صدر كتاب حركة 19 يوليو 1971: التحضير، التنفيذ، الهزيمة  للرائد (م) عبد العظيم عوض سرور عن دار عزة للنشر والتوزيع. ربما يتساءل كثيرون في جدوى كتاب جاء بعد اكثر من 44 عاماً، ربما لم يبق من الذين حضروه غير بضع آلاف. من ظواهر الحياة الثقافية السودانية قلة من يكتبون عن الاحداث العظام التي ارخت بكلكلها على حياتنا، وكانت 19 يوليو احد هذه الاحداث. فرغم انها اضعفت اكبر حزب في المنطقة، افريقيا وربما اكبر من ذلك، فلم تتعد ما كتب عنها العشر كتب او تقل عن ذلك. رغم أن ما دار في جلسات، لقاءات وقعدات السودانيين كانت لتملأ عشرات او مئات الكتب، لكنها كلها طاش بها الهواء.
في السبعينات وقد شهدت جزءاً منها، كان ابطال "حركة يوليو" واسطة عقد الجلسات التي كانت تذخر بالحكاوي والاحداث. نستمع بإنتباه لقصصهم المترعة بالبطولة والمجد، نتساءل حولها ونفصلها وتأخذ منا الساعات الطوال. وقد كنت من الذين انتظروا الرأي الرسمي حولها، في السبعينات ومن بعدها بعد الانتفاضة 1985، لتشفي غليل تساؤلاتنا، لكن طال الانتظار حتى اطلق الحزب الشيوعي السوداني تقييمه في يناير 1996.
   
النزاهة والشفافية
لست معنياً كثيراً بالاحداث ودقائقها ومدى مطابقتها للوقائع، فهذه مهمة المؤرخين، وصناع الاحداث مثل الرائد (م) عبد العظيم عوض سرور، لكني معني بشكل خاص بما يمثله هذا الكتاب من استعادة "النزاهة والشفافية" في الحياة السودانية، والتي اعتقد أنها التي تهم الاجيال الصغيرة، التي ترى في هذه الاحداث تأريخاً لايعنيهم كثيراً، وإن كانت لها تداعيات تنشر ظلها الاسود عليهم حتى الأن.
النزاهة هي مجموعة من القيم المتعلقة بالصدق والأمانة والإخلاص، والالتزام بمباديء اخلاقية  في السلوك للتعامل بعدالة ودون تمييز أو انحياز وبمهنية وموضوعية في ادارة الشأن العام المسؤول عنه، وفي العلاقة مع الاخرين، ويتطلب توفير النزاهة توفير عدد من الضمانات التي تقف في وجه مظاهر الفساد المختلفة وتضمن عدم وجود تضارب في المصالح يمكن أن يحسم لصالح الفرد المعني ضد المصلحة العامة. النزاهة في السياسة ترتبط بالشفافية في حق المواطنين على الاطلاع على أي مواقف او سياسات يقررها او ينفذها السياسي.
يقصد بالشفافية مبدأ خلق بيئة تكون فيها المعلومات المتعلقة بالظروف، القرارات، الأعمال الحالية متاحة ومنظورة ومفهومة، وبشكل أكثر تحديداً وفق منهج توفير المعلومات، وجعل القرارات المتصلة بالسياسة المتعلقة بالمجتمع، معلومة من خلال النشر في الوقت المناسب. تعرف هيئة الأمم المتحدة الشفافية بأنها "حرية تدفق المعلومات معرفة بأوسع مفاهيمها، أي توفير المعلومات والعمل بطريقة منفتحة تسمح لأصحاب الشأن بالحصول على المعلومات الضرورية للحفاظ على مصالحهم واتخاذ القرارات المناسبة ، واكتشاف الأخطاء" .

مدخل شخصي
عندما قام انقلاب مايو كنت على اعتاب الجامعة، وقد عشنا ايامنا في جامعة الخرطوم ونحن نتابع احداث سنتها الاولى، وما أنعكس منها علينا. وحتى ذلك التاريخ لم اكن سوى شاباً ليبرالياً بالمعنى الاجتماعي، من اسرة مستنيرة لها ارتباطات باليسار. وكان الجو العام المحلي والعالمي يميل نحو اليسار وكنت تحت تأثيرها. حضرت انقلاب 19 يوليو وانا في إجازة في بورتسودان من دراستي بالقاهرة، وكنت قد انتقلت اليها للالتحاق بكلية الطب. وشاركت في مظاهرة تأييد انطلقت من نادي العمال، وانتهت بورود انباء عن سقوط الانقلاب. الايام التي تلت كانت هي الحاسمة في حياتي وحياة غيري من السودانيين، وكما عبر عنها الاستاذ نور الهدى محمد، فقد انتقلت من الشباب إلى الرجولة.       
كانت الايام التالية كثيرة الارباك والهياج العصبي، فقد غطت وسائل الاعلام المحتكرة من الدولة كلها احداث بيت الضيافة باشكال درامية، وفي وسط ذلك تمت اعدامات وتصفيات مفزعة لكافة من قاموا بالانقلاب وقادة الحزب الشيوعي. الذي تسرب من المحاكمات والمواجهات من البطولة والشجاعة الذي ابداها كل الذين حوكموا، تم اعتقالهم او شردوا اصبحت هي ما تبقى في التاريخ. هذا ما دفعني للالتحاق بالحزب بعد الهزيمة مباشرة، وعندما اصدر الحزب الشيوعي بيان الاستقلال 1972 "تهمة لا ننفيها وشرف لا ندعيه"، كنت داخله.

استعادة الاستقامة والنزاهة
لا تستعمل في الفضاءات السياسية سواء المحلية او العالمية بشكل واسع. حدثت احداث عديدة في العالم تمت التغطية عليها بوسائل متعددة، اشهرها اغتيال ابراهام لنكولن، جون كنيدي، مارتن لوثر كنج، مالكولم اكس، حرب فيتنام وغيرها، لكن بعضها طالته وتم التحقيق فيها والوصول لمن ورائها من مثل ووترقيت التي ادت لاستقالة نيكسون، غزو السوفيت لاغغانستان والتي سوف يصفها مؤتمر نواب الشعب في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية في العام 1989، بـ"المغامرة الكارثية" وصولاً للتقرير الذي قدمته السناتور ديانا فينستين، رئيس لجنة المخابرات بالكونجرس الامريكي، تقريرها المعنون لجنة دراسة وكالة الاستخبارات المركزية "الوكالة" حول برنامج  الاحتجاز والتحقيق، والتي عرفت اعلامياً باسم "تقرير تكنيكات التعذيب".
ربما كانت اول محاولة فردية في استعادة الاستقامة والنزاهة في حياتنا السياسية، مؤلف الأستاذ المحبوب عبد  السلام (الحركة الإسلامية، دائرة الضوء، خيوط الظلام تأملات في العشرية الأولي لعهد الإنقاذ)، ليبتدر هذا النوع من الكتابة، ويقدم "دعوة للجميع أن يتأملوا في تأملاتنا ويفحصوا صوابها وخطئها ويكملوا نقصها". لم يكن الهام معلومات الكتاب، او دقة المعلومات، لكن تحمل المسئولية في الانقلاب بوضوح من اعتمادها من مجلس شورى الجبهة الاسلامية القومية، تنفيذ الانقلاب واسس اختيار قادته وغيرها مما فصل فيه الكتاب.
بدأ العميد معاش عصام ميرغني طه المساهمة في هذا الموضوع الهام، بالعمل على احد المخازي التأريخية السودانية "قصة حرب أهلية" عن حروب الجنوب، والذي صدر في يناير 2014م بالقاهرة.  وكما جاء في الكتاب فهو يصب في إرساء وتعميق مفهوم "الحقيقة والمصالحة"، الاعتراف بالأخطاء التاريخية، وبالقصور الوطني، للوصول للتسامح والتعافى.  
سوف يواصل سرور هذا المشوار في كتابه "حركة 19 يوليو 1971: التحضير، التنفيذ، الهزيمة". في خليط من الكتابة مزجت بين النظرة الموضوعية الفاحصة، وتسجيل العواطف والانفعالات الجياشة التي ساورته في مراحل عديدة. هذا النوع من الكتابة يحتاج لشجاعة كبيرة ومسئولية، وسوف يكون هناك دائماً ثمناً ما يدفعه الكاتب.  

