الصحافة السودانية وعصر الكَبَدْ


في فوضى صحافة الانتفاضة
صحفيو مايو انتقلوا من صحافة الموالاة إلى صحافة حرة لم يعهدوها
تجار ومحامون ومندوبو إعلانات صاروا ناشرين وملاك صحف
بعض رؤساء التحرير بلا تجربة صحفية، وبعض الصحفيين لم يمارسوا المهنة
قاد العسر بعض صحف الانتفاضة للوقوع في براثن المحظورات الصحفية

د. محمود قلندر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


لا تكفي الأقلام لوصف عائد سنوات صحافة الموالاة خلال أعوام مايو الستة عشر على صحافة الديمقراطية الثالثة التي تلتها...
ستة عشر عاماً من حكم مايو بتنظيمها الواحد المالك للصحافة، فيها نبت جيل من الصحفيين رضع من فنون صحافة الالتزام والتوالي، وشب وهو يمارس صحافة منضبطة، تنشر ما يقال، ولا تتناول بالنقد إلا من لن يؤذيها نقده.
ستة عشر عاماً، كانت كافية لنشوء جيل من الصحفيين لا يعرف الصحافة إلا موالاةً للحاكم والمسئول، ومراجعة للمنتَقَدِ قبل النشر، وانتظاماً لرأي الصحيفة والصحفي وراء رأي التنظيم وقيادته.
وبانتصار الانتفاضة الشعبية، وجد ذلك الجيل من صحفيي مايو نفسه في رحاب حرياتٍ  صحفية أوسع مما استوعبت تجاربه الصحفية.فقد تفتحت أمامه فجأة بيئة ليبرالية لم يعهدها من قبل، ووجد نفسه يغوص في لجج ممارسات صحفية لم يكن له بها عهد، ولا يعرف لها مدى.
وعلى صعيد ثانٍ، جاءت الحرية المستعادة من بعد الانتفاضة، بجماعات من أصحاب المال الذين رأوا في مجال الصحافة -الذي ظل مغلقاً طيلة أعوام مايو الستة عشر أمام الاستثمار والمستثمرين- فرصاً سانحة للتربح ودر المال. فتعاقبت طلبات إصدار الصحف على حكومة الانتفاضة، من أفراد ما اقتربوا عمرهم من العمل الصحفي. فلم تجد  الحكومة بداً – في إطار التزاماتها بالانفتاح الحر- من  فتح الأبواب للراغبين في "الاستثمار" في  هذا المجال البكر.
وتداخل هذا العاملان مع عامل ثالث، هو  الاندياح الواسع للصحافة الحزبية وتمددها بأشكال ومسميات عدة،  إذ عاد بعضها بالمباشرة ، محافظاً على المسمى القديم، بينما جاء بعضها الآخر بالمواربة، متخفياً وراء اسماء ذات دلالات وإيحاءات.
وبتداخل هذه العوامل الثلاثة، دارت ماكينات المطابع خلال عام الانتفاضة، وما بعده من سنوات الديمقراطية الثالثة...لتفرز ممارسة صحفية ما عرفت صحافة السودان في تاريخها مثيلا له..
وعن تلك الممارسة يتركز القول في هذا الحلقة..
***
مع انسداد الستور على مايو بانحياز قيادة الجيش لإرادة الشارع السوداني، انسدلت ستور شبيهة على صحافة الموالاة التي كان قطباها صحيفتان يوميتان. ولكن الصحيفتان لم تغيبا عن الساحة، فلم تغلق أبواب الدارين ولم توقف الصحيفتان عن الصدور، بل غاب رئيسا التحرير فاعتقلا بعد بعض الوقت، واستبدلا برئيسين آخرين.
ولابد من ملاحظة مهمة في هذا الشأن،فقد تم التعامل مع رئيسي التحرير في داري الصحافة والأيام باعتبارهما سياسيين نافذين، لا صحفيين مهنيين. فالصحفيان تم اقتيادهما –بعد أشهر- إلى الاعتقال لينضما إلى شخصيات مايوية كبيرة، من مستوى أبو القاسم محمد إبراهيم وزين العابدين محمد أحمد، والوزراء والنافذين الأعلى في الاتحاد الاشتراكي السوداني، بل ومثل قيادات وضباط جهاز الأمن المايوي.
إن هذا التعامل الفارق مع رئيسي تحرير الصحيفتين، فيه الدليل القوي على رسوخ وثبات ثقافة الصحافة الملتزمة سياسياً- صحافة الموالاة- عبر سنوات مايو الستة عشر، حتى لم يكن لدى المنتفضين على مايو أدنى شك في انهم يتعاملون مع مؤسسات سياسية، أكثر منها مؤسسات صحفية مهامها الرصد المحايد للممارسة السياسية. 
