مسلك غير ديمقراطي لحكومة أكتوبر مع الصحافة

رفعت أكتوبر سقف الحرية،فأسقطته الحكومة الحزبيةعلى الصحافة

أغلقت حكومة الديمقراطية الثانية الصحف، وجرتالصحفيين للمحاكم، ثم أصدرت صحيفة "الجمهورية" الحكومية

قد لا يصدق كثيرون أن أكتوبر الثورة التي اشعل فتيلها شباب الستينات تطلعاً للحرية من بعد سنوات الكبت والحجر الستة، والتي دخلت التاريخ بأنها الثورة الشعبية الاولى في القارة الإفريقية التي صرعت نظاماً عسكرياً بقوة الكلمة وصلابة الارتصاص في الشوارع، أكتوبر التي فتحت أوسع أبواب الحرية والممارسة الديمقراطية للأحزاب.. هي نفسها، أكتوبر التي قضم المستفيدون منها نصف كعكة الحرية، فنزلوا بيد ثقيلة على بعض الصحافة وبعض الصحفيين..

وبداية حكاية الهجمة الأكتوبرية على الصحافة تبدأ مع لحظات التخلق الأول لأكتوبر الثورة..

ففي أيام الفوران العظيم الثلاثة، 21 إلى 24 أكتوبر، كان موقف الصحف والصحفيون كموقف كل أبناء الوطن المتطلعين لزوال صخرة  الكبت من فوق الصدور. ولهذا فقد التقى رهط من الصحفيين الرواد: بشير محمد سعيد، محجوب محمد صالح، العتباني، عبد الرحمن مختار، حسين عثمان منصور، فضل بشير، عابدين محجوب لقمان، ومحمد مكي، وتعاهدوا على المضي على طريق الجماهير.  فأصدروا بياناً شهيراً سند ثورة الشعب مثل ما فعلت بيانات مثيلة منالقضاة والأطباء والمحامين، فكانت –كلها- بمثابة العضد الذي استند عليه شباب الثوار وهم يرفعون العقائر بالهتاف في طرقات العاصمة وكل مدن السودان ..

وكان من الملفت في بيان الصحفيين الرواد يومها  ما يلي:

"إن الصحافة السودانية لا تستطيع أن تؤدي واجبها في خدمة الأمة وهي مكبلة بالقيود في مجتمع تنعدم فيه الحريات العامة، وهي بذلك تأبى لنفسها هذا الوضع وتصر على تأدية رسالتها كاملة."

واعتماداً على المعاني الواردة في تلك الفقرة من البيان، فإنه من الممكن القول بأن الصحافة السودانية – ممثلة في عناصرها القائدة يومها- قالت  أنها لن تستمر بمثل هذا الكبت لصوتها، كما أنها قالت أنها لن تتوانى عن أداء مهمتها  ورسالتها..

هل كان الصحفيون يعلنون بذلك عزمهم على عدم الصدور تحت الضغوط ؟ أم أنهم قالوا بعزمهم على الصدور مهما كانت النتائج..؟

كان هذا الاختلاف في قراءة البيان سبباً لمواقف مختلفة بين مدرستين صحفيتين يومها..وقفت كل منها موقفاً، نتج عنه فيما بعد مواقف سياسية ضد بعض الصحف، صارت بها لأكتوبر زَلَّةً غير ديمقراطية.

مساء ذلك اليوم المليء بالأحداث، وردت للصحف من وزارة الداخلية، تلك الخطابات  الكاكية بختم الشمع الأحمر الرسمي،طالبة أن لا تنشر الصحف أو تشير للحدث، الذي لم يكن لصحيفة لها قدر من المهنية والاحتراف، أن تتجاهله.

وحين وجدت الأيام أنها مفروض عليها- بموجب المغلف الكاكي- ألآ تذكر ما يجري من أحداث دامية على بعد أميال قليلة من مكاتبها، أجمع فرسانها الثلاثة على أنه لا ينبغي لهم  أن يصدروا في مثل ذلك الجو الخانق...

فغابت الأيام صباح أكتوبر الثاني.

أما العديد من صحف تلك الايام السيارة، فقد آثرت الالتزام بما هو مفروض عليها.. فصدرت صحف الرأي العام والصحافة والسودان الجديد، وهي تحمل كل ما جمعت من أخبار الدنيا، إلا أخبار الدم المسال على بعد خطوات، في  داخليات البركس..