الكاتب
هناك تعريف ضاف للكاتب عبد العظيم عوض سرور في الصفحة الاخيرة من الكتاب، لكن التعرف الحقيقي يأتي في ثنايا الكتاب، والذي اشركنا الكاتب فيه ليس فقط في احداث الانقلاب، ولكن في الخلجات والانفعالات الشخصية التي ساورته. ويعبر الكاتب أنه رغم مرور اكثر من 44 عاماً على الحدث إلا أن اسئلته لازالت تؤرق كل من شاركوا فيها، حضروها وهم رواشد ومن اثرت فيهم بشكل مباشر او غير مباشر.
رغم تواضع الكاتب حول دوره في الانقلاب، سوف نرى من ادواره المختلفة التى لعبها، وسجل ما تذكر منها من التخطيط والذي شارك فيه سواء بالمعرفة او حضور اجتماعات تناولت هذا الموضوع، تجنيد الكثير من المشاركين في العديد من المناطق التي عمل بها، ومن ثم المشاركة في التنفيذ والعمل بشكل مباشر مع مهندس الانقلاب عثمان ابوشيبه. يعطي هذا مصداقية عالية للكاتب، خاصة وانه قد تناول كل القضايا المسكوت عنها او يتم تناولها بمنطق اياك اعني.
سوف نتناول في بقية المقال كيف أن غياب نتائج تحقيق نزيه سواء من الدولة (دار حديث طويل عريض حول لجنة مولانا حسن علوب والتقرير الذي قدم واختفي) او عدم نشر التقييم الذي توصل اليه الحزب بعد استقرار الاوضاع في المعتقلات، كان له تأثير كبير على كل الاحداث التي تلته. لقد تأخر هذا التقييم حتى يناير 1996، وجاء ناقصاً كما اوضح الكاتب، وكان احد اسباب التأخير عدم صدور تقييم العسكريين (ص137-139)، والذي اكد الكاتب أنه تم انجاز التقييم العسكري "المقاومة الباسلة" من كافة السجون وارسالها لمركز الحزب قبل نهاية 1972.
لقد حاول الكاتب أن يقدم شهادته عدة مرات، كان اولها التقييم العسكري "المقاومة الباسلة" من كافة السجون، ثم اجراء حديث صحفي مع ابوبكر الامين  لجريدة الميدان، بمناسبة ذكري 19 يوليو علم 1986  والذي لم ينشر، وفي عام 1986 مثل امام لجنة عسكرية كانت برئاسة العقيد معاش محمد محجوب عثمان لتقصي الحقائق حول الحركة، ويرى الكاتب أن هذا التقرير أيضاً لم ير النور.

الكتاب
عندما اصدر الحزب وثيقة "تهمة لا ننفيها وشرف لا ندعيه"، كان منشوراً عاطفياً ضرورياً، مطلوباً ومناسباً لتجاوز الازمة العميقة التي وجد الحزب نفسه في دوامتها، وتمجيداً للبسالة الفائقة التي كانت عنوان المرحلة. لقد شكلت هذه الوثيقة الولادة الثانية لحزب اصابت الهجمة الشرسة كل مفاصله، وجعلتها معطلة تقريباً. توقف الحزب عن التطرق للانقلاب طوال ربع قرن. وسوف يصف سرور الوضع بعد اكثر من اربع عقود من الحدث، أن اهم تفاصيل واحداث تلك الحركة لم يكشف بعد، ووصف تقييم الحزب الشيوعي الذي صدر في يناير 1996 "في اعتقادي ان التقييم الذي طال انتظاره قد جاء ناقصاً وحوى بعض المتناقضات ولم يشف غليلاً!".
جاء الكتاب من ذخيرة الكاتب المعلوماتية والذاكرة، وكابد مؤلفة المشاق المتعددة في إيصال الكتاب لقرائه، وأسالوا مجرب، لكنه كتاب من اهم ما تناول انقلاب يوليو. وهذا نوع من الكتابة يعطي الكتاب حيوية ويجعلها اقرب للوجدان، لكن يقلل من قيمتها التوثيقية واعتمادها كمرجع محقق، خاصة بعد صدورها بعد اكثر من اربع عقود. ربما ما يعطي الكتاب ميزة استثنائية هو قدرته على طرح الاسئلة المناسبة، محاولة الاجابة عليها من واقع معلوماته، ثانياً أنه رصد النقص في تقييم يوليو من الحزب المعني بها واخيراً دعوته الجريئة بأن يتم الكشف عن احداث يوليو، خاصة مجزرة بيت الضيافة، بكل ملابساتها.