قارن هذا الموقف للمنتفضين على مايو، مثلا، بموقف المنتفضين على نوفمبر.فالصحفيون الكبار الذين كانوا على رئاسة صحف نوفمبر: محمد الخليفة الريفي وعبد الله رجب، ومحمود أبو العزائم لم يتم التعامل معهم رسمياً بعد هبة أكتوبر. بل وقارن ذلك بما فعلته مايو نفسها يوم وقوعها في مايو 69، إذ لم تهتم كثيراً  بتوقيف الصحفيين الذين وسمة صحفهم بموالاة "الرجعية والطائفية والاستعمار"، بل أوقفت جهدها على اعتقال السياسيين والعسكريين.
بقيت الصحيفتان بعد الانتفاضة إذن، تصدران بذات كوادرها الصحفية التي كانت، حتى الليلة السابقة على انبلاج صبح الانتفاضة ، قمة في الانضباط الصحفي والالتزام الصارم "بموجهات التنظيم السياسي الأوحد". فلما انبلج صبح الانتفاضة، بدت الصحافة وكأن قد فقدت بوصلة الاتجاه. ووجد الصحفيون أنفسهم – كمن أُطلِق بعد قيد طويل- يتخبطون يميناً تارة ويساراً تارة، ويميلون بميل الأحزاب التي يستمزجون..
ومع تمدد حمى الصراعات السياسية في البلاد،  زحفت تلك الصراعات إلى الدارين.  ففي الوقت الذي قررت سلطة الانتفاضة استمرار الصحيفتين في الصدور بإشراف وزارة الإعلام، كانت (قوى الانتفاضة) ترفض بقاء رئيسي التحرير باعتبارهما رموزاً سياسية مايوية. فسعت جاهدة لاستبدالهما، بل حاولت "قوى الانتفاضة" في دار الأيام  الذهاب مدى ابعد، وذلك بالسعي نحو فرض رأيها. أما في دار الصحافة فقد حاولت بعض قوى الانتفاضة، فرض إرادتها بما يشبه  "الزحف الجماهيري" في جماهيرية القذافي.
صاحب فوضى السلطة والرئاسة في داري الايام والصحافة، فوضي شبيهة في النشر والتحرير. فقد صارت أعمدة الصحيفتين ساحة لإفراغ ما في النفوس من غضب وغل تمدد عبر سنوات مايو الستة عشر. واشتط الأمر في ذلك حتى نالت المؤسسات القومية – وخاصة الجيش- شيئا من ذلك الشطط..
وفي خضم تلك الفوضى التي بدأت تأخذ بتلابيب الصحافة الرسمية ، وجدت سلطة الإنتفاضة العليا نفسها وهي مجبرة على العودة مرة أخرى إلى مربع السلطوية الذي فارقته البلاد  منذ اسابيع، وقد تمثلت تلك العودة في أمور أربعة:
•       الأول: أخضعت الصحافة لرقابة يومية ليلية، كان قوامها ضباط من فرع التوجيه المعنوي أوكلت إليهم مهام التأكد من خلو الصحف مما يؤذي معنويات المقاتلين ويثبط من همم الجنود الذين كانوا- وقتها- يقاتلون في أحراش الجنوب من كانت بعض الاقلام في الصحيفتين تناديهم بالمناضلين.
•       الثاني: قامت بتعيين رئيسي تحرير من جيل الرواد، سعت بهما لإخماد نيران الفتنة السياسية التي كانت على وشك الحدوث في الصحيفتين، فعاد محجوب محمد صالح إلى الأيام ، وصار على حامد إلى الصحافة.
•       الثالث: آلت سلطة مجلس الصحافة والمطبوعات فيما يتصل بالتعامل مع الصحافة إلى وزير إعلام الانتفاضة محمد  بشير حامد، لتعود بتلك الأيلولة إلى الدولة والحكومة مرة أخرى ، السيطرة على مصائر الصحف والصحفيين.
•       الرابع: أصدرت سلطة الانتفاضة قانوناً للصحافة حمل عنواناً فارقاً عن غيره من القوانين،  هو (قانون الصحافة لسنة  1406 هـ)، وهو قانون لم يتغير كثيراً عن قانون 1973، سوى أنه نزع تلك المواد التي أبقت الصحافة ملكاً للتنظيم السياسي، ولكنه أبقى كثيرا من المواد المقيدة للإصدار، وأهمها الحصول على رخصة الإصدار من الدولة.

