كنت قد كتبت مقالة بعنوان "محاولة لفهم ما يحدث: ضمور نموذج وظهور نموذج". حاولت قدر جهدي أن اقدم رؤية لتحليل ماحدث منذ إعلان القرارات الاخيرة الخاصة ب"تعويم الجنيه"، وما تلاها من "عصيان مدني" أيام (27-29 نوفمبر 2016). كانت المقالة معنية بتقديم الصورة العامة التي تصنع، تتحرك وتتطور بها حركة هائلة رأيتها تضعنا من مشارف القرن الحادي والعشرين في قلبها. هذا المقال تطوير لتلك الافكار ومحاولة ملأ الثقوب التي لم تستطع أن تمسك بها تلك المقالة.

تضييق الخناق
عندما تحرك الانقلابيون في ليلة 30 يونيو 1989 لتنفيذ الانقلاب كانوا يفعلون شيئاً مجرباً في التأريخ السياسي السوداني، يضيق صدر فصيل سياسي من حركة الديمقراطية البطيئة، فيختلق من المبررات ما يقنع به النفس، كما رأي د. الترابي "أن الحركة الإسلامية على عهده وردت الانقلاب العسكري عن عسر، فكلما اقتربت من السلطة بالائتلاف مع النميري ثم الصادق المهدي أمرت القوى الدولية علناً بإبعادها".
كانت الحركة الإسلامية جزء من الفضاء السياسي وتعرف دروبه. منذ يومها الأول سوف تبدأ في تجفيف منابع الحركة المعارضة وحرمان أي قوى منظمة من مؤيديها وقواها ومن وسائل اتصالها وحركتها. حلت الاحزاب، قيدت النقابات، اعتقلت القيادات، قلصت حيز الحركة بحظر التجول، ومن ثم نفذت الإقصاء الكامل لكل من يخالفها أو حتى يقف في الحياد. إتخذت الإجراءات ثلاثة أشكال: التمكين، التضييق على الرزق وتأميم النقابات.
وقد أوردت صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 20 مايو 2001 "وتشير أرقام رسمية إلى أن إجمالي عدد الذين أحيلوا إلى المعاش منذ عام 1904 وحتى العام 1989 بلغ 32419 موظفاً، بينما شهدت الفترة بين 30 يونيو 1989 و29 سبتمبر 1993 إحالة 73640 موظفاً، إي إن الذين أحيلوا إلى المعاش في عهد الخمسية الأولى من الإنقاذ يتجاوز ضعفي الذين أحيلوا إلى التقاعد خلال كل العهود الاستعمارية والوطنية من أنظمة مدنية حزبية وعسكرية سابقة.
ثم تلا ذلك التضييق في الرزق، الاعتقالات وبيوت الاشباح على هذا العدد العرمرم من المفصولين وإجبارهم على؛ إما الانحناء والعمل معهم أو الهجرة " يعتقد بعض المراقبين إن نسبة لا تقل عن 80% من الناشطين السياسيين والنقابيين الذين تحفظت عليهم الإنقاذ عامي 89/1990 هاجروا إلى الخارج" ( صحيفة الشرق الأوسط 20 مايو 2001). سوف تشهد بلاد العالم لأول مرة في تاريخها جموع السودانيين وهم يبحثون عن ملاجيء في بلاد أتوها من قبل لتحصيل العلم والعودة لبناء وطنهم.
محنة العمل المنظم
كل الأوعية المنظمة التي ابتدعها أهل السودان تم التضييق الشديد عليها، وبدلاً من الأجهزة السياسية التي من العادة تقوم بالتعامل معها، أصبحت تدار من الأجهزة المتعددة للأمن. لقد حول جهاز الدولة بكامله لجهاز أمني متشعب، أخطبوطي، مهيمن وبلا وازع اخلاقي. لاحقت الاجهزة الامنية كل أشكال العمل المنظم، من اعتقال رؤوساء الاحزاب وتشوية صورتهم، اختراقها وإحداث الأنشقاقات والفتن وتفننت في تخوينها.
عندما تم توقيع إتفاقية السلام الشامل، عادت الاحزاب لتسجل تحت قوانين شمولية، تضيق عليها الخناق، تحصي تحركاتها، وتجعل منها مجرد يافطات في دورها. سوف تتصاعد الضغوط والمحاصرة شدة بعد إنفصال الجنوب، وعملياً تم قطع أي صلات بين الاحزاب وقطاعات الشعب، فأصبحت تعتمد على صحفها المعبرة عنها، والتي بدورها مورس ضدها المصادرات، إستدعاء محرريها ومحاولات قتلها إقتصادياً.