الانقلاب
يحاول الكتاب جهده ان يرصد احداث الانقلاب من وجهه نظر احد المشاركين فيها، ويمكن بوضوح غياب المشهد السياسي سوى في احيان قليلة. ويشكل هذا تساؤلاً جدياً حول العلاقة بين الحزب الشيوعي وجناحه المسلح آنذاك. لقد كان فشل الانقلاب واضحاً كما بينه الكاتب وتصل درجتها من الوصف المقدم للأهمال والتقدير الخاطيء وغيرها من الاوصاف التي استعملها. سوف يلاحظ الكاتب، وأيضاً محمد سعيد القدال أن المنظمات الحزبية داخل الجيش كان لها حرية واستقلالية  نسبية، وتقدم افادة الكاتب البيان الواقعي لهذا السلوك.
ناقش الكتاب ثلاث قضايا هي المحورية في مجمل الحدث وتداعياته: الاول: كانت مناقشة طويلة حول موقف الحزب من الانقلاب، ومن موقعه كمشارك وتحليل بعض البيانات وكتابات متعددة سوف يصل " الانقلاب قد تم بعلم الحزب ولايمكن نفي علم الحزب بالانقلاب لأنه لم يكن يعلم بساعة الصفر"، لكن هذا يقود لسؤال اكثر الحاحاً، فإذا كان الحزب على علم فلماذا كان ادائه مرتبكاً في اصدار المراسيم، القوانين، مجلس القيادة وغيرها.
ثانياً: افرد الكتاب الفصل الرابع لمجزرة بيت الضيافة، بإعتبارها احد اهم الاحداث التي ارتبطت بالحركة " كان الاحرى بالحزب الشيوعي السوداني أن يكون أول المهتمين بكشف حقيقة ما حدث في بيت الضيافة، لكن الحزب لم يهتم بذلك. وحتى عندما اصدر تقييمه لحركة 19 يوليو في يناير 1996". لم يتوقف الكاتب عند هذا ولكنه طالب "الشيء المؤكد أنه ليس للحزب (أي كمؤسسة لم يصدر امراً لاحد - كاتب المقال) علاقة بالمجزرة، ولكن ضباطاً شيوعيين اتهموا بارتكابها، ومن حقهم وهم في رحاب الابدية ان يتصدى الحزب بالدفاع عنهم وإثبات براءتهم إن كانوا ابرياء، او الاقرار بإرتكابهم الجريمة وحدهم أو بالإشتراك".
ثالثاً: سوف يواصل الذين اشتركوا في المحاولة الانقلابية، افضل ما عرف عن العسكرية السودانية، الشجاعة المفرطة. ففي تأريخ الانقلابات – حسب علمي- لم تسجل حالة واحدة لشاهد ملك، وكان مشاركي انقلاب يوليو من سطروا بطولات مذهلة. عرض الكاتب هذه المواقف في عروض ذاخرة من التعاطف والحب الكثير لزملاء واصدقاء عاصروه في حياته القصيرة في الخدمة.

أخيراً
منذ تقرير القاضي توفيق قطران حول احداث 1955 في جنوب السودان، تمت التغطية بشكل متواصل على كافة الاحداث في السودان سواء في فتراتها الديمقراطية او الديكتاتورية، كل الفرق كان أنه في الديمقراطية كانت المعلومات متوفرة اعلامياً، ويمكن ان تناقش. على المستوى السياسي، وعلى مر العقود، تمت احداث لم تطرح للرأي العام بشكل شفاف، ناهيك عن النزاهة، اولهما انقلاب عبود، انقلاب 25 مايو وانقلاب 19 يوليو، الغزو من ليبيا عام 1976، اغتيال الشهيد على فضل، احداث انقلاب رمضان 1990، غزوة ام درمان 2010، القتل الجماعي في دارفور، واخرها وليس اخرها احداث اغتصابات ثابت وعشرات غيرها.
اتناول هذا الكتاب الهام، ليس للاهتمام بموضوعه فقط، فقد أثر على اجيالنا جميعها بشكل او اخر، وأثر على مسيرة الوطن في التحولات الكبرى التي حدثت في السودان واتجاهات النميري بعدها، لكن مهتم اكثر بإعادة واستعادة "النزاهة والشفافية" في الحياة السودانية. من يقوم بهذا هي الاحزاب السياسية والمنظمات ومؤسسات الشأن العام. ليس المطلوب اعترافات كهنوتية، لكن تحقيقات مستقلة توضح الحقائق وتدفع بنا من صحاري الانتقام والمرارات لوديان التصالح والتعافي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////