***
شكل قانون الصحافة الجديد الذي أقرته سلطة الانتفاضة، صافرة البداية للسباق الذي كان يوشك على البدء في ساحة الصحافة في البلاد. فقد كانت البلاد على وشك أن تشهد هجمة غير مسبوقة على المهنة،فيها تقدم للحصول على رخص الإصدارات الصحفية أصناف شتى من الناس، منهم:
•       أصحاب دور نشر صحفية وملاك صحف سابقون، وصحفيون ممارسون للمهنة وقتها،
•       رجال أعمال لم يسمع بهم أحد من قبل في بيئة مهنة الصحافة..
•       أصحاب دور للإعلان، ووكلاء إعلانات كانوا دوماً في هامش العمل الصحفي.

وبمثل هذا التنوع في الساعين للحصول على رخص إصدارات صحفية، يومية أو أسبوعية أو أقلها، كانت ملامح الفوضى الصحفية، منذ بداية الانتفاضة وحتى عام 1989، قد بدأت في التشكل..
ولعل في الجدول التالي، المأخوذ من دراسة حول صحافة الفترة المذكورة، ما يشهد بحجم العزم على اقتحام الصحفيين وغير الصحفيين للمهنة خلال عام الانتفاضة وسنوات الديمقراطية الثالثة.
لقد بلغ العدد الكلي للإصدارات  ما يلي:

منتظمة الصدور

غير منتظمة

لم تصدر/توقفت

المجموع

يومية

24

4

13

41

نصف اسبوعية

5

1

-

6

اسبوعية

16

14

31

61

نصف شهرية

1

1

7

9

شهرية

-

5

12

17

اجمالي

134




القراءة المدققة للجدول المعروض، مهمة للوصول إلى واقع الصحافة في البلاد خلال السنوات الثلاثة الأربعة منذ الانتفاضة وحتى استلام الإنقاذ للسلطة في يونيو 89. 
فإذا استبعدنا الإصدارات التي لم تنتظم أو لم تصدر أو توقفت، وأخذنا في الاعتبارفقط الأصدارات المنتظمة (العمود الثاني)، فإنه يمكن القول بأن البلاد كانت تعج بما يقارب الخمسين إصدارة...
ورغم أن الجدول لا يحدد تخصصات الصحف، فليس صعباً القول أن معظم هذه الصحف الخمسين، كانت في حاجة إلى استيعاب صحفيين يباشرون العمل في تلك الإصدارات.
ومع كامل التقدير للصحفيين المهنيين الذين كانوا فاعلين في ساحات العمل الصحفي وقتها، يمكن القول بأن الصحف التي غزت سوق  العمل وقتها، انفتحت أبوابها لغيرهم ممن لم يمارس المهنة قط، أو من كان على هامشها دون ممارسة فاعلة لها. وهكذا كان "بروفايل" بعض الصحف يبدو كما يلي:
· بعض تلك الإصدارات جاءت رئاسة التحرير فيها بأسماء لم يسمع بهم أحد من الصحفيين من قبل
· بعضها جاءت بكوادر في هيئات التحرير لم يمارس معظمها المهنة
· وبعضها ذخربخريجين جدد، لم تتعد خبراتهم الصحفية حدود التلقي النظري في قاعات الدراسة في كليات الإعلام واقسامه بالكليات.