تم حرمان من بقوا في الخدمة من أي حماية بواسطة نقاباتهم. حيث اتبع النظام أسلوبين لضمان السيطرة على النقابات: أولهما تغيير القانون بحيث تقوم النقابة على المنشاة، الأمر الذي يسهم في تمييع الرابطة المهنية، وذلك بدلاً من القانون القديم الذي كان يسمح لكل أهل مهنة أن ينتظموا وفق مهنتهم. أما وسيلة السيطرة الثانية فعن طريق استخدام آليات جهاز الدولة، عبر تحديد مواعيد الانتخابات والتدخلات التي يمكن أن تقوم بها الأجهزة المختلفة لضمان فوز مرشح بعينه أو إسقاط آخر (صحيفة الشرق الأوسط 20 مايو 2001).
تعرض حزب الإنقلاب "الجبهة الإسلامية القومية" لنفس الحصار، حيث تم حله في منتصف التسعينات، وخلت من أي جدالات هامة لتطور أي حزب وكفت أن تكون ملهمة لأي من أعضائها. بعدها لعبت نظرية الاواني المستطرقة دورها، فمع إضعاف الأحزاب ومحاصرتها والتضييق عليها ومنعها من الحركة، حدث للحركة الإسلامية وواجهت نفس المصير، من انشقاقات، إختراقات وصوت واحد فقط، لتتحول بعدها لمجموعة متنفذة قليلة العدد تسيطر على كل شيء.
ضوء من الثقب
حاصرت الانقاذ كل الناس، وحصرت قوى الشعب الحية في الزاوية، لكنها لم تعي أن هؤلاء ليسوا جيشاً لتحاصره، لكنها أمة تحت الحصار. طوال حكمها راكم معرفتها أبناء الشعب من الكتاب والادباء، المسرحيين والشعراء، الصحفيين، القانونيين والمحامين، العلماء، نساء ضد العنف، شباب طموح لايعرف اليأس، السياسيين ومنتسبي الاحزاب، مخضرمي النقابات وشبابهم، المهجرين بفعل السدود وبيع الاراضي، ستات الشاي وغاسلي العربات وربات البيوت وغيرهم وغيرهم. جميعهم تم حصارهم بالاعتقال والتعذيب والقهر الاقتصادي. من كل هذا سوف تتفتح مدارك الناس ويتوسع خيالهم ويبدعون.
طرق جديدة نمشيها
عندما أخترت عنوان "ضمور نموذج وظهور نموذج"، كنت أعني خاصيتين سادتا أخيراً في الفضاء السياسي السوداني: الاسلوب (طرق الإتصال بالمواطنين) والآليات (وسائط التواصل). أقصد بالاسلوب طرق إقتراب مجموعات منظمة في مؤسسات معنية بالشأن السياسي، وأهمها الأحزاب، من الشعب. من بين الحظر الشامل لإتصال المجموعات المنظمة مع شعبها، وفي نفس الوقت عدم ملائمة أساليبها في التواصل، سوف ينبثق الجديد.
الحركة السياسية السودانية أعتمدت طوال عقود، أرجعت بدايتها لثورة 1924م، وتبنت جميعها العمل السلمي المدني، الحشد والتحريض من أحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والأضراب من نقابات وإتحادات منظمة لمجموعات مهنية متماثلة. أفلح هذا في إسقاط ديكتاتوريتين (ثورة 1964م وإنتفاضة 1985م). تمت محاولة تكرارها في سبتمبر 2013م وفشلت. مع بدء التفكير في العصيان المدني برزت للسطح خاصية أسلوب جديد الإتصال المباشر بالمواطنين.
من الشعب إلى المواطن
أحد التغييرات التي صاحبت التغير في التواصل مع "الشعب" و"الجماهير"، جاء في تغيير مخاطبتها. أول استعمال للشعب جاء على لسان سليمان كشة في الإتحاد السوداني عام 1922م "ايها الشعب العربي النبيل"، اختلف معه على عبد اللطيف باستعمال "ايها الشعب السوداني". وعنى بها مجمل "الأمة السودانية". أعتقد أن لفظ الجماهير يرجع لتراث الحركة الشيوعية، وعنت المجموعات الناشطة من الشعب. كانت المخاطبات بالشعب والجماهير تتحدث مع تكوينات هلامية، غير محددة وغالباً تطرح لها تحليلات ومواقف وخطوات عملية جاهزة للتنفيذ. في الثمانينات دخل مصطلح "الناس" ليدل على الآخرين، لكن المحّددين لدي الذي يستعملها.