ثم جاء اتفاق بين عمداء الصحافة- يحدث به عبد الرحمن مختار- فيه تم الاتفاق على الصدور الجمعي من كل الصحف للبقاء صوتاً للثوار ولكن - كما يقول مختار- وجدت الصحافة نفسها في اليوم التالي وقد صدرت وحيدة. لا يقول أحد لماذا، ولكن يمكن التقدير بظروف الإحكام القاهر لحظر التجوال، من قبل السلطة التي وجدت نفسها قطة محصورة في ركن، تنذر بالوثوب المؤذي على الجميع.

ولما كان ثيرمومتر المشاعر الثورية الملتهبة في أعلى درجاته في تلك الأيام،  فإن ذلك الاحتجاب من الأيام صار محمدة لها، رفعتها في وجدان الجماهير الثائرة إلى مصاف البطولات ،بينما صار صدور الصحف التي آثرت الصدور سبة عليها، فجرى تصنيفها في صف المذمومات السياسية الكثر،التي راجت في تلك الأيام.

ثم أن الفوران الثوري بلغ مدىً أبعد في المقبل من تلك الايام، إذ تحولت المواقف والمشاعر إلى أفعال... فنال الصحف والصحفيين الذين ناشتهم سهام الاتهام بخيانة الثورة والعمالة للعسكر أكثر من كلمات، فقد طالتهم بعض الأيدي بالحصب للدور والتهديد باقتحام الدور وتحطيمها،  عقاباً على "العمالة" للعسكر و"الخيانة" لثورة الشعب..

***

لا ترمي هذه الحلقات إدانة أو تبرئة أي من صحف تلك الفترة، ولا  مقصدها تصنيف الثوري منها والرجعي..

بل الغرض أن تشير إلى أثر حادثتي الاحتجاب والصدور –احتجاب الأيام وصدور الصحافة وزميلاتها-  على  سلوك الحكومات الحزبية التي ستقعد في مواقع المسئولية بعد أشهر معدودات... بل وسلوك الحكومة الأكتوبرية التي انتزع لها الشعب كراسي الحكم من تحت مقاعد عسكر نوفمبر..

فالحكومة الثورية الأولى كانت، بالمجاز والمعنى، تلتهب بالثورية في قراراتها... فبدت كأنها "كميونة باريس"، يتوالى اعتسافها على الأفراد والجماعات، إيقافاً أو بتراً:

رفعت سيف التطهير الثوري لتزيح الوكلاء الدائمين والإداريين الأعلى، لكونهم كانوا "بقايا" الحكم العسكري..

فصلت من الجيش عدداُ من نجومه اللامعة، بحجة أنهم ذراع الحكم في القهر والبطش..

نسخت بجرة من قلم الإدارة الأهلية باعتبارها موروثاَ استعمارياَ وأداة لتكريس القهر الاجتماعي..

ثم نزلت الحكومة الثورية على بعض الصحف وبعض الصحفيين الذين سلقتهم الألسن الثورية بأنهم إما كانوا لصيقين بالعسكر وسياساتهم إلى حد التواطؤ، أو كانوا لساناً وشفاهاً لهم. وكانت شواهد تلك النزلة الثورية:

توقفت بقوة المد الثوري بعض الصحف عن الصدور...أهمها الصحافة والصباح الجديد وأنباء السودان والناس. وصار أصحابها وأقطابها –زوراً أو حقاً- موسومين بموالاة العسكر،  ونصرته بالقول أو بالموقف..

تراجع عن ساحة العمل الصحفي صحفيون كانوا قد وصموا بالعمالة والخيانة وما شابه، فآثر بعضهم "رزقا" آخر، بينما انتظر بعضهم بضعة أشهر، ليعودوا ويعاودوا في ظل الحكومات الحزبية التي بدت- وقتها- وهي أكثر عقلانية من الثورية الأكتوبرية لحكومتي سر الختم الخليفة. بينما كمن بعضهم إلى أن جاء حكم العسكر الثاني، فكانوا بعض عقله في أمور الصحافة والصحفيين.

