مايو وصحافة الموالاة (ب):
طي الصحافة تحت جناح التنظيم السياسي
تحققت موالاة الصحافة عبر عضوية قياداتها في الاتحاد الاشتراكي
رغم الموالاة،صودرت صحيفة الصحافة وأقصي رئيس تحرير الايام
"وزارة السودان للأنباء" كانت حارس البوابة الأعظم وأسهمت في وحدانية الصحافة
د. محمود قلندر
انتهى عهد الصحف المستقلة في "مايو الثورية" بامتلاك الدولة للصحافة وتأسيس داري الصحافة والأيام، وصدور صحيفتين يوميتين فحسب. وبذلك دخلت الصحافة السودانية عصراً جديداً يحق لنا أن نسميه بعصر الموالاة. وهو العصر الذي أفضى في منتهاه، بعد 14 عاماً (1985)، إلى سيادة فوضى عارمة –كما سنبين- في واقع الصحافة السودانية عقب انتفاضة أبريل.
كانت أهم ملامح  عصر الموالاة هو فهم القيادات المايوية لدور ومكانة الصحافة باعتبارها أداة "تعبئة الجماهير" الأولى، وهو ما يلزمها أن تكون قريبة جداً من صناع القرار لتكون لسانهم المعبر وصوتهم الأقوى في "حركة الثورة".
بهذا يمكن تفسير اختيار مايو الأولى لقيادات العمل الصحفي بعد التأميم مباشرة. فقد انعقدت حواجب الدهشة عند الصحفيين الذين تم توزيعهم على الدارين الجديدتين، والآخرين الذين وجدوا انفسهم محشورين في "سونا" الجديدة، أو وكالة التوزيع أو غيرهما من المواعين التي استحدثتها النقلة العنيفة في واقع الصحافة السودانية، انعقدت حواجب دهشتهم وهم يبصرون على قمة الدارين الجديدتين شخصيتين لم يعرفوا لهما ماضٍ من الممارسة الصحفية. 
وكان واحد من هذين هو جمال محمد أحمد- الدبلوماسي الأديب طيع القلم،أنيق العبارة ، ولكنه لا يمت للصحافة إلا بصلة النشر لمقالاته الأدبية رفيعة اللفظ بليغة العبارة.
وكان ثانيهما موسى المبارك،السياسي الذي تمرد على حزبه ومرق- هو وزملاء له – من تحت عباءاتين وبدلة: عباءة السيد، وعباءة الشيخ، وبدلة المعلم..وهو سياسي لم يعرف عنه اقتراب من عالم الصحافة إلا مصدراً لخبر أو صانعاً لحدث.
وجاء الإثنان مصحوبين بمجلسين للإدارة ينمان عن حقيقة رؤية مايو (الراديكالية) للصحافة ومكانتها. ازدحم المجلسان بسياسيين، صار بعضهم –بعد حين قليل- في قمة التنظيم السياسي الوليد، كمنصور خالد وجعفر محمد علي بخيت، وأحمد عبد الحليم. وغاب عن المجلسين الأولين أي من الصحفيين المخضرمين المتمتعين بأوسع الاحترام وسط صحفيي ذلك الوقت، فلا أحمد يوسف هاشم، ولا اسماعيل العتباني، ولا بشير محمد سعيد.
أما محجوب محمد صالح فقد آثر الاستعصام بإدارة مؤسسة الدولة للصحافة، نائياً بنفسه عن الفعل الصحفي الحقيقي.
والواقع أن مايو كانت منذ بدايتها الراديكالية وحتى تجذر الاتحاد الاشتراكي عام 1973، مضطربة في تعاملها مع الصحافة، فقد تقلبت –منذ تأميمها- بين يدي مشرفين عليها، (إقرأها حارسين لها) عدة. فبعد أن كانت مؤسسة الدولة للصحافة هي حارسها الأول في عام التأميم الأول (1970)، انتقلت إلى وزارة الإعلام عام 71، ثم إلى مجلس قيادة الثورة منتصف عام 71، ثم الرقيب العام عام 72، ثم عادت في نفس العام إلى وزارة الإعلام، حتى جاء عام 73 حيث صارت الصحف ملكاً للاتحاد الاشتراكي.  
***
والواقع أن قراءة مجالس الإدارت المختلفة والمتعاقبة للدارين الصحفيتين،مهمة جداً لكي نفهم منحى تطور العلاقة بين مايو والصحافة.. فقد كانت تجربة رؤساء مجالس الإدارات، غير الصحفيين بتاريخهم، والفاعلين في مجال التحرير، تجربة جد فريدة.