بمثل هذه الكوادر دارت ماكينات العمل في عدد من الصحف في فترة ما بعد الانتفاضة، فماذا كانت الثمار؟

***
واحدة من الصحف التي بادرت بالسعي لمعاودة  الصدور- بعد الانتفاضة مباشرة-  صحيفة ألوان.
وللتذكير، فقد كانت ألوان تصدر في زمان الصحافة المايوية باعتبارها صحيفة ثقافية رياضية، من ذات صاحبها ورئيس تحريرها...
ومن ثم فلما جاء قانون الصحافة الجديد في ظل الحكومة الانتقالية، تم التصديق لها بالصدور، بيد أن الصحيفة سرعان ما بدأت تتكشف "ألوانها" السياسية، الأمر الذي جعل وزير الإعلام وقتها- محمد بشير حامد- يعيد النظر في رخصتها. وهو أمر تم النظر إليها يومه، في إطار صراع السياسة وقتها بين يمين ويسار.
ومهما كان من أمر الانتماء، فقد كان سحب رخصة إصدار صحيفة، عملا  لايشبه مرحلة سياسية تنتقل بالبلاد نحو الحريات الأقصى، بل هو أشبه ما يكون بعهود الهيمنة  والشمول.
وغير بعيد من ذلك الفعل، كانت ممارسات وأفعال شتى شهدتها السنوات الممتدة من عام الانتقال وعبر أعوام الديمقراطية الثلاثة...وهي كلها أعمال  صبت في الأفعال الصحفية غير السوية.. وهي أفعال وممارسات يمكن تلخيص بعضها على النحو التالي:
· مع ازدياد الإصدارات  الصحفية، زادت الضغوط على المخزون الشحيح من ورق الطباعة ومدخلاتها الأخرى، والتي كانت في أساسها متوافرة في البلاد بحجم حاجة الصحيفتين الرسميتين تحت مايو، الأيام والصحافة. ومع شح مدخلات الطباعة، سعت بعض الصحف لاستيراد تلك المدخلات. ولما كانت قوانين الاستيراد في البلاد تحكم نوزيع العملة الأجنبية على المستوردات، فقد صار المنح والمنع للعملة الصعبة، رهيناً بالمواقف السياسية للصحيفة، وبقربها أو بعدها من المتحكمين في أمر الموارد المالية..
· صارت إعلانات الدولة – على قلها وشحها- مصدراً آخر من مصادر الضغوط المستترة على الصحف من  الذين صارت إليهم مصائر الوزارات والمصالح الحكومية. فازدياد المعروض من الصحف، قاد إلى ضعف البيع، الأمر الذي جعل الإعلان وحده العامل المنقذ للصحف من التواري والاختفاء.  ولما كانت الإعلانات الحكومية هي عماد الإعلانات الصحفية، فقد أصبح منحها ومنعها رهيناً بالرضى على الصحفي او الصحيفة.
· مع ضمور البيع، وتصاعد تكلفة الطباعة، وشح مصادر الإعلان، سقطت قليل منتلك الصحف التي انتمى أصحابها إلىفئات رجال الأعمال والمستثمرين الذين وفدوا إلى المهنة بأحلام الفرص الذهبية، في براثن الخطايا الصحفية. فقد صارت بعض الصحف، نوافذ للدعاية مفتوحة لبعض السفارات التي لم تتوانى في استغلالها إلى المدى الابعد. فصار من المألوف نشر صفحات أو نصفها تحايا وتهاني في أعياد ومناسبات وقضايا خاصة ببلدان تلك السفارات. بل ذهبت بعضها مدى أبعد، فصارت أشبه بنشرات العلاقات العامة لبعض السفارات، تنشر صغير أمورها وكبيرها، وتسبح بحمد كبارها بمناسبة وبدونها.
***
تلك كانت صحاف الانتفاضة، فماذا عن الصحافة الحزبية في سنة الانتفاضة، وأعوام الديمقراطية الثالثة الثلاث؟