نزلت دعوات في الوسائط الاجتماعية للعصيان المدني، تداولها الناس، تناقشوا حولها ومن ثم تم الاتفاق على ايام (27-29 نوفمبر 2016). كانت الاستجابة مذهلة وتتراوح بين 62.5% في اليوم الأول و70% الايام التالية حسب تلفزيون البي بي سي، وتصل لفشل قاصم في رأي البعض. هذه المقالة ليست مهتمة بالنسب، لكن بالاستجابة الفاعلة من قطاعات عديدة من الشعب على الاقل في العاصمة وبعض المدن الكبرى. سوف أحاول أن أركز على صورة ايام (27-29 نوفمبر 2016)، مستعيناً بمفهوم فلسفي هو ديالكتيك هيجل، لفهم الطبيعة التطورية للحدث، ونظرية علمية حول الدينامكية العملياتية Process انبثاق النماذج الاسترشادية (Paradigm Shift).

هيجل حول تطور وانحطاط الحضارات
تقوم فلسفة التاريخ عند هيجل على الجدلية، وهي تعبير عن التفاعل بين الفكرة ونقيضها، على نحو يدفعها للتطوير والرقي، على شكل سلم لولبي، حتى نصل إلى"الفكرة المطلقة". الجدل عند هيجل حركة ضرورية ثلاثية، تنتقل من"الدعوى" إلى"نقيضها" إلى "التأليف" بين الطرفين، وشرح هذا"الثالوث" بمثال (برعم- زهرة- ثمرة ثم الركود وإعادة الدورة) في تحليل التطور البشري. هذه الفكرة استقى منها كارل ماركس نظريته مع فصل تصور الروح أو الفكرة المطلقة عنها (أي الروح الآلهية)، الأمر الذي كان جوهراً لفلسفة هيجل. أي أن هيجل قال بتطور الجديد من القديم لكن ليس في خطوط مستقيمة ولكن في شكل حلزوني صاعد.
نشوء وانبثاق النماذج الاسترشادية (Paradigm Shift)
كان أول من نبهني لأهمية كتاب "بنية الثورات العلمية" للمؤلف توماس صامويل كونن، وهو كتاب يتناول تحليلًا لتاريخ العلوم، د. فاروق محمد أبراهيم عند صدوره، وشرح لي هذه النظرية وأقتنيت بعده الكتاب. ظل الكتاب في حوزتي وقرأته ولكن لم أكن في الحقيقة مستوعباً لأهميته او مدركاً بشكل كامل حدوده النظرية.
مثل نشر كتاب بنية الثورات العلمية سنة 1962 حادثة مهمة في تاريخ وفلسفة العلوم وعلم الاجتماع المختص في هذا الشأن، حيث أدى إلى إعادة تقييم ذاتي على المستوى العالمي وردة فعل تجاوزت مجتمع العلماء. بدأت قصة الكتاب عندما طلب رئيس الجامعة من كون أن يعطي درساً في تاريخ العلوم لطلاب العلوم الإنسانية في الجامعة، وكان ذلك أول عهد توماس كون بقراءة الكتب العلمية القديمة. كان السؤال الأساسي لـ ( كون) هو كيف يتغير العلم؟
كان الرأي السائد في صفوف معظم العلماء أن العلم يتقدم بشكل "تراكمي" وهكذا في المستقبل سيتقدم أكثر. هذا التصور كان رائده نيوتن، لكن كون يقول لنا أن هذا التصور لعملية تطور العلم هو تصور خاطئ. يقر كون أن "التراكم" يلعب دور رائداً وأساسياً في عملية تقدم العلم ولكن التغييرات الأساسية والكبرى تحصل بفعل "الثورات العلمية". يقول كون أنه في العالم دائماً في أي وقت يكون هناك أنموذج مسيطر، وتحدث فترة تراكم للمعرفة وفيها يقبل العلماء النموذج "البراديغم" المسيطر ويعملوا على نشره. هذه العملية تؤدي إلى ظهور "أسئلة" وهي عبارة عن حالات من المستحيل فهمها من خلال البراديغم المسيطر. عندما تزداد هذه الاسئلة تتكون "أزمة" والتي تؤدي إلى الثورة العلمية، ومن ثم توليد نموذج جديد وتعود نفس الكرة. حسب توماس كون في كتابه "بنية الثورات العلمية، سلسلة عالم المعرفة رقم 186، ديسمبر 1992) هذا التطور العلمي يتم في ثلاث مراحل.