بذلك الفعل، تكون أكتوبر، الثورة التي ولدت من أفواه الشباب المتعطش للحرية، قد ارتكبت جرماً ثورياً.. إذ انقلبت على ذاتها بفعلٍ بارادوكسيٍ مجافٍ لصميم أهدافها وتطلعاتها. فقد كانت الحرية المسلوبة من الشعب – أفراداً وأحزابا وتنظيمات وصحافة- هي اللهب الذي نفثه الشعب الثائر في وجه نظام العسكر حتى تساقطت أركانه..ولكن الحرية غابت عن فعلهم حين أجبرت "كميونة" الثوار،صحافة وصحفيين على التواري وسلبتهم باسم الحرية، الحرية: حرية العمل الصحفي.

***

"الكميونة" الأكتوبرية، واجهتها عواصف ورعود من لدن القوي التقليدية ( الرجعية والطائفية بجارغونات ذلك الوقت). فلم تلبث أن تهاوت بعد أشهر معدودات، وحل محلها حكومةٌ أقطابها أولئك الذين وسمهم عبود "بأسباب الفوضى" في خطاب دلوفه الأول إلى ساحة السياسة في البلاد.وهي ذات القوى، بل وذات الوجوه التي رآها عبود وقد ركبت مراكب الصحف لتسيد الفوضى بالشتم والسب وتقليل شأن الخصوم.

وبهذا الفهم، يمكن القول أن العلاقة بين تلك القوى السياسية الحزبية التقليدية وبين الصحافة، لن تلبث أن تكون - بعد أن تفرد الديمقران بعد عام الانتقال الأكتوبري- سمناً على عسل.

فهُمْ وهُنْ–القوي الحزبية والصحافة- إنما كانوا سادة الفعل السياسي في الزمن السابق لعبود، وهم جميعهم قد عادوا كما كانوا قوة في الساحة، وحضوراً في ديمقراطية ما بعد أكتوبر.. فما الذي يمنعهم من البقاء صنوين؟

بيد ان الذي ساد في زمان الحكومتين المرؤوستين بالمحجوب تارة، وبالصادق أخرى، نمَّ عن غير تلك العلاقة الهينة اللينة... فلعله لم يسجل في تاريخ العمل الصحفي السوداني- إذا استثنينا الزمان الفردالذي نحن فيه - أن تعاركت حكومة وصحافة، كما فعلت الصحافة مع حكومات الديمقراطية الثانية...

بل إن مواجهات  الصحافة بالسلطة الحاكمة في ظل الديموقراطية الثالثة فاقت مواجهاتها  مع سلطة "حكومة السودان"في عهد الإدارة البريطانية..

هل نشتط في قولنا هذا؟ الدلائل والشواهد هي الحَكَمْ..

بدأت حكومة المحجوب عبر وزير داخليتها – أحمد المهدي- ضربة بداية المواجهة مع الصحافة في عهد الديمقراطية الثانية..

صادرت حكومة العهد الديمقراطي صحيفة الرأي العام لانتقادها قرارات وتصرفات وزير الداخلية، صاحب العصى المرفوعة دوماً على  كل من لا يستمزج...

أوقفت حكومة العهد الديمقراطي صحيفة الفيجيلانت الصحيفة الناطقة باسم جبهة الجنوب، الجسم الجنوبي السياسي الأهم وقتها، والتي رأس تحريرها بونا ملوال..

أوقفت الحكومة الديمقراطية صحيفة الزمان اليومية المستقلة، لبعض الوقت

أوقفت الحكومة الديمقراطية صحيفة أدفانس، الصوت الآخر الناطق باسم الأقليات المسيحية الديانة والإفريقية الاصول..

ثم أوقفت حكومة الديمقراطية الثانية لبعض الوقت صحيفة الجماهير، لسان حال حزب الشعب الديمقراطي، وكان ذلك إنذارا بأن الصراع السياسي قد دلف ساحة الصحافة، وإنذاراً بما يمكن أن ينحدر إليه الحال العلاقة بين الصحافة والسياسة.

تكاثرت السهام على الصحافة في عهد الديمقراطية الثانية حتى..

وجد الصحفيون انفسهم والحكومة ينظرون شذرا في أعين بعضهم البعض..

ووجد قادة  الصحافة أنهم لا ينبغي أن يصمتوا في وجه "ديمقراطية القفل والمصادرة" التي تمارسها وزارة الداخلية...

صدر بيان من اتحاد الصحفيين في مايو 1966.. يندد ويحذر..

اعترض البيان على استعمال الحكومة الديمقراطية لقوانين عصر الاستعمار، ولوائح العهد العسكري الذي اقتلعته الجماهير بقوة إرادتها، وأجلستهم مكانه..