مع انبثاق نموذج جديد تغير إستعمال المصطلحات الوصفية في وسائل التواصل، فقد بدأت المخاطبات الحية والرسائل الصوتية، الرائجة حالياً، لا تستعمل الشعب او الجماهير لكن تستعمل الفاظ من نسق (ياجماعة، ياشباب، الناس وغيرها). كان هذا الأنتقال نوعياً، أي تغيرها المفهومي من التعامل مع كتلة صماء مبهمة للتواصل الشخصي. حدث هذا التغيير بشكل ملحوظ في نقاشات العصيان المدني في السودان. فقد تم طرح عدة تواريخ وتم الجدال، المناقشات، التوافق والأتفاق على تاريخ محدد، ثم عدد الأيام وهكذا. أصبحت مفردات الشعب والجماهير خارج الاستعمال العادي في الوسائط، بإعتبارها غير معبرة عن هذا الاسلوب.
صراع الاضداد
مع حدوث عصيان مدني ناجح قادته جماعات خارج الأطر المنظمة، بدأ سجال حول حدود دور القوى المنظمة، وبدا ما يشبه التنافر بينها. لأن طرق التواصل أختلفت ونحت للتواصل المباشر ب "المواطن"، لكن سرعان ما عادت لموضوعيتها. لكن هذه ليس مجرد سجالات عاطفية، لكن أسئلة حقيقية تحتاج لتمعن عميق. في عملية تشكل الجديد يدور صراع لازم هو صراع الاضداد، ليس تناحرياً لكن لإعادة التوازن بين قديم يذوي وجديد يبرز. إذا عدنا لمثال الجينات التي حسمت مسائل "الانساب" على الصعيد الأولي للأثنيات، فلم يختف علم الانساب، او الانثربولوجيا وغيرها التي تشتغل بها، لكن اختلف دورها وحدود تفسيراتها. لقد تبلور ما يشبه الاتفاق أن للاحزاب دورها وحدودها وللحركة العامة دورها، وأيضاً حدودها.
أثينا الجديدة "برلمان المواطنين"
كانت أثينا هي من اخترع مصطلح الديمقراطية (حكم الشعب) في القرن الخامس قبل الميلاد للدلالة على النظام السياسي الموجود آنذاك في ولايات المدن اليونانية، وخاصة أثينا. وفيه منح حق ممارسة الديمقراطية لكل الرجال الأحرار واستُبعد العبيد والنساء من المشاركة السياسية. أتيحت لكل مواطن فرص متكافئة للاقتراع، ولشغل المناصب وكانت جلستها التي يحضرها الأعضاء جميعاً تضم ما يقرب من ثلاثين ألف رجل.
اول نموذج لديمقراطية أثينا في السودان كانت في مؤتمر الخريجين، خرجت من معطفها الاحزاب وبعدها مباشرة انتقلنا للديمقراطية التمثيلية في برلمان نموذج وستمنستر. بعد عقود أدى إنبثاق النموذج الاسترشادي الجديد في الاسلوب والآليات، لإرجاعنا لنموذج أثينا جديد يشارك فيه الملايين (وصل هاشتاق العصيان لقرابة العشرة ملايين كاعلى الاحصائيات عالمياً في يوم 14 ديسمبر 2016، حسب موقع احصائيات عالمي). لقد حصل السودانيين على برلمانهم العام لأول مرة في تاريخهم. لقد تعددت المبادرات وتنوعت بشكل مذهل يفوق الخيال.
أخيراً
من التواصل عبر المجموعات المنظمة، النقابات ومجموعات المجتممع المدني، عبر بياناتها الكاملة الدسم او عبر عضويتها، انتقلنا لمرحلة التواصل المباشر مع "الموطن" المستقل والحر في قبول، تعديل أو رفض فكرة ما، الجدال حولها والوصول لتوافق مع بعضهم والشروع في التنفيذ. على المجموعات المنظمة أن تبدأ التفكير في تصور كيف أن شعباً صنع "أثينا جديدة" وحصل على "برلمانه العام"، وأصبح المواطنون أسياد قرارهم سوف تدار شئونه في المستقبل.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.