صار لجمال محمد أحمد، مقالات راتبة في الصحافة سعى من خلالها إلى جسر المسافة بين السياسة والأدب، فغلبت طبيعته -في محاولته تلك-  تطبعه. 
وصار موسى المبارك رئيساً لدار الايام، ولكنه قصردوره على الإشراف الإداري وأبعد نفسه عن الجوانب المهنية تاركاً إياها لرئيس التحرير وبقية الصحفيين.
ثم صار الدكتور جعفر بخيت، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد، وأحد عرابي الاتحاد الاشتراكي، رئيساً لمجلس إدارة الصحافة، وكاتبا لافتتاحياتها، ومندوباً لها يمدها بالأخبار من القصر الجمهوري ورئاسة مجلس الوزراء ومكاتب الاتحاد الاشتراكي..فصار له ما يمكن تسميته ببدعة صحفية أسماها "أخبار ستكون" أو مايشبه، وهي من شاكلة تلك المعلومات التي يستبق الصحفيون الحدث بنشر معلومات عنه، دليلاً على قربهم من مصادر الأخبار في الوزارات والمؤسسات. 
وفي وقت آخر آلت رئاسة مجالس الإدارة  للدارين إلى عسكريين إثنين، ولكنهما ليسا من عموم العسكريين، بل هما عسكريان شاعران مرهفان، تغنت بشعرهما أعذب الأصوات: عوض أحمد خليفة، صاحب (عشرة الأيام)،  والحسين الحسن، صاحب (حبيبة عمري). وبالرغم من أن رئاسة الحسين لمجلس إدارة الصحافة كانت قصيرة، إلا أن عوض أحمد خليفة ظل في موقع الرئاسة الفاعلة في دار الأيام، وسود صفحاتها بالشعر وبغير الشعر، فحرر فيها باباً -وقعه بواحد من اسمائه المحببة إلى أقرانه-يمكن تصنيفه باعتباره شكلا من أشكال النوستالجيا الاجتماعية.
وفي زمان آخر.. جاء "روسو"آخر من مفكري الاتحاد الاشتراكي، منصور خالد،رئيساً لمجلس إدارة الصحافة، فنثر مع رئاسته للدار بعض المعطيات الحضارية: سعى للاقتراب بالدار من مثيلاتها المتقدمة في العالم، فسعى لأتمتتها بما أمكن، وبدأ في بناء "بنك معلومات" ، وأشاع في الدار روحاً من الانضباط غير المستحب لدى الصحفيين الذين قامت حياتهم على ما يشبه الفوضى.
أما الأيام، فقد جاءها –في زمانين مختلفين- رئيسان آخران من قلب التنظيم السياسي، بدر الدين سليمان وأحمد عبد الحليم، فآثر الإثنان إبقاء نفسيهما بعيدين عن الأفعال الصحفية المباشرة، ولكنهما نشرا ظل التنظيم السياسي الثقيل على الدارين، من حيث الالتزام الصارخ بموجهاته، وإبقاء المنقصات السياسية من نقد الأجهزة والمؤسسات، ونشر خبايا صراع الأجنحة وخلافات المجموعات، إلى أدنى مستوياتها. 
ولم تدم رئاسة ياسين عمر الإمام للأيام كثيراً فقد جاءها في خضم المصالحة الوطنية، وغادرها حين احتد صراع القدامي والقادمين يعد وقت قصير..
***
وماذ عن رؤساء التحرير في الدارين؟
لم يكن ممكناً ان تتجاوز مايو الصحفيين حتى على مستوى العمل المهني التحريري، ولهذا فقد نثرت كنانة الصحفيين السودانيين لتنتقي منها رؤساء للتحرير.
ولما كانت الايام الأولى هي سنوات الراديكالية، فقد تجاوزت مايو كل الأسماء الصحفية المخضرمة، والتي كانت –بحكم تاريخها الصحفي تحت الأنظمة الليبرالية- غير مأمونة الالتزام، وربما غير المضمون رغبتها في المشاركة، بل وتجاوزت مايو حتى تلك الجماعة الصحفية التي أعانت على وضع خطة التأميم ودبجت للنظام مبررات القبض على الصحافة. تجاوزت مايو هؤلاء وهؤلاء، وتوجهت  بدلا منهم إلى من تضمن التزامهم اليساري بحكم الماضي والهوية... فوقع اختيارها على محمد الحسن أحمد، والفاتح التجاني. واختارت مايو آخرين لرئاسة إصدارات أخرى لم تنل كثير حظ من الثبات، منهم محمد أحمد عجيب.
ولا يتضح مدى غموض موقف مايو من الصحافة إلا في حالة موقع ومسؤوليات رؤساء تحرير صحيفتيها. فقد بدأت باختيار رؤساء تحرير بدت مسئولياتهم –تحت رؤساء مجالس الإدارات المتنفذين- أشبه بمسئوليات مدراء التحرير في الهياكل التحريرية لدور الصحف المستقلة، حيث كانت كلمة رئيس مجلس إدارةمن مثل جعفر بخيت ومنصور خالد أعلى أثراً في الساحة من رؤساء التحرير.
ولم تكن العلاقة بين رؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات سهلة هينة، بل أدت القرارت الإدارية المرتجلة لعدد من رؤساء مجالس الإدارات إلى أن يهجر صحفيون واعدون (في وقتهم) المهنة، كعبد الله الجبلي، ومحمد أحمد عجيب، والطيب شبشة، كما أن تلك القرارت الإدارية لرؤساء المجالس قفزت بعدد من صغار الصحفيين إلى مواقع هيأت لهم بعد زمان قصير، أن يكونوا قيادات صحفية دون أن تشكلهم ماكينات العمل الصحفي في قوالبها المرهقة كما ينبغي.
ولم يكن حال الأستاذين محمد الحسن والفاتح التجاني، وهما رئيسا تحرير تحت رؤساء مجالس إدارات يرسمون السياسة التحريرية للصحيفة، ويوجهون العمل الصحفي اليومي، بل ويكتبون الافتتاحيات والمقالات السياسية، يسرهما كثيراً.ولعل  من الممكن تعليل سبب  استقالة محمد الحسن أحمد بهذا الواقع، فقدوجد الرجل نفسه متقلباً بين يدي رؤساء مجالس إدارات متباينة مشاربهم من شاكلة الحسين الحسن وعون الشريف قاسم، فتقدم باستقالة من رئاسة تحرير الصحافة، بينما دفعت الأحداث والمواقف الفاتح التجاني إلى غير رئاسة التحرير، مديراً لهيئة الإذاعة والتلفزيون، ووكيلاً لوزارة الإعلام تارة أخرى.
و مع ذلك التقلب في مكانة الصحافة في النظام، وجد صحفيان مهنيان، هما فضل الله محمد وحسن ساتي نفسيهما، ليسا رئيسين للتحرير فحسب، بل ورئيسين لمجلسي الإدارة، وفوق ذلك، عضوين باللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، الجسم الأكثر نفوذا في منظومة التنظيم السياسي. وكان هذا الترفيع لرؤساء التحرير المهنيين إلى أعلى مواقع العمل السياسي هو المنتهى الذي وصلت إليه مايو (الثانية) في مسار علاقتها بالصحافة، إذ انتهت بدمج الموقعين (رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير)، ثم  رفعت المنصب إلى مصاف سياسي يقترب – في هيكل الوظائف والرواتب- من الوزراء في الحكومة.
***
وماذا كان حال العمل الصحفي وحال الصحفيين؟
يمكن القول بأن مايو الأولى أقبلت على الصحافة والصحفيين بسيف بتار. فالقيادات الصحفية التاريخية للصحف الحزبية والمستقلة على حد سواء لم يكن لها بالطبع أي مكان في الساحة الملتهبة- وقتها- بالثورية. ولذلك، فقد انسحبت كافة الرموز الصحفية التاريخية، وبقي قليل منهم، كانوا بالمواربة عوناً للنظام الجديد في رسم مستقبل سياساته تجاه الصحافة والصحفيين، وهم اعضاء لجنة "مستقبل الصحافة" التي وضعت قواعد تأميم الصحافة.
أما الصحفيون الآخرون، فقد خضعوا لعد من الإجراءات، فاللذين تم توزيعهم على الدارين خضعوا للفحص الدقيق على يد لجان عرفت بلجان قيد الصحفيين، كانت تقوم بعمليات تشمل التحري الأمني بحثاً عن ماضي التزامٍ حزبيٍ، أو اقتراب من الأحزاب "الرجعية". وبموجب مثل تلك الصلة، أبعد عدد من الصحفيين من الانضمام للدارين وصحفهما، فابتعد بعضهم عن العمل الصحافي، بينما هجر بعضهم البلاد.
ثم انضم صحفيون جدد، جرت تعييناتهم من قبل الإدارات الجديدة في الدارين. فقامت دار الصحافة في عام 1975، بأكبر عملية رفد للجسم الصحفي بجامعيين،أسماهم جعفر بخيت في أحد مقالاته بانهم "الاربعة عشر كوكبا".  وهي المجموعة التي انضمت إلى فضل الله محمد وشريف طمبل، وضمت شخصيات صارت في مقبل العقود من السنوات قيادات صحفية، مثل نور الدين مدني، والشيخ درويش، والرشيد حميدة ومحمد عثمان (دبايوا). ولم تبق الكوكبة أربعة عشر، فقد انسحب بعضهم من المهنة مع مضي السنوات قليلة لأسباب متفرقة منهم علي صديق محمد سليمان شاهين. 
