كما للرؤية ثلاث اسئلة "اين نحن الأن؟، إلى اين نريد الذهاب؟ وكيف"، لقضايا نظام الحكم ثلاثة اسئلة سيتم تناولها. كانت الحركة الشعبية اول من طرح أن أهم الاسئلة في قضايا الحكم هو كيف يحكم السودان؟ وليس من يحكم السودان؟. ورغم أنها في ديباجتها طرحت السؤال الثالث وهو لصالح من يحكم السودان؟، وحللت الوضع التاريخي والاقتصادي الاجتماعي للسودان، إلا أنها لم تطرحه بعد ذلك. كان طرح كيف يحكم السودان يتعلق بعدم مشاركة الجنوب ومناطق اخرى بشكل متساو في السلطة والثروة، وكان عنوان دخولها معترك الحكم والمطالبة بنصيبها. ورأت أنه ليحدث هذا لابد من تغيير هيكلي في نظام الحكم.

سؤال كيف يحكم السودان اجرائي ويتعلق بتكوين الدولة، هويتها، قيمها، توزيع خيراتها. سؤال من يحكم السودان وصفي ويتم فيه تبيان القوى، التكوينات، التنظيمات وغيرها. حول هذين السؤالين يتراوح جدل النخبة منذ مؤتمر الخريجين، ولأنه مرتبط اكثر بالطبقة السياسية، طموحاتها، طرق وصولها للسلطة فقد سيطرت على المشهد واصبحت تطرح وكأنها القضايا الرئيسية الوحيدة. عند الثورات، الانتفاضات والهبات يطرح سؤال لصالح من يحكم السودانفي شكل شعارات واشواق، لأنها هي هم المواطن الاكبر ثم سرعان ما تنزوي في خضم صراع السلطة الضاري.


مؤتمر السياسات البديلة


يجيء المؤتمر في ظرف تاريخي استثنائي، فقد بلغ السيل الزبى والوضع لم يعد يطاق، في نفس الوقت هناك شعور عميق بعدم وجود قيادة لها تصورات واتفاقات تتعلق بشئون المواطن وتلامس حياته، ولاتهتم بجدل العقود حول نظام الحكم. في هذا يجيء المؤتمر املاً أن يسد ثغرة الاهتمام بالمواطن وليس حكامه. رغم ذلك فسقف التوقعات، لتعودهم على مثل هذه المؤتمرات التي توصف بافعال الاطناب، حيادية. رغم ذلك هناك ما يطمئن في اعلان المؤتمر من هدوء عباراته، قلة ادعائه، وسع تمثيله وجدية النقاش الذي دار.


سياسات بديلة ام منهج بديل


جاء اعلان توصيات ورشة تطوير خارطة طريق مشروع السياسات البديلة، ولحسن الحظ فقد خيب آمالي في أن تستمر في منهجها القديم. لقد جاء الاعلان تغييراً منهجياً شاركت مع غيري في المناداة به. ولارجع الفضل لاصحابه، ممن عملوا على نقد المنهج الفكري، فقد تبنى فاروق محمد ابراهيم (مع حفظ الالقاب للكل) تغيير النموذج الاسترشادي للتعاطي مع قضايا السودان، كتابات عديدة من الصاوي، أحمد ابراهيم ابوشوك، حيدر ابراهيم، شمس الدين ضو البيت، عطا البطحاني، ابراهيم النور، عبد السلام نورالدين، ابكر ادم اسماعيل، الشفيع خضر، النور حمد وخالد التيجاني وغيرهم كثيرون.

يبدأ الاعلان بديباجة ملهمة لا تبدأ بالبكائيات حول الوضع الراهن لكن خاطبت القضايا مباشرة. وضعت اول اهدافها "التوافق حول رؤية وتصور قوى نداء السودان لمشروعها للسياسات البديلة، بما يشمل المبادئ و المنهجية والإطار العام والقضايا المحورية لعملية تطوير السياسات البديلة". في رأي كان هذا منهجاً مفارقاً لاتفاقات نادي روؤساء الاحزاب. لأول مرة في تاريخها المعاصر تؤكد الطبيعة التشاورية للورشة. عبرت عنه بشكل واضح "أهمية المشاركة الواسعة لكافة قطاعات المجتمع في عملية تطوير السياسات البديلة و إعلاء مبدأ المشاركة المجتمعية الواسعة في التوافق حول قضايا الانتقال".

بدلاً من الجدل العقيم حول قضايا الحكم والتي طالت منذ الاستقلال، اوجز الاعلان مدخلاً ملائماً "بإعادة تأسيس المنظومة السياسية وعلى رأسها الدولة السودانية في إطار مشروع وطنى/قومي ديمقراطي متوافق عليه....يشكل القاسم المشترك الأعظم لكل مكونات البلاد وينقلها إلى الأمام، تحت مظلة قيادة سياسية تعي دورها، و تصيغ تسوية شاملة بعد التغيير لحمتها تسوية تأريخية تجمع ولا تفرق.....تربط الحراك القاعدي بالحراك القيادي... يؤسس بها لبناء كتلة تاريخية تمتلك زمام المبادرة بما لها من مهارات لتقود عملية التحول التاريخي وتعبر بالبلاد من أزمتها للمستقبل".

هذا لايعني أنها قد وصلت لتحقيقها، لكنها على الاقل اختطت الطريق وسوف تمر مناقشات الوثيقة بمنعرجات، اخذ ورد وصراعات، لكن ما يبشر بإمكانية تحققها شعور الجميع أن الوطن قد فُقِد السيطرة عليه سواء من سلطة الامر الواقع او المعارضة. تجاربنا في هذا المجال مريرة وتميزت بالنكوص عن الاتفاقات والتنصل منها، الاعتقاد بإمكانية الوصول لتفاهمات جانبية وكلها دافعها الوصول للسلطة. سوف ننتظر شهوراً لنعرف الاجابات.


لصالح من يحكم السودان


هنا افارق الاعلان لاطرح ما توصلت إليه في بحثي عن اجابات هذا السؤال المعقد. لا اقصد من السؤال الحديث عن الطبقات او الفئات ، لكن اقصد كيف تحقق المعارضة كل الامنيات الطيبة في السلام، التنوع، التنمية وغيرها. جاء في الاعلان ثالثاً: هيكل وقطاعات مشروع السياسات البديلة "خلص المشاركون/ات إلى تقسيم قطاعات عمل مشروع السياسات البديلة". في نفس الاتجاه جاء سادساً: خطة و منهجية عمل لجان السياسات البديلة "قام المشاركون/ات بتكوين أولي للجان المناط بها إنجاز العمل في القطاعات المختلفة، على أن تتشكل هذه اللجان بشكلها النهائي بعد إكمال و توسيع دائرة المشاورات. قام المشاركون/ات بوضع خطوط عامة لعمل اللجان و مناهج عملها و المخرجات المتوقعة لها.

اذن الإتجاه ينحو للمدخل القطاعي وهو منهج كلاسيكي وغير منتج ولايصلح لتطور وطن مهما كان وضعه او ظروفه, وسوف ينتج عنه وثيقة ضخمة تتصل بالتفاصيل القطاعية، لكن ليس هناك خيط يربطها. أعتقد أننا بحاجة لاتفاق سياسي حول نظام الحكم يحسم هذه القضية، اتفاق سياسي حول القضايا الملامسة للمواطن من مثل العدالة الاحتماعية، الانفاق وشكله، التمويل ومصارفه وهكذا. وبديلاً من المنهج القطاعي اقترح مدخلاً كلياً واعتقد أنني في حاجة لنماذج توضح ما اقترحه.

عندما اعتمدت كوريا التركيز على التعليم كمدخل لبناء وطن فقير جداً، خارج من حرب، وصفها البنك الدولي أنها دولة لا امل لها، استطاعت هذه الرافعة أن تحقق ما كان مستحيلاً. لكن الهند اعطتنا التجربة الاكثر وضوحاً.

عبد الكلام هو رئيس سابق للهند حيث ترأس بلاده من 2002 وحتى 2007. قبل توليه الرئاسة كان أحد أبرز علماء ومهندسي الهند، تولى عبد الكلام مناصب عديدة من أهمها الإشراف المباشر على مؤسسات تطوير الأبحاث العسكرية في إطار مؤسسة "منظمة الأبحاث والتطوير الدفاعية"، وعملجاهدا على بناء الصناعات الصاروخية العسكرية حتى بات يعرف بـ"الأب الروحي" للصواريخالهندية. حددت النقاشات التي قادها عبد الكلام لتلخيص المشاكل الاهم في الهند أنها تتمثل فيالفقر والفساد. كذلك كان هناك أن الهند تمتلك القوة التكنلوجية وتفتقد القدرة.

حسب النظرة الكلية اعتمدت الهند التكنلوجيا كاساس لنهضتها الجديدة. التكنلوجيا لتحسين الانتاج الغذائي بحيث يستطيع المزارعين الفقراء ان ينتجوا ما يكفيهم وفائض لرفع مستواهم المعيشي، تحسين جودة الانتاج الصناعي وخلق فرص عمل جديدة، ان تتحول الهند لاحد اكبر مطوري البرامج في العالم وهكذا. استطاعت الهند أن تحقق هذه الشروط ولست بحاجة لاحصائيات لتبيانها.

في وضع السودان الحالي وكما جاء في اول المدخل القطاعي، اعتقد أن المدخل المباشر لقضايا المواطن هي ازالة اثار الحرب واعادة الاعمار كهدف عام تدور كل الاهداف الاخرى حوله ولخدمته (الإقتصادي،  الإعلام، العلاقات الخارجية، الثقافي والإجتماعي، الخدمي وشكل الحكم والإدارة)، كما التعليم في كوريا والتكنلوجيا في الهند.

هذا مهم للمواطنين في مناطق النزاعات وايضاً للمواطنين عامة حيث توجه مواردهم للحرب. من هذا المدخل يجيء مكافحة الفقر (90% فقراء ونصفهم مدقعي الفقر): بتمويل المنتج الصغيرلينتجوا ما ياكلون ويخلقون فائض. المنتج الصغير يوجد في الجروف الوديان، الرعاة الصغار والحرفيين، الصحة التعليم وغيرها. الهدف الرئيسي مدخلنا للامن ونزع السلاح لتوفير الاستقرار للانتاج، تحسين القدرة الادارية للدولة، اعادة هيكلة الجيش والشرطة والامن لحماية المواطن، دعم الصناعة وخلق فرص عمل وهكذا كلها تدور حول الهدف الكبير.

سوف يستطيع مؤتمر السياسات البديلة، أن يحقق إنجازاً غير مسبوق إذا خرج باتفاقات ثلاث.اولاً: اتفاق سياسي حول نظام الحكم او الميثاق السياسي، ثانياً: اتفاق سياسي حول الضائقة المعيشية (مجانية التعليم والصحة وتحديد النسب العالمية من الميزانية، دعم المنتج الصغير، حل مشكلة الديون، استرداد المال المنهوب وغيرها؛ وثالثاً: مدخل كلي لحل قضايا الوطن المتراكمة.

في الوضع السوداني الحالي سوف تلعب الاتفاقات الثلاث دورين هامين. الاول أنها سوف تستعيد ثقة المواطن أنه ازاء بديل حقيقي واتفاقات جادة، تلهمه للالتفاف حول قياداته والتحرك معها للتغيير أياً كان اتجاهها ومستعداً للتضحية في سبيلها. الدور الثاني أنها سوف تجد نفسها في هذا النجاز الذي يخاطب قضاياه المهملة وليس هموم نخبته,

اخيراً

يستحق المشاركون في الندوة التقدير العالي على قدرتهم الفائقة بالامساك بمعضلات الوطن بوضوح وموضوعية، على اخراجنا من اسر الاتفاقات الفوقية وكلية تناولهم. لقد بذل المؤتمر جهداً مقدراً والقى على عاتقه مسئولية منهكة وكبيرة، لكنها إذا تجاوبت القوى المختلفة وتفاعلت بايجابية تصنع التاريخ، وياله من مجد سامق في الانتظار.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.