وقال البيان إن  الحكومة الديمقراطية تستعمل "قوانين جائرة"في تعاملها مع الصحافة..

وقال  إن الحكومة توجه الاتهام وتصدر الحكم قي ذات الوقت، إشارة إلى المصادرة والإغلاق تحت بنود قانون الصحافة لعام 1930

وقال البيان بأن حكومة العهد الديمقراطي تنفر من اللجوء لوسائل الديمقراطية: الشكوى إلى القضاء والتلاقي في ساحات المحاكم

الصحفيون بلغت روحهم الحلقوم من ممارسات العصر الديموقراطي الثاني....

فقد ذخرت سنواته بكمٍ من التعدي على الحريات، بما تجاوز الصحافة إلى الممارسة الحزبية..

فقد سقط الحزب الشيوعي صريع الغيرة السياسية، التي رأت أسهم اليسار السوداني في تصاعد صاروخي، فانقضت عليه بحكمٍ تراءت من خلاله مكامن " ديكتاتورية الأغلبية في الديمقراطية"..

ومع اقتلاع الحزب الشيوعي من ساحة الممارسة السياسية، سقطت عدد من بلاتفورمات اليسار التي كمنت لها وزارة الداخلية منذ وقت..

الميدان.. لسان حال الحزب..

"الطليعة"صوت العمال، و"صوت المراة" صوت المرأة

أدفانس التي كان رئيس تحريرها جوزيف قرنق

ثم الفجر الجديد.. فالزمان..فالجماهير..

ولما ران على البلاد شبح قهر الأغلبية، وصار بيناً للصحافة والصحفيين أن عسل العلاقة مع الحكومة الديمقراطية قد وصل القاع ولم يبق منه ما تلعقه الأصابع...تلاقى الصحفيون عبر اتحادهم.. وسطروا لوزير الداخلية وعبره للحكومة الديمقراطية خطاباً نارياً،ملخص محتواه ما يلي:

قارن بين حكومة الديمقراطية الثالية التي أوقفت في عام ونصف خمسة صحف، والحكومات الوطنية السابقة التي لم توقف في سنواتها الأربعة إلا صحيفة واحدة..

هدد بالإضراب سبيلاً لإحراج الحكومة الديمقراطية..

دفع بالتظاهر وسيلة للاحتجاج على سلطات وزير الداخلية النازل بكل ثقله على ظهرها

وصف البيان بالذي بينه وبين وزير الداخلية "بالحرب" وقال إن الصحفيين على استعداد لخوضها..

***

لم تنته رواية ملحمة الابتلاع الحزبي للحريات الصحفية في عهد الديمقراطية بعد.. فللرواية نهاية درامية..

فقد وجدت الحكومة الديمقراطية نفسها محاطة بسيلٍ من سالب المشاعر الصحفية ضدها.. .وأخذ الصحفيون، من اليمين كما من اليسار، ومن الصحافة الحزبية وشبيهة الحزبية، ومن المستقلة أيضاً.. أخذ كل رهط الصحافة والصحفيين ينظرون لمسلك الحكومة معهم، كما كانت رؤيتهم لمسلك العسكر في نوفمبر..

وليس هذا التشبيه ببعيدٍ عن الحقيقة ولا مبالغاً في تورياته..

فقد كان الدليل على ذلك قريب الحدوث...إذ لم تجد حكومة العهد الديمقراطي بداً من أن تسعى لنفسها صوتاً ينافح عنها في وجه المشاعر الصحفية السالبة من صحافة الوقت.....

أصدرت الحكومة  الديمقراطية – التي يوجب التزامها بالنظام الديمقراطي أن لا تملك لنفسها صحيفة- أصدرت لنفسها صحيفة .. فقد أصدرت "الجمهورية" لسان حال الحكومة الحزبية..

وبدت الجمهورية في الساحة وقتها كاللقيط، استعرت منها الصحافة المحلية ونبذتها... ووصمت خطوة الحكومة بالرغبة في "طعن الصحافة الحرة في الظهر"

نفر منها القراء كما نفروا من "الثورة" ، أختها غير الشقيقة ، وصوت نظام نوفمبر العسكري..

وفي المنتهى، استحت من فعلتها الحكومة بعد وقت قصير فأغلقتها..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.