بعد الإجتماع الثالث للجمعية العمومية للحوار الوطني  كتبت مقال معقباُ حُوار بلا حِوار معقباً. من الصعب التكهن بما سوف تسفر عنه الايام القادمات، فدرجة عدم الثقة قد بلغت مداها الكامل، ولم يحرك الشعب السوداني ساكناً او متفاعلاً بأي قدر معها، وتسود اوساطه موقف مماثل للانتخابات. سوف تنتظر، أيضاً، ربما باهتمام او بدون اكتراث كبير لمواقف القوى المنظمة المختلفة، وتتوقع أن تتوحد في مواقفها. من عرضنا الذي نرجو أن يكون موضوعياً ومنطقياً في مسائل شائكة ومعقدة، سوف تواجه كل القوى المنظمة للشعب من احزابه، منظماته، تكويناته المسلحة وغيرها، توحد الموقف حول استراتيجية واضحة، صارمة وبشفافية عالية للانطلاق من هنا.

توقفت تماماً عن الكتابة في ساس يسوس واتجهت لانواع اخرى من الكتابة. وتابعت كتابات كثيرة وجيدة كانت كلها تشير بوضوح أن هذا الطريق لايقود لانجاح أي حوار. ولأن الناتج عن انتخابات تمت مقاطعتها بشكل ضخم، افرز نظام الامر الواقع وبشرعية مطعون فيها. ولأنني متأكد أن السلطة لاتهتم لأرانا ولا تقرأها، بل لاتهتم سوى بزينة حياتها من المال والبنون والزوجات الكثر، فقد راهنا على من لهم المشروعية: المعارضة، أن لاتحدث نفسها في اندية روؤساء الاحزاب، بل أن تتقصى اراء الاخرين، من هم معهم، واحد السبل الكتابة.

لم تخيب المعارضة ظننا فيما طرحنا وتوصلت فرادى ومجتمعة لموقف موحد من دعوة يوم 10 اكتوبر 2015. فقد اصدرت احزاب وحركات عديدة تعلن رفضها ومنها: حزب الامة القومي، الاتحادي الديمقراطي، الشيوعي، الاجماع الوطني، الجبهة العريضة، حزب البعث السوداني، حركة الاصلاح الان (قائمة تضم 16 حزب وحركة وتحالف احزاب الوحدة الوطنية وتشمل 6 احزاب)، تحرير السودان: مناوي ومحمد نور، العدل والمساواه ونداء السودان وغيرهم.

يظهر من البيانات أن هناك عدة مراكز معارضة واتفاق على هدف عام: حوار بناء على اسس موضوعية. كان قد طرح هذا (تعدد مراكز المعارضة) الاستاذ محمد على جادين وايدته في مقالين لاحقاً. الموقف كما اراه توحد حول هدف ومراكز متعددة. هذا لا يمكن أن تتعامل معه سلطة امر واقع كما تشاء وإلا فقد كانت ذهبت لتحكم الشعب السوداني كما فعلت طوال 26 عاماً. المشكلة أنها لاتستطيع.

المشهد لم يتغير سوى للاسوأ بالنسبة للنظام: لم يفلح القفز من الحلف الايراني لعاصفة الحزم في حلحلة الاقتصاد، بل اصبح الوضع أن الدولة داخلياً عبارة عن مجموعة في الحكم يحميها جهاز امن ليس اكثر، لا مؤسسات، لاحزب سياسي وصفه الرئيس بالاتحاد الاشتراكي، تشرذم وانشقاقات يوميه، دوله مفلسة منهوبة وسايبة. يحل مشاكله برزق اليوم باليوم ولا اصدقاء جدد.

العامل الخارجي الذي كان يتدخل لانقاذ النظام حين يصل للمهاوي، من باب وضع السودان في "تلاجة دولة ذات صراع منخفض الكثافة"، منشغل في قضايا اكثر تعقيداً في ليبيا، العراق، سوريا، اليمن وهي اهم من السودان بمراحل، فتركوا نظام البشير في مواجهة مباشرة بينه وبين شعبه. هذه حقائق بديهية كتبت في آلاف المقالات، البيانات والمؤتمرات ولن يفيد ترديدها. السؤال الاهم هل هناك نظام يستطيع أن يصمد ويستمر للابد؟


مؤتمر الحوار الوطني

قبل يوم من المؤتمر فازت، اربع منظمات رعت الحوار الوطني في تونس، بجائزة نوبل للسلام للعام 2015. اصدر موقع ذا ريشست حسب نظرته قائمة بالدكتاتوريين في العالم واحتل فيه الرئيس البشير الموقع الثاني عالمياً بعد روبرت موغابي رئيس زيمبابوي.

عقد المؤتمر اذن في موعده. رئيسه هو الرئيس وحزبه الذي يخضع حكمه للحوار وكيفية اخراج السودان من المشاكل التي اورثها السودان، وحضر 92 حزباً لانعرف اسماءها، ومائة شخصية قومية من اسماء لها حضور اكاديمي، ثقافي وغيره، هذه الشخصيات تتواجد في كل المحافل لعقود، وتضيف حضورها في سيرها الذاتية باعتبارها إنجازاً.. تبنى المؤتمر شعاراً جديداً.

حضرت الجامعة العربية. حضر ادريس دبي (وصل للحكم في تشاد عام 1990، عبر جبهة الانقاذ الوطنية بمساعدة من نظام الانقاذ، وظل في الحكم عبر تعديلات دستورية للترشح اللانهائي) وفي معيته ثلاث من اعضاء حركات مسلحة ليضافوا لاخرين جاءوا من الميدان لكرسي الوزارة.

تحدث رئيس الجمهورية في خطاب قصير، هاديء واعلن ايقاف العدائيات، العفو العام، حرية التعبير، اطلاق سراح المعتقلين السياسيين. هذه حقوق دستورية تم الالتفاف عليها بقوانين اضيفت وقلصت مساحات الحرية واشكال التعبير، وما اسرع ما يمكن أن تتراجع عنه الانقاذ. لم يكن هناك جديد في الخطاب.

وبهذه المناسبة، وحسب خطاب الرئيس، اطلب من جهاز الامن والمخابرات اطلاق سراح كتابىّ: الرؤية السودانية، الكتاب الاول والثاني، الذي حظرته واعتقلت الف نسخة من الكتابين في العبيدية، لتجد.طريقها لشرفة الاستاذ نور الهدى محمد صاحب دار نشر عزة، طابعة الكتابين، في معرض الخرطوم للكتاب يوم 19 اكتوبر 2015


منهج الانقاذ

طوال تاريخها كانت "الحركة الاسلامية"، باسمائها المختلفة وتلوناتها، الاكثر قدرة على اغراق أي قضية في شعارات متناقضة ومدوية، اغراقها في بحر من الاجراءات، التشكيلات الادارية والمفاهيم التبسيطية والعامة ومن ثم اخراجها في افلام استعراضية باذخة. هذا ارث غرسه د. الترابي منذ الستينات، وخبرناه في احتكاكنا بهم في العمل النقابي قبل الانقلاب، ورأيناه في العمل السياسي بعد الانقلاب في عقد المؤتمرات الالفية الصاخبة، بدون أي نية في تنفيذ حرف منها، صياغة قوانين ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب عند التنفيذ. جزء من استراتيجيات النظام الابحار في التدويل، عقد عشرات من المداولات والمفاوضات في كافة دول العالم.

طوال السنوات عملت الانقاذ على تمزيق أي تجمعات شعبية (نقابات، اتحادات، روابط وغيرها)، تفكيك وشق الاحزاب وهذا هو سبب وجود هذا الكم الهائل من الاحزاب. ووصلت قمة ابداعها في شراء الذمم، فتح باب الفساد لكل من يريد "غرف" المال الحرام، التلميع الاعلامي لكل الملتحقين بها. اغراء اعضاء مختلفين من الحركات المسلحة للحاق بها، رغم عدم قدرتهم على جر أي من شخصيات اخرى، ليتم احراقهم عبر فشلهم المتعمد في الوزارات التي يتولونها.