أما في الأيام، فقد كان أبرز المنضمين إلى كوكبة صحافييها حسن ساتي الذي صعد حتى رئاسة تحريرها ومجلس إدارتها. 
وتحت واقع الانضباط السياسي الذي صار إليه حال صحافة الاتحاد الاشتراكي، صارت الأيام والصحافة أشبه بطائري بطريق، لا يمكن تمييز واحد منهما عن الآخر. فقد كانت الصحيفتان شبيهتان في كل شيئ حتى صار ذلك التشابه مصدراً للهزل في البرامج الفكاهية والمسرحيات، مما اضطر أجهزة سياسية وتنفيذية لإخضاعه للنقد والنقاش، وقال فيه قولاً سالباً حتى الذين كانوا من رواده –كالفاتح التجاني- الذي صار وقتها ذا مسئولية سياسية في الاتحاد الاشتراكي ووزارة الإعلام. 
وفي الوقت الذي كانت صحافة الخرطوم العربية تشكو من "الوحدانية" في الشكل والرأي والخبر، كانت الصحافة الجنوبية المكتوبة باللغة الانجليزية، والتي ولدت بقوة دفعٍ محركها الأساس اتفاقية الوحدة الوطنية،  تشكل واحة من الصحافة اللبرالية، فيها النقد وبسط الآراء المناهضة للحكومة والنظام السياسي. بل إن الذي قاد نقد الصحيفتين العربيتين هي مجلة سوداناو، الصادرة بالانجليزية من وزارة الإعلام. فقد نشرت المجلة تحقيقاً مطولا أسمته "محكمة شاملة للصحافة"، هاجمت فيها تلك "الوحدانية" التي تميزت بها ممارسات الصحيفتين، واستطلعت آراء سياسيين وأساتذة إعلام وصحافيين، وحتى رؤساء تحرير الصحيفتين بحثاً عن الإجابة..
وكانت أبرز التعليقات تعليق الدكتور الطيب حاج عطية، أستاذ الإعلام بجامعة الخرطوم، والذي قال إن الصحيفتين ما هما إلا نشرتان داخليتان توزعهما الدولة. بينما برر رئيسا التحرير الواقع منسوباً إلى غياب التدريب مرة، وحذر السياسيين من التعامل الشفيف مع الصحافة، مرة ثانية. 
تدجنت الصحافة في مايو حتى صارت الصحف ورؤساؤها موظفين حكوميين، وصار رؤساء التحرير (رؤساء اليوميتين والصحيفة العسكرية) أعضاء دائمين في رحلات رئيس الدولة الخارجية، وتوازت ديمومتهم مع ديمومة رجال الأمن والمراسم، حتى نمت فيما بين الثلاثة صداقة، ساهمت في بعض الحالات في مرور بعض المعلومات الصحفية كاملة الدسامة، والتي لم يستطع رؤساء التحرير بحكم "الانضباط السياسي" (سمها الرقابة الداخلية إن شئت) من نشرها أو التعليق عليها.
***
هل كانت سنوات صحافة مايو المدجنة، وصحفيو تلك السنوات بلا مواجهات بينهم وبين النظام أو بينهم وبين شخصيات من النظام؟ 
قد يقول قائل، وكيف يكون خلاف والصحافة يملكها النظام، والصحفيون موظفون في النظام تحكمهم اللوائح والقوانين؟
للإجابة، قد يفيد إيراد وقائع  ثلاث في هذا الصدد..
الواقعة الأولى هي نشر الأيام لخبرٍ ترتبت عليه تغييرات في رئاستيها: مجلس الإدارة ومجلس التحرير 
والثانية هي مصادرة الأمن لصحيفة الصحافة عام 1983.
والثالثة: المواجهات ذات البعد السياسي بين اتحاد الصحفيين وبين النظام.  
اما الأولى، فقد حدثت عندما نشرت الأيام خبراً اعتمد على خطاب القاه حاكم الإقليم الشرقي، عبد الله الحسن الخضر، تضمن كلاماً عن دعوة بأن يكون مستقبل الرئاسة في البلاد مبنياً على مجلسٍ قوامه حكام الأقاليم. بكل ما في ذلك من معاني استبدال الشكل الجمهوري الرئاسي المركزي، بما يخالف الدستور وقتها. وقد أدى ذلك النشر يومها إلى أن يقيل التنظيم السياسي رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير: أحمد عبد الحليم وإبراهيم عبد القيوم.وكان ناتج هذا التحول، هو قدوم حسن ساتي رئيساً للتحرير بالإنابة، ويسن عمر الإمام ثم محجوب علي رئيساً لمجلس الإدارة..
