخرية المسيئة بالمخالفين في الفكر والمواقف. 
ولعل أشهر من كان على رأس هذه القائمة وقيادتها دون منازع صحيفة ألوان..
ولم تتأخر بعيداً عنها صحيفة الشخص الواحد، "الرأي" التي أصدرها ضابط الجيش المقال المرحوم محمد مدني توفيق، الذي وفد إلى ساحة الصحافة السياسية من باب عموده "من الواقع" والذي كان يكتبه في صحيفة "القوات المسلحة"، حين كان ضابطاً شغله الاساس أعمال الإدارة والتنظيم بفرع التوجيه المعنوي.
وتبعت هاتين الصحيفتين، صحيفة "الوطن"، بميلها الصريح لحزب الأمة، وموقع رئيس تحريرها ومالكها سيد أحمد خليفة من رئيس الوزراء الصادق المهدي. كما مالت بعض الصحف السياسية وحتى المستقلة لبعض الوقت ميلاً شبيها، منها صحيفة "السياسة" القريبة فكراً من حزب الأمة. ومثلها كان حال "الأسبوع" التي تشارك ملكيتها الصحفيان الخارجان توهما من قلب صحافة الموالاة المايوية: محي الدين تيتاوي وأحمد البلال الطيب.
وكانت أبرز ملامح  الصحافة الهمازة ما يلي:
ابتداع عبارات من شاكلة "أفادت المصادر" بحيث تبدو الأخباروكأنهامعلومات مخابراتية
خلط الخبر بالرأي، وتسمية الأفراد والجماعات بالتسميات المنكرة في متون الأخبار 
اعتماد رجال أمنسابقين صحفيين ومصادر للأخبار،ونشر "تقاريرهم"  عن الشخصيات السياسية وأفعالها
نشر الأنباء المجهولة المصدر، دون التحري في صدقيتها
نشر الأخبار المحتوية على اتهامات وإدانات لمسئولين سياسيين دون دلائل ولا مواثيق
نشر المقالات المحتوية على الوصف السالب للأفراد باعتباره نقداً سياساً
استخدام التعليق الصحفي للتهكم بالشخصيات السياسية والسيادية
استخدام الشعر الكاريكاتيري (حلمنتيش) لتمرير الأوصاف المتهكمة بالرموز السيادية 

في خضم هذا التناول البعيد عن المهنية، لجأت الدولة والأفراد إلى القانون، فلم يكن هناك غير ذلك. ومن ثم فقد تم جر عدد من الصحف إلى ساحات القضاء، كما تم إغلاق بعض الصحف لبعض الوقت بأمر إداري أو قضائي. ويكاد لا يخلو سجل صحيفة من صحف تلك الفترة من مساءلة قضائية أوتحرٍ شرطي، حتى طالت المساءلات تلك المؤسسات الصحفية التي أصل ممارستها الحياد والابتعاد عن الميل السياسي، كوكالة السودان للأنباء وصحيفة القوات المسلحة. جانب كبير مما وقع من اتهام ومقاضاة للصحف الأقمار كان مصدره الهمز واللمز والمشي بالنميمة.
وكانت الصحف الأكثر حضوراً في أقسام الشرطة أو قاعات المحاكم هي "ألوان" و"الرأي" و"الوطن" و"السياسة". وهذه الصحف جميعها - ما عدا الرأي- تقع في صنف الصحفالأقمار، الأمر الذي يؤكد ما ذهبنا إليه من استغلال الأحزاب لأقمارها الصحفية للكيد لبعضها البعض.
***
ما هو أثرصحافة الهمز واللمز على الممارسة الديمقراطية؟
وهل أوقعت صحافة الديمقراطية، بالديمقراطية؟ 
وهل كانت الصحافة الهمازة هي حصان طروادة الذي هزم الديمقراطية؟
نقاط نتناولها في الحلقة القادمة..