عندما طرحت كتابيّ حول الرؤية، تناولت المعطيات الاقتصادية والمادية، والانحيازات الاجتماعية كمعطيات لمن سوف يعملون عليها، لكن في محور الاجابة على سؤال لماذا نحن هنا؟، تناولت احد اكثر القضايا الشائكة في تاريخ السودان عبر تأريخه، إدارة التنوع، والذي سوف يكون من نتائجه وجود السودان المعروف نفسه. ففي فصل حول "مؤسسة الجلابة: من التمازج إلى العنصرية"، تطرقت لمجمل المجالات الثقافية التي طورت عبر العقود لتعمل ضد التنوع.
جاء التفكير في الكتابة عن الثقافة البديلة، بتناول بعض المظاهر الثقافية عندما حدثني "إبن خالي" وائل سيد عبده عن حلقات "شق البلد". ووائل فنان ومبدع، وورثه من والده سيد عبد بدر وهو مثقف من طراز رفيع، ناقد، ضليع في الثقافة النوبية. ورغم انه مقل كثيراً في الكتابة ويعتبر مثالاً للشفاهة، فقد اثر في اجيال من المثقفين السودانيين ولا يزال. كان سر حماسي إنني من الذين يتعاطفون مع كل البرامج التي تتصدى وتنزع لتشجيع وتقوية الروح الوطنية، القومية والترابط الاجتماعي بين مكونات السودان. وهذا تراث طويل كان افضلة برنامج صور شعبية للمغفور له الطيب محمد الطيب. قادني هذا، في إنتظار اكمال حلقات شق البلد، أن ابدأ في تناول شيخ البرامج الرمضانية "أغاني وأغاني".   


صناعة اغنية الوسط
عندما انهزمت المهدية في كرري تاركة ورائها آلاف القتلى والجرحى، وعبر كتشنر النيل ليستقر في مقر الحكمدارية التركي في الخرطوم، كانت امدرمان تبدأ تطورها المستقل. مدينة المهدي التي ضمت أشتات القبائل والطوائف المختلفة كانت تبلور الأصل الأول للثقافة العربوإسلامية، المطعمة بالعادات والتقاليد المستلفة من هذا المزيج الهائل من الثقافات والأعراق، وبدلا من رقص النوبيات في الجرجار وشقهن الصفوف، قفز الحمامة عند الشايقيات في الحلقات، رقصة الكمبلا عند النوبة والمسيرية، الجراري في بوادى دارفور وكردفان وغيرها وهي جميعا من الرقصات الجماعية، تبنت أمدرمان السباتة "عندما تبدأ الحفلة الطرب، كان كل الحضور من النساء يجلسن في (برش) ويولين وجوههن شطر الحائط، أما الرجال فيرقصون بعيداً عن النساء، وبمعزل عن النساء". المرأة السودانية التي أتت من الحريات النسبية بدأ في دسها في حوش النساء، وقل خروجهن من المنازل وبلغ تكريس المرأة لدورها المنزلي قمته.
كما حدث في اللسان والأخلاق فقد حُدِدَ الغناء السوداني بكافة انواعه في أطراف السودان المختلفة، بأغنية الوسط وأصبحت نمطاً معيارياً "عرف الغناء العربي في وسط السودان بعد هجرة القبائل العربية ومنها إلى الغناء الموزون والمعروف بمصطلح الطنبور الذي بدأ وتطور وانتقل بكامل قالبه إلى غناء الرق الذي استمر على منواله حتى ظهور الاستخدام الالي المصاحب لكلمات الأغنية والتي أصبحت قوالبها مشابهة لبعض القوالب الغنائية العربية حتى الوقت الحاضر"( د. عباس سليمان حامد السباعي: الموسيقى والغناء في وسط السودان بين التقييم والتقويم، الراكوبة).
وصفت الاغاني غير العربية باغاني الرطانة حيناً أو بإرجاعها إلى الاثنية حيناً أخر، حتى الشايقية لم يسلموا من تواجدهم خارج التسمية، فوصفت أغنيتهم باغاني الشايقية. أغنيات القبائل العربية الأخرى خارج الوسط قبلت ولكنها لم تعتمد في النمط السائد، وتحددت لها مساحة ما كان يعرف بأغاني ربوع السودان نسبة للبرنامج الشهير في الإذاعة السودانية الذي كان يبث تلك الأغاني. "إلا أن الملاحظة التي يمكن رصدها هنا هي: تلك المتعلقة بالمفارقة الواضحة بين شكل تلك الأغنية الحديثة .... وبين شكل الغناء الشعبي...إذ يتميز هذا الأخير دون الأول بشكل الأداء الجماعي، وهو أمر ظلت بعيدة عنه إلى حد كبير الأغنية الحديثة في السودان. هذا إضافة إلى اعتماد الأغنية الحديثة على لونيه واحدة، هي تلك التي أنتجتها بيئة المدينة وسجلت سيادتها على الذوق السوداني في الكثير من مناطق الوطن رغم التنوع الثقافي الكبير الذي تذخر به الساحة السودانية. أستتبعه بالضرورة تنوع في الفلكلور الموسيقي والغنائي عند الجماعات والقبائل المختلفة ثقافياً أو نوعياً، مثل: الغناء الجماعي عند النوبة، المحس، البرتا، قبائل النيل الأزرق، رقصات البقارة وطبولهم، الاحتفالات الطقسية بجنوب السودان، النقارة، والجراري .... الخ عثمان تراث: عقد الجلاد و السمندل: مكتسبات جديدة للأغنية والموسيقى في السودان  sudan-forall.org.
لقد اجبر النمط الوسطي كافة فناني أصقاع السودان للخضوع للونيته الواحدة الفقيرة. لقد ادعت المؤسسة إنها وحدت الوجدان السوداني بأغنية الوسط، ولكن من يريد توحيد الوجدان على نغمة واحدة؟ إن الوجدان السوداني يغتني بالأنغام الغنية التي توجد في أنحاء القطر، ويطرب لها السودانيون عندما يجدون فرصة لسماعها نادراً. لقد عمل سوء إدارة التنوع في بلادنا فعلها من انفصال الجنوب واعطتنا درساً قاسياً في التاريخ القائم على الادعاء.