أما الواقعة الثانية، فقد كانت الصحافة هي مسرحها. فقد نشرت الصحافة خلال أيام الزخم المصاحب لقرارات تطبيق الشريعة، خبراً مفاده أن  قانوناً جنائياً جديداً على وشك الصدور. وقالت الصحيفة إن القانون سيستبدل القانون الجنائي الساري بقانونٍ يقوم على القوانين الحدية المثيرة للجدل وقتها. ولما لم يكن القانون قد صدر بعد، فقد اعتبر ذلك النشر تجاوزاً يستوجب سحب الصحيفة من التوزيع. وكانت تلك أول مرة في عصر مايو، تخرج فيها سيارات النظام لتصادر صحيفة النظام نفسه. وكادت تلك الحادثة أن تؤدي إلى استقالة فضل الله محمد، رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير.
أما الواقعة الرابعة، فقد كانت بحق هي المجابهة الحقيقية الوحيدة بين الصحفيين -ممثلين في نقابتهم- وبين النظام المايوي. فقد كانت نقابة الصحفيين جزء من التكوينات النقابية التي أقرتها مايو، وقام بموجبها قانون خاص بها. وكانت النقابة في سنوات السبعينيات، نقابة "ملتزمة" بمقايس التزام ذلك الزمان. بيد أن عودة النقابة في الثمانينات جاءت ومعها صراعات شقت النقابة بين مجموعتين، موالية  وأخرى لها رأي مغاير. وحينما فازت نقابة الرأي الأخر، شاطت الدولة غضباً وقامت بحل النقابة بقرار جمهوري، ومن ثم لم تقم للنقابة من بعد ذلك قائمة..
***
"وزارة السودان للأنباء "
ذلك هو الاسم الذي كان يطلقه بعض الصحفيين على وكالة السودان للأنباء، سونا. فلم تكن الوكالة –كما يوحي اسمها- مجرد وكيل بين صانع الخبر ومستهلكه وهو الصحافة. فقد ابتلعت وكالة أنباء السودان، بعد التأميم، كافة الوكالات الموجودة في البلاد وقتها، وضمت إليها عددا من الصحفيين المقتدرين الذين كانوا يعملون في الصحف اليومية، والذين قامت بتحويلهم إليها لجان القيد التي تبعت التأميم. وخلال سنوات مايو الثانية، تمددت مهام الوكالة لتتجاوز مجرد بيع الاخبار، فصارت هي التي تمد الرئيس والوزراء وكبار المسئولين ليس بالأخبار فحسب، بل بالمعلومات ذات الطابع السري، والتي برعت الوكالة في حصولها من المصادر. وأكثر من ذلك صارت (سونا) مؤسسة لها ظلالها الأمنية، فقد لعبت دوراً مهماً يوم وقوع أول محاولة إعادة انفصال الجنوب عبر محاولة الانقلاب في جوبا، كما انها لعبت فيما بعد أدواراً شبيهة في حوادث مثل أحداث يوليو 76، وحادثة اختطاف وتحرير الرهائن في جبل بوما. وكان لسونا طاقم رئاسي – على أهبة الاستعداد في كل وقت- يسافر مع الرئيس في كافة رحلاته الداخلية والخارجية، وتتجاوز مهامة مجرد نقل أخبار الرحلات.
ونتاجاً لذلك أغدقت الدولة على سونا من الموارد ماجعلها، لبعض الوقت، واحدة من الوكالات الأحدث في معداتها وأمكاناتها في القارة، وصار قربها من القصر والرئيس سبباً في أن يكون مدير الوكالة، وزير دولة..
وكانت سونا أكبر حارس بوابة إعلامية في تاريخ السودان، فكل الوزارات والوزراء لا تعرف إلا الوكالة، وكلا الصحيفتين وغيرهما من وسائل الإعلام كان مصدرهما الأوحد للأخبار هو سونا، إلا بعض نشاط من بعض صحفييين. 
وبفعل دور الوكالة، صارت الصحيفتان "طائرا بطريق"، لا تميزهما المشية ولا الألوان..
وبمثل تلك البوابة الراسخة، صارت الصحافة في مايو صحافة للتوالي.. 
لا تنشر إلا ما تجود به "وزارة السودان للأنباء"
***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.