المرحلة اﻷولى: هي مرحلة ما قبل النموذج، يتم فيها الوصول إلى قبول عام لإطار بما يحتويه من مصطلحات وطرق بحث ومفاهيم، وهنا تتحول هذه النظرية إلى نموذج. المرحلة الثانية: مرحلة العلم الاعتيادي حيث يكون معظم العلماء أشخاصاً محافظين يقبلون بالإطار العلمي السائد الموجود في لحظة معينة، ويسعون لتطبيق ما تعلموه في حل المشاكل التي لم يستطع هذا العلم حلها بعد، وهم يثابرون في سعيهم هذا بإصرار و دأب بسبب الثقة الناجمة عن النجاحات التي درسوها وعن الإجماع السائد بين الباحثين في هذا المجال. المرحلة الثالثة: مرحلة الأزمة وذلك عندما يستمر عدد الاسئلة بالازدياد، فالنتائج العلمية لم تعد متوافقة مع انموذج، وبالتالي تكون هناك حاجة لـ"ثورة علمية" تستبدل النموذج السائد بنموذج جديد، وفي هذه المرحلة يتم فحص القواعد واﻷساسات المتعارف عليها في هذا المجال العلمي، ويتم وضع نموذج جديد، ومع استقراره يعود العلماء إلى البحث في مرحلة العلم الاعتيادي وحل اﻷحاجي وفقاً لقواعده (د.مها الجريس: تلخيص كتاب بنية الثورات العلمية، http://tafkeeer.com/play-1329.html).
لتقديم نموذج مفهوم سوف أعطي مثال التعامل مع الاثنية، وأمكانية تطبيقها على العلوم السياسية وغيرها. لفهم وتفسير الاثنيات تم بحثها من خلال علوم الآثار، الانثربولوجيا، الاثنوغرافيا والتاريخ. كانت كلها تعطي مؤشرات ودلائل وتجمع وتركب ويتم تحليل مثلا أصل الفور أو الفونج وغيرها. اكتشف النمساوى غريغور يوهان مندل1884 -1822) م) القوانين الأساسية للوراثة، عام 1933 اكتشف توماس هانت مورغان دور "الكروموسوم "في الوراثة، نشر الامريكي جيمس واطسون والبريطاني فرانسيس كريك، بحثهما في مجلة الطبيعة Nature الشهيرة عام 1953 م واعلنا فيه اكتشاف الـ "DNA" ونالا عليه نوبل فيما بعد. بدأ مشروع "الجينوم البشري" في أكتوبر 1990 ميلادية ونشرت المسودة الأولى لنتائج المشروع في العام 2001 في مجلتي العلوم الأمريكية، والطبيعة البريطانية بالتزامن.
هكذا تطور النموذج الجديد مع وجود النموذج القائم، ومع اكتمال تطوره وتقديم معلومات دقيقة وتفصيلية عن ارتباطات الاشخاص، علاقاتهم القرابية وتركيبهم السلالي، الهجرات وغيرها، أصبحت أوراق النسب، وذكريات الاجداد والادعاءات مجرد ماض.
يتفق ديالكتيك هيجل ونظرية نشوء وانبثاق النماذج الاسترشادية في أن الجديد يخرج من القديم، لكن هيجل يعالجها فلسفياً على مستوى المفاهيم، وأنها عبر عملية تراكمية وطويلة تحدث تحولاً كيفياً. بينما تقدم نظرية النماذج الشرح العملي والواقعي لحدوثها.