تطور اغنية الوسط
ينزع كل مؤرخي الغناء السوداني، إلى ارجاعه لشاب من منطقة كبوشيه -ود الفكي. حقق ود الفكي شهرة فاقت ما تعارف عليه مجتمع العاصمة انذاك. ابرز دليل علي تاثير اسلوب ود الفكي الجديد على مؤسس الاغنية الحديثة محمد احمد سرور، حضره وعاصره وغني معه وبدأ بتقليده حتي اكتشافه الاسلوب السائد حالياً. (محاضرة عن الاغنية القيت بمناسبة مرور عشرة سنوات على رابطة الصالحية بالرياض قدمها المهندس: طارق ميرغني علي ـ ونشرت في موقع منتديات البركل). الجسر الذي نقل الاغنية من ما عرف ب"الحقيبة"، كان من فرسانها، جاء من جزيرة صاي –خليل فرح، والذي انتقل من الشعر الحسي الممتليء بانواع الجناس، المترادفات والبيان، إلى الغنائية الصرفة في اغنيات "عزه في هواك" و "ما هو عارف قدمو المفارق".
لكن من رسخها وجعلها التيار الرئيسي، وفتح الابواب لتطورها اللاحق كان من نصيب إبراهيم الكاشف، اول من كون فرقة موسيقية ونقل الطرب من التكرار والغناء الرتيب، إلى افاق بناء لحني جديد، اكثر من ذلك كان الكاشف مؤدياً، له شعراء وملحنين. سوف ينتظر الغناء الجديد صوتاً قوياً وكلمات رشيقة، انيقة وراقصة لينقل اغنية الوسط نقلة بارعة. دشنت المرحلة اغنية "حبيبي جنني" كلمات والحان الطاهر إبراهيم وغناء مع إبراهيم عوض. صارت الاغنية ايقونة الفن السوداني وسوف تدخل الساحة هذا النمط. إذا كانت الساحة مليئة بالفنانين من حسن عطية، عثمان حسين، عثمان الشفيع، الكابلي، ابن البادية وغيرهم، فقد كان الانتقال الاهم من نصيب فنان جاء من ارض النوبة، حاملاً تراثاً عميقاً وفي نفس الوقت سيغير مضامين اغنية الوسط إلى الابد.
منتقلاً من برنامج ربوع السودان حيث أوصل الاغنية النوبية عبر الاذاعة في الخمسينات، مشوار سوف يواصله مكي علي ادريس ويطلق للاغنية النوبية عنانها. كان لقاء محمد عثمان وردي واسماعيل حسن إيذاناً بانقلاب في المضمون الغنائي وفي ادخال ايقاعات نوبية في الالحان. مشوار سوف يجذب اليه اصوات جديدة من اسحاق الحلنقي، محمد على ابو قطاطي، محمد المكي ابراهيم، صلاح احمد ابراهيم وغيرهم في المرحلة الاولى. سوف يخترق نجم جديد الساحة أيضاً ويكون مع وردي دعاة التجديد – محمد الامين مع فضل الله محمد، هاشم صديق وغيرهم.
سوف تشهد السبعينات والثمانينات هذا الانقلاب باكمل صوره مع شعراء الغنائية المفرطة، المعاني المركبة، السهل الممتنع والشجن محجوب شريف، الدوش، مبارك بشير على صوت عملاق صقلته التجارب المختلفة. كانت هذه المرحلة قمة نضوج اغنية الوسط، واكتملت دائرتها مع مصطفي سيد احمد، الذي رفد الالحان بايقاعات الشايقة مع حميد وشعر البادية وتراث الدوبيت مع القدال وأيضاً مجموعة عقد الجلاد.  سوف تدخل بعدها اغنية الوسط، كما حدث للوطن أزمة هوية عميقة من التنوع المنسي. هذه الازمة جسدتها بجدارة برنامج "اغاني واغاني".


أغاني وأغاني
لمدة عشر سنوات متواصلة، وبعد ان ينتهي الصائم من الافطار، يتجمعون حول قناة النيل الازرق الفضائية السودانية لمشاهدة برنامجها الشهير أغاني وأغاني. يعد البرنامج من أبرز برامج الغناء إنتشاراً في السودان ويحظي بنسبة مشاهدات عالية وكبيرة من جميع أنحاء السودان المختلفