ليس في الكون كله من مكان صحافته وصحفيوه في محنة كما هو الحال في السودان حتى في ظل العهود الديموقراطية، أمطرت سماوات الدولة حَجْراً ومنعاً ومصادرة صحافة السودان وصحفيوه عاشوا الكبد، فثبتوا وثابروا، وأصدروا فتصادروا ولا زالوا صابرين هذه حلقة تمهيدية لعدة حلقات تسعى إلى تلمس هذا الواقع المريع الذي ظلت  تعيشه صحافتنا  منذ التكوين الأول... 
فما سمع هذا الكاتب  ولا قرأ عن واقع مزرٍ تتمرغ  فيه صحافة في أي ركن من أركان الدنيا، كالذي تتمرغ فيه صحافتنا حتى وهي تظن أنها تتنسم الحرية ...
ولا عرف هذا الكاتب صحافة وصحفيين عاشوا كل هذا القهر، ولكنهم ثبتوا وثابروا، فأصدروا فتصادروا ولا زالوا صابرين، مثل صحافة السودان وصحفييه...
وليس زمان الصحافة الحالي وحده هو المدان، ولكن هذا زمان ما له مثيل. 
ففيه ذلت الكلمة المكتوبة، وكسرت الأقلام، ودلقت الأحبار، ومزقت الصحائف، وأجبر الرأي المخالف عى التواري..
وفيهطلب من السلطة الرابعة، أن تكون سلطة تابعة، تأتمر بما تؤمر، وتبقى صوتا للسيد...
وفيه صار المنح والمنع وتوزيع الأعطيات، رهيناً بالتزام المطلوب صمتاً في بعض الحال، أو رأياً وموقفاً منحازاً في بعضه الآخر ..
*****
كلما زادت السلطة .. تعاظم خطر استبدادها السلطة المطلقة .. مفسدة مطلقة .. بقلم: د. محمود قلندر
مقولتان قال بهما سياسيان أوروبيان،أدموند بيرك ولورد أشتون، وهما يعكفان – في قرون التحولات الكبرى في أوروبا- على تحليل واقع السلطة والسياسة في القارة القائدة يومها.
وما من اختبارٍ لثبات صدقية المقولتين، على امتداد الزمان والمكان، أحسن من النظر إلى واقع العلاقة بين السلطة والصحافة في سودان هذا العصر...
فالنظام الحاكم  فيه يتقلب في مراقد السلطة بلا منافس ولا نديد مهدد، فلا يبصر ما يستحق الوجيب على مستوى الديمومة والبقاء .. 
ويلتفت النظام حوله، فيرى في الصحافة وحدها، صوتاً يوشك أن يكون سوطاً سالقاً ، فيجعل له سبلاً للمحاصرة شتى..
قوانين منع وحظر تجاوزت الخمسة، وتعد بسادس هو قيد النظر..
عينٌ رقيبة بالجبر على من هو مطلوب منه ان يكون عين الشعب الرقيبة، ليصبح الرقيب مراقباً، ويضحى التعبير الأعمق  لمفهوم " السلطة الرابعة"،بلا طعم ولا لون ولا معنى.
جرٌ إلى المحاكم للأفراد والجماعات والمؤسسات بما يهدر الوقت والجهد والمال..
تصنيفٌ للصحف والكتاب صنوفاً: معادٍ فيحاصر، موالٍ فيباشر، ومابينهما فيؤلف قلبه..
*****
تساءل زميل  في حوارٍ له مع مسئولٍ إعلاميٍ رفيع المكانة في الدولة، عما أحس به من شح التعامل الإعلاني "لأقمار الحكومة " مع  بعض صحافة التصنيف الأول (المعادي)، فكان رد المسئول الإداري الأول في وزارة الاهتمام الأعلى بالإعلام: وهل تريدنا أن نبذل المال لمن هو ضدنا؟ 
ولم يطرف لذلك المسئول جفن في قوله هذا، وهو المطلوب منه أن يكون الراعي لتنهض الصحافة بمسئولايتها، فتعين الدولة وتبصرها بالمزالق... 
ولم يدرك ذلك المسئول أن الدولة واجبها الأول أن تسعى لنهضة كافة الصحف، صحافة "الضد" قبل صحافة "المَعْ"، حتى يكون للكلام المبذول يمنة ويسرة عن "الحريات" و"الديموقراطية" معنى وقيمة. 
قريب من مثل هذا القول، تهديدات وزير الإعلام القادم من حزبٍ عنوانه الأساس "الديموقراطية" وتاريخه ناصع  بالتضحيات في سبيل الحريات. فقد وقف الرجل المطلوب منه –كموظفه الأعلى- رعاية الصحف والصحفيين، مواقف تقترب منالمتحسسين لمسدساتهم ضد كلمات من قبيل الصحافة والثقافة وما شابه.فالرجل قال بأغلظ  القول الذي لا تبيحه ساحات الصحافة و الثقافة،  بل مكانه ساحات "الربط" والنزال ولَيِّ "الضراع". وبذلك القول ابتلع الرجل كافة مواقف حزبه التاريخية كمدافع أساس عن حريات القول وتوسيع مواعين التناصح.
*****
ما يزال الكاتب منا لا يعرف كيف انزلقت الأمور إلى ما هي عليه اليوم في علاقة الصحافة بالأمن في البلاد...
فعلى مر التاريخ، كانت الصحافة والأمن على الطرفين المتقابلين من الطريق، ينظر كل منهما إلى الآخر -في معظم الأحوال- شذراً..
وبالرغم من ذلك "الشذر"، ظل الأمن يحفظ مسافة بينه وبين الصحافة، وسبيله إلى الإقتراب منها قنوات مبذولة، رسمية وغير رسمية، تتدرج في شكل التعامل من لين القول إلى النصح بالصوت الجهير. ولا تبلغ الأمور مبالغ الشدة في علاقة الإثنين إلا في قليل الأحوال  عند المنعطفات الكبرى...
ولو تتبعنا في التاريخ الوطني السياسي تلك العلاقة ، لقال قائل إنهما ظلا  دوماً على طرفي النقيض، لا يلتقيان، فأقول نعم، ولكن في ظل اعتراف بالموقع والمكانة والمسئولية.
فحتى في عصر المستعمر، كانت اللجنة المعروفة باسم "الكومنيكيشن كوميشن" تعمل بما هو مستطاع لكي لا يكون ظلها على الصحافة  ثقيلاً حتى الإظلام. وكان سبيلها إلى ذلك " نصائح تلفون" و"لقاءات تفاكر" لا تتجاوز إلى ما بعد ذلك إلا بالطرق المواربة، التي انتقل بعضها فيما بعد إلى وسائل المؤسسات الأمنية الوطنية في التعامل مع الصحافة.
وحتى في عصر الفريق عبود، كانتالوزارات والوزراءذوي الصلة بالإعلام هم الوسطاءبين الامن والصحافة. ورغم أن الرصيد الكلي بين الحكم والصحافة في عصر عبود لم يكن رصيداً إيجابياً، إلا أن تعامل الأمن مع الصحافة من خلال العوازل، حفظ  مكانة الصحافة والصحفيين في ذلك الوقت، فلمعت في ذلك العصر نجوم نعتز بها وما نزال ، كانت أصواتهم تصدع بالرأي الثاقب والقول الفصح.
أما الحال اليوم فقد بلغ مبلغاً ما سمع به أحد...
فقد طُوِيَتْ الصحافة -كلها- تحت ذراع الأمن، وصارت الكلمة المطلقة في أمرها للجهاز وقسمه الخاص بالصحافة والصحفيين. وأضحت المؤسسات الأصيلة في علاقتها بالصحافة والصحفيين، وزارة ومجلساً واتحاداً، تُبَّعاً يلاحقون ما يقول به أهل أمن الصحافة، وما يتنزل عليهم من علِ الجهاز.
ولعل بالغ القول في مسألة العلاقة بين "الجهاز والصحافة" هو في تلك السلطة الأعلى التي تبيح للجهاز كافة أشكال العقاب، المعروف منه والمبتدع، الذي تُمطَرُ به الصحافة ، صحافة "الضد" في معظم الأحوال، ولكن حتى صحافة "المع" في بعض حالات العدل في العقاب.
ومن بالغ القول في هذا الأمر، تلك القرارت الإدارية التي تشبه كثيراً فرمانات العصور العثمانية، والتي تصدر لتغلق صحيفة أو تصادر كل ما تملك وتقتني.. وهو أمر لم تتحه أنظمة وحكومات اشتهرت في المشهد السياسي العالمي بكونها حالة خاصة في تعاملها مع الإعلام والصحافة. 
*****
ليس هذا العصر وحده هو عصر الكبد لصحافة السودان... 
فحتى أعظم لحظات السودان حرية –أكتوبر 1946- لم تسلم من كونها ناشت الصحافة بسهام. فالذين عاشوا أو درسوا تلك الأيام من حكومة الانتقال الأكتوبري، يذكرون جيداً أن "سيف التطهير"لم يبتر موظفين كبار في الدولة بزعم معاضدتهم لحكم العسكر فحسب، بل تعرضت يهأيضاً صحف، وتعرض صحفيون، لانتياش سهام شبيهة، باعتبارهم كانوا بوقاً للنظام النوفمبري، أو تعاملوا معه بشكلٍ من الأشكال غير المحمودة. فأغلقت بعض صحف، وصار حال بعض الصحفيين أشبه بالقلة المنبوذة  من قبيلة الصحفيين.
لقد نالت الصحافة على يد العصور السياسية الموسومة بكونها ديموقراطية ، مثلما نالت على يد غير الديموقراطية منها..
ولكن في كلها لم ينزل على الصحافة ثالوث جهنمي كالذي ينزل عليها اليوم.. 
*****
فإلى الحلقة الأولى من الكبد..
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.