ضمور نموذج وظهور نموذج
بعد الحرب العالمية الثانية برز نموذجين أو نظامين سياسيين، أحدهما رأسمالي خلقت فيه مؤسسات سياسية قائمة على احزاب رأسمالية واشتراكية، ومؤسسات مدنية ونقابات لديها قدر من الحريات. النظام الأخر كان الكتلة الاشتراكية بنظام الحزب الواحد، وفر قدراً من الرعاية الاجتماعية، لكن تهيمن فيه الدولة على المنظمات المدنية، والنقابية، والشبابية، والنسائية وغيرها.
في ظني أن الثورة الطلابية في مايو 1968م كانت المحطة الهامة في بداية تلمس نموذج جديد، لكنها كانت بلا رؤية أو أجندة فتلاشت. انتقل النموذج من فرنسا إلى بولندا مع حركة تضامن وأصبحت أول نقابة عمالية في الكتلة الشرقية. اجبرت الحكومة على التفاوض وأسفرت عن إجراء انتخابات شبه حرة عام 1989م، ثم شُكلت حكومة ائتلافية بقيادة حركة التضامن. في ديسمبر 1990، انتُخب زعيمها رئيساً بولندا، وتم حل الحكومة الشيوعية، وتحولت بولندا إلى دولة ديمقراطية. أمتدت هذه التحركات في كل دول الكتلة الاشتراكية، وواجه افراد وجماعات لاتملك أي منظمات أو منابر، بيئة جديدة كانت تستدعي اتصالاً مباشراً بين افراد الشعب والناشطين.
أعطى الإعلامى معتز مطر خلال برنامج "محطة مصر" على قناة "مودرن حرية"، تجربة شرق أوربا التي تبنتها "حركة 6 ابريل المصرية" لاحقاً. وأوضح أن البرنامج التدريبى الخاص الذي عقد فى صربيا لحركة 6 ابريل كان مضمونه تدريب الشباب على عدم اللجوء للعنف، والتركيز فقط على التخاطب مع المجتمع بالحوار، والفكر، من أجل حياة أفضل. وأن أي سلطة تستمد قوتها من الموافقة الشعبية، لا يمكن أن تستمر دون تعاون من الشعب، ولذلك من الممكن للحركات السلمية أن تدعو إلى عدم التعاون مع هذا النظام لإجباره على التغيير والاستجابة لمطالب مواطنيه. أطلق على هذه "القوة السلمية"، واتخذت في السودان أسم "الحركات الشبابية".
نموذج الثورات السودانية
على طول تاريخه استطاع الشعب السوداني إنجاز عدة انتصارات، من ثورة 1924م، مؤتمر الخريجين لينال استقلالة. ثم انتقل لاسقاط الانظمة الديكتاتورية في أكتوبر 1964 وانتفاضة 1985م. كان النموذج قائماً على نهوض شعبي تمهد له الاحزاب السياسية، النخب والجماعات، ثم تقوده النقابات والمنظمات المدنية وفي خضم هذا تكونت جبهه الهيئات، التجمع الوطني لانقاذ البلاد ويسقط النظام ولكن لاتتغير بنيته الأساسية إلا شكلياً. هذا النموذج أستمر ولكن غير فاعلاً في التجمع الوطني الديمقراطي، والذي شكل أحد أكبرالامكانيات في اصطفاف الشعب حوله، لكن لأنه كان قائماً في ظرف اختلف تماماً لم تنجح تجربته.
كان المشهد منذ بداية التسعينات قد أصبح مختلفاً تماماً، النقابات قد حولت لأجهزة امنية وتم التخلص من قادته بالصالح العام، المنظمات المدنية همشت وحوربت وتم قطع صلاتها بجماهيرها وحوكت وطوردت. الاحزاب تم التضييق عليها بمحدودية الحركة، ووجه اعضائها بالاعتقالات، الفصل والتضييق عليها في العمل، الاختراقات المتكررة والتخريب الداخلي. ادى هذا في محصلته لهجرة كاسحة ماحقة ادت باغلب الكوادر النشطة والمجربة للمهاجر القديمة ومهاجر جديدة بعيدة. استمر هذا حتى انتخابات عام 2010م، كان هذا إيذاناً بظهور منظمات جديدة.
قرفنا تدخل الساحة
في 30 اكتوبر 2009، اقدم ثلاث شبان جيران في ودنوباوي، امدرمان على تكوين منظمة سياسية لمقأومة انتخابات 2010. كانت كل الدلائل تشير أن الانتخابات تسير للتقاسم بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية وللتزوير. للشباب، كانت الانتخابات تقريبا نكتة، وكثير من سكان السودان هم من الشباب، الذين لم يشهدوا أي انتخابات تجري في السودان من قبل، ولكن بالنظر إلى الشخصيات الذين ركضوا لتمثيل السودان، كانت الوجوه لا علاقة لها بالشباب. بعد أيام فقط، تطرقت صحيفة الشرق الأوسط لحركة قرفنا، ومنذ ذلك الحين، أصبحت أحد الأصوات الرئيسية المعارضة في الانتخابات. وجاءت التبرعات يوماً بعد يوم، من المواطنين العاديين الذين احبوا فكرة إبداعية جديدة، من الحركات والنشطاء السياسيين الذين رأوا في قرفنا ما تفتقر إلىهم أحزابهم، العمل الميداني الكثيف والنشاط في تنظيم واحد.
حملت قرفنا عبر بيانها الأول، آلافراد والمجموعات مسئولية العمل حسب ظروف كل منطقة، لا مسئولين، قادة أو زعماء. كل منطقة، حي أو مجموعة تنظم نفسها وتمارس ما تشاء من فعاليات، أنشطة وابداعات. الشرط الوحيد أنها حركة سلمية علنية تعمل وسط الشعب بسلمية. سوف تنتشر الحركة، تتفرع، تتكاثر عنقودياً بلا حدود. قالوا عنها: لم يكن القرار متعلقًا بحفز الناس على المشاركة بالتصويت فقط، بل كان الهدف هو دفعهم للخروج للتصويت ضد المؤتمر الوطنى وإسقاطه.
الذين أنشأوا قرفنا، منظمات أخرى شبيهة مثل "التغيير الأن" وغيرها، كانوا على النت، يقرأون، يتابعون، ويتعلمون. سمعوا عن كفاية المصرية، 6 ابريل وعن تجارب أوربا الشرقية وغيرها، لكنهم ما كانوا لايدرونه النجاح الباهر الذي حدث، وأنهم كانوا يؤسسون لنموذج استرشادي جديد، جديد يخرج من القديم المترهل، عنقاء تنفض الرماد وتحيا. كان نموذجنا القديم قد سار في نفس الطرقات مرة وأخرى ولم تصل، أحلام منكسره، أمال ضائعة وأمنيات لم تتحقق. ولكنهم حملوا نفس الاحلام وساروا في طرقات جديدة كانت تفتح الكوة على مستقبل جديد. رغم عمل أعضاء في احزاب ضمن قرفنا والانخراط في صفوفها وقيادة تحركاتها، لكن معظم الاحزاب استهانت بهم ولم تستوعبهم في صناعة قرارها.
بعد ثورة يناير مصر والتي كانت الاقرب، وجدانياً وتشابهاً: من جدب الحياة السياسية وضعف الاحزاب واختراقاتها، سيطرة الامن على النقابات ومنظمات المجتمع المدني، فتبنت الحشد المتواصل وتجمعات الميادين (طرح العصيان المدني في مصر لكن لم ينفذ)، سوف تصبح نموذجاً لقرفنا وتقود قرفنا لترتكب خطأها القاتل. سارت "الحركة الشبابية" وهي تتسع، تتوسع، تصبح ايقونة الشباب وتتواجد بقوة في الوسائط، لكن أكبر في المخاطبات الجماهيرية وخلق الصلة المباشرة مع الافراد. لكن النموذج الذي طرحته قرفنا مفارقاً للنموذج القديم، عادت إليه قرفنا على ضوء تجارب الثورات العربية.
مع كتمة مدينة واد مدني في سبتمبر 2013م سوف تستنهض قرفنا كل مناصريها وتدفع بهم إلى الشوارع. جيل الانقاذ الذي درس في مدارسها، وسمع اناشيدها وربما حفظها، وقارعهم في الجامعات ودفعت بهم لحرب الجنوب، كانوا هم من شكلوا مظاهرات الشوارع في الحارات والحلال. كانوا يستعملون نموذجاً جديداً في التعبئة والحشد والحماس، لكنهم عادوا لنفس آليات النموذج القديم: مظاهرات قليلة، ينضم اليها الشعب وربما ينحاز الجيش ويسقط النظام. أوهام كبيرة وفاقدة للرؤية وعودة غير موفقة. كانت الانقاذ جزءاً من النموذج القديم، تعتقل القادة والنقابيين والحزبيين باعتبارها القيادة، ثم كانت قد جهزت نفسها لمثل هذا النزال في الشارع، مدججة بالسلاح والعتاد. سوف تتنهي سبتمبر ومعها قرفنا، لكنها كانت قد وضعت علامة كبرى في الطريق.
الطريق إلى نوفمبر
مرت ثلاث اعوام على سبتمبر، خفتت قرفنا، هاجر معظم من أيدوها والذين بقوا ضاع عليهم الطريق. لكن النموذج الجديد كان يتشكل بشكل لامرئي وببطء شديد. كانت الخريطة الديمغرافية في الفضاء السياسي قد تغيرت تماماً وأساسها الفقر والنزوح من الحروب والمهن الهامشية. هذه الجماعات كونت ممثليها من خارج النموذج، قامت مجموعات دارفور في العاصمة، ستات الشاي، تجمعات الشباب حول الشاي، البوش وفي الميادين الصغيرة، شارع النيل والمقاهي في ارجاء العاصمة، سائقي الركشات وغيرهم. وبجانبها في الوسائط ظهرت مجموعات كبيرة من فتيات يتداولن همومهن "فسخ وجلخ" و "منبرشات" وغيرها.
في الطريق كان الجزء الأول من النموذج الجديد، "التواصل المباشر مع الشعب"، يتفاعل ضمن التحركات الصغيرة المتفرقة: تجربة نفير، شارع الحوادث، مواجهات امدوم، الحلفايا، الجريف، شمبات، تحركات أبناء دارفور، مطالبات أبناء جبال النوبة، نوبيون ضد السدود، وحرق النخيل وتلوث البحث العشوائي للذهب، هذا إلى جانب مواجهات قطع المياه، الكهرباء في الاحياء، تحركات طلاب الجامعات، احتجاج أبناء احياء ضد بيع مدرسة أو ميدان وغيرها كثير. الشيء الاهم في هذه التحركات منذ قرفنا كانت في نمو ثقة الشعب في شبابه، وقدراتهم على إعمال الخيال، الابداع والابتكار.
في الطريق أيضاً كان النموذج القديم الموروث يواصل التعبئة، الحشد ومحاولة الوصول للشعب:عبر البديل الديمقراطي، الفجر الجديد، إعلان باريس ونداء السودان. وشهدت عواصم أوربا وافريقيا اجتماعات كثيرة، وتعددت جولات امبيكي. قدمت مذكرات الرحيل والتنحي، نظمت حملات مقاطعة الانتخابات. وحدهما حزبي المؤتمر السوداني والبعث تبنيا تراث قرفنا والحركات الشبابية (التواصل المباشر مع الشعب) من مخاطبات، طرق ابواب، ندوات وغيرها. لكن كلها كانت سقفها المفاوضات والتهديد بالانتفاضة الشعبية تارة والمحمية بالسلاح حيناً آخر.
في الطريق لنوفمبر أستطاع الاطباء تكوين نقابة أطباء السودان خارج إطار نقابات الحكومة، تقدمت بمطالب ونفذت إضراباً طويلاً ناجحاً، تلته إضرابات ممرحلة قصيرة، لحق بها المعلمون وقرروا تشكيل نقابتهم الخاصة الموازية. وبدأ الشارع السياسي يفور ويمور. تمت إعتقالات للأطباء وبعض المعلمين. في هذا المناخ أعلنت الدولة تعويم الجنيه في 3 نوفمبر 2016 م ورفع جزء من الدعم على الوقود والأدوية والكهرباء!!. كعادتها أنتظرت الانقاذ الشباب ان يخرجوا للشارع، وهي مدججة بالاسلاح والعتاد.
خرج الصيادلة في وقفة احتجاجية على تسعيرة الدواء الجديدة، وبدلاً من الناشطين والناشطات كما هي العادة، خرج في الشارع السوداني لأول مرة، ما وصفه المبدع السر السيد "لغة الجسد"، وعنى بها خروج عضوات في الوسائط النسوية قليلة الاهتمام بالسياسة، لمناصرة الصيادلة. تعرضن للضرب والاهانة، وأمتلات الوسائط بالسخرية المرة من الشباب. الاحتجاج الثاني جاء من طالبات في مدرسة في الخرطوم بحري. إستثارت هذه كافة المثل والشهامة السودانية. كان المتوقع أن يتحمس ناشطات وناشطون للنزول للشارع وتحدي السلطة، لكنهم لم يبالوا وواصلوا الترويج للعصيان المدني، وصناعة الجزء الثاني من النموذج.
اعتمد النموذج القديم تصوراً بني على نظريات الثورات وتتلخص معظمها في الأزمة الثورية (كعامل موضوعي) والتي تحتاج لعوامل ذاتية تقتنص اللحظة الثورية الملائمة وتحولها لتغيير. لن يخرج أي تغيير عن هذه الحدود في عموميتها، لكن نموذج السودان القديم (أزمة ثورية وغليان شعبي، حدوث اضرابات ومظاهرات مليونية وأعتصامات في ميادين ومن ثم العصيان المدني)، كان غير قابل للتحقق في السودان الحاضر.
كانت فكرة العصيان المدني هي الجزء الآخر لاكتمال النموذج الجديد، والتحقق الكامل لما أسماه" توماس كون" انبثاق النماذج الاسترشادية (Paradigm Shift). كانت فكرة العصيان المدني التي طرحت في الاسافير جميعها تستلهم فكرة قرفنا الأساسية "الوصول لافراد الشعب واقناعهم شخصياً بتحرك ما"، لكنها طرحت الجزء الثاني من النموذج الاسترشادي، فكرة عبقرية في خصوص الآليات وكانت العصيان المدني. تم إستغلال المزاج الشعبي المتصاعد ضد القرارات، تأثير خروج شابات وإذلالهن وتقديمهن للمحاكمة وإتاحة الفرصة المتساوية لجميع أبناء الشعب السوداني في المساهمة سواء نقاشاً أو موافقة. تلقف الشعب أفراداً الفكرة وأمتلكوها ونفذوها.
لا أحد ممن ساهموا بالإستجابة للعصيان المدني سأل عن هوية من دعوا إليها، أو تسائلوا حول من القيادة أو انتظروا بيانات من الهيئات المنسقة. لم يشكك أحد في من دعا وكان هذا شيئاً عجيباً وفريداً في تصرف أغلب شعب، أن يثق في مجموعات مجهولة ويستجيب لها. حتى الوكالات والتلفزيونات الاقليمية والعالمية لم تجد مرجعاً أو قائداً حقيقياً للتحرك تحاوره، فطلبت من قوائمها من تعرفه للحوار. حتى الذين حاورتهم تحدثوا عن الحدث بلا مطالب محددة، أو تواريخ أو حتى ماذا بعد؟. لقد أستطاعت دعوات لامست مزاج الشعب أن تسيطر على شباب مليء بالحيوية، الطاقة والحماس، وأيضاً إغراء تحدي السلطة ومواجهتها، لتجعلهم يلزمون المنازل.
زلزل هذا السلطة والمعارضة معاً لانها خارج نموذجهما وبالتالي خرجت الانقاذ تبحث، ضمن نموذجها، عن من تداوسه في الميدان فوجدت الشارع خلاء. تمت إعتقالات عشوائية، غالباً في إطار نموذج بال، من زعماء الاجماع، ناشطين، معلمين، وغيرهم. لكن لم تجد فيهم مغنماً. حيدت هذه التحركات أجهزة السلطة جميعها وخاصة الاجهزة الامنية، والشرطة تمتعت بإجازة طويلة من الاستلقاء في عربات التاتشر في أجواء بداية الشتاء.
كما السلطة، ارتبكت كل القوى المنظمة من النقابات والاحزاب. لكن كانت في طوال الانقاذ تنشر الوعي والمعرفة والتحليل للاحداث. أجيال من اعضاء الاحزاب، مخضرمي النقابات، الاتحادات الادبية والثقافية، مراكز الاستنارة، منظمات المجتمع المدني المتنوعة، منظمات العمل الخيري والانساني وغيرها. كتبت آلاف المقالات والتحليلات والتعليقات، صدرت مئات البيانات، صيغت البرامج وطرحت رؤي، عقدت المؤتمرات والمشاورات. كان كل هذا الفعل "التراكمي" الذي سوف يولد منه النموذج الجديد. أن هذه المواقف النبيلة والشجاعة كانت في إطار النموذج القديم، وحأولت قدر جهدها المساهمة بفعالية.
الاضطراب الاقليمي
احتل السودان أولوية متدنية في الاقليم، وكما وضعنا المغفور له المزروعي في الستينات في خانة "التهميش المركب" بين العالمين العربي والافريقي، فقد قفز السودان فجاءة في قائمة الاهتمامات العالية، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي. ورغم كثافة التغطية والبعد عن التصريحات، فقد سمعنا وأحسسنا بمدى الاضطراب الأقليمي من الحدث. لقد زاوجت التحركات السودانية الاخيرة بين قرفنا وخبرات الثورات العربية في التلامس مع الشعب، وقدمت بديلاً عن المظاهرات، سلاح العصيان المدني. سلاح سهل وبسيط وقابل للتحقق في أي دولة.
كل دول الإقليم تربح من وسائطها الالكترونية مليارات النقود، وتوسعت فيها ونشرتها وجعلتها أحد وسائل السيطرة على شعوبها. التجربة السودانية تدق ناقوس خطر سرى في كل أعصاب الاجهزة والاستخبارات والحكام. مجموعات مجهولة تطرح أراءاً، يتم نقاشها شعبياً وتتحول لقرارات شخصية من المواطن بالمشاركة. أصبح من الممكن الأن أن تسقط حكومات بمجرد أقتناع الشعب بلزوم منازلهم.
اخيراً
قامت هذه المقالة على نقاشات بين الأصدقاء، اغلبهم من جيلي (55 +)، تمت في السنوات الثلاثة الاخيرة. أغلبنا كان يرى جديداً يتشكل حتى لو لم نستطع الامساك به، كما قامت على الاف المقالات التي ترفدنا بها المواقع الاسفيرية، المطبوعات، الندوات وغيرها. لهؤلاء الأصدقاء أنا ممتن وسوف أسعد لو نجحت أن ابلور أفكارهم وتصوراتهم بشكل واضح في موضوع هو بطبيعته معقد ويعاني من نقص معلومات كبير.
هناك ثلاثة أسئلة تدور في الذهن اولها الوضع العالمي والذي حدثت فيه تغيرات كبرى ننتظر تبينها في قادم الايام، الثاني هو تطور الاحداث وخاصة النقاشات المحتدمة حول توحيد القوى والتنسيق والخطوات القادمة، اخيراً صورة السودان القادمة. السؤال الأول سوف ترفدنا التحليلات والقراءات، اما السؤالين الأخرين فهما في ذمة الحركة الواسعة التي أنتظمت البلاد وتستوعب الجميع بلا استثناء.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.