هناك ظروف موضوعية تفرض التغيير، غير الوضع الدولي وضغوطه الكثيفة. الوضع الداخلي اكثر ضغطاً وتاثيراً. فكل الظروف التي كانت دانية للانقاذ قد تغيرت بفضل سياساتها. الكعكة التي كانت تغري   الاخرين اصبحت صغيرة. ليس هناك من مجالات للنهب سوى استيراد البترول، القمح، السماد وبعض السيارات. كل المشروعات والبنيات الاساسية هي محض اوهام. ترك لكل مجموعة أن "تلقط رزقها" من بين افواه الشعب الفقير من جبايات، رسوم لا تورد، مخالفات لا تكتب، بعض الميزانيات القليلة التي تبقى بعد المرتبات، نهب المليشيات وغيرها.

تقوم مفاهيم "الحركة الاسلامية" على التهييج، الحشد، خلط الاوراق، السيطرة وآخيراً التمكن. لقد وصلت مفاهيمها للحائط. لقد لقنها الشعب السوداني درساً في التاريخ في الانتخابات الاخيرة. ولقنتها الحركات السياسية والمنظمات درساً أخراً في مؤتمر الحوار.

عبر عن هذا الوضع الشاعر الفذ محمود درويش في قصيدة مديح الظل العالي

ظهري إلى الحائطْ

الحائط ِ/ الساقطْ !

وطني حقيبه ْ

وحقيبتي وطنُ الغَجَرْ

شعب ٌ يُخَيِّمُ في الأغاني والدخانْ

شعبٌ يفتِّشُ عن مكانْ
 
بين الشظايا و المطرْ


منهج آخر    

في مقالين محكمين تعرض د. الواثق كمير لعقبات الحوار "عقبة الاجتماع التحضيري في اثيوبيا، التفاوض مع الحركات المسلحة وتهيئة المناخ . وصف كمير مجلس السلم والامن الافريقي بقلة الحيلة". اؤمن بشكل صارم أن امورنا حلها في الخرطوم، وأن من اهم واساسيات تقدمنا لسودان المستقبل هو في سودنة الاختلافات والحوار لحلها وليس تدويلها.

العقبات التي فصلها كمير هي العقدة الان وتحتاج لتقديم مخرج يجعلنا نقترب من امكانية عقد "حوار بناء على اسس موضوعية" كما اتفقت كافة القوى المعارضة. بشكل او اخر هناك اتفاق على الاعتراف بسلطة الامر الواقع وهو المنطلق. اود هنا تبسيط الاجراءات بدل الغرق فيها، لتصبح عاملاً ايجابياً في الوصول لنتائج.

لدينا الأن وقف للعدائيات، حرية التعبير واطلاق الحريات, يمكن للرئاسة أن تقنن هذا بالرجوع لاعتماد وثيقة الحقوق وتعديل القوانين التي تتناقض معها، ازالة التعديلات التي غيرت من مسئوليات ومهام وواجبات الامن والمخابرات في تعديلات دستورية اخيرة. بعد التصديق على هذه التعديلات، حل كل المنظومات الدستورية التي تم انتخابها اخيراً. يظل الولاة في قيادة الولايات.

اشكالية رئاسة رئيس الجمهورية للحوار يمكن قبولها من أنها ضمان للرئيس في أن لاينقلب المتحاورين عليه وتسليمه للجنائية الدولية، كما أن القرارات والتعديلات هي ضمانة للفرقاء المتحاورين في وجود المناخ المناسب.

يؤجل الحوار لثلاث اشهر تنفذ فيها هذه الالتزامات وفتح حوار مجتمعي حول ما اسماه كمير مدى التغيير المطلوب، سقوفه، القوى التي سوف تشارك في الحوار ومعايير المشاركة المتعددة المستويات وغيرها. من المفترض أن يفتح هذا الطريق لقبول المعارضة بالجلوس في طاولة الحوار والاتفاق على الاجندة الوطنية المطروحة. ومن ثم يمكن أن يبدع السودانيين في ترتيب الآليات التفيذية للحوار، وهنا سوف نجد من التجارب والمنظمات المختلفة تجارب مفيدة.  
 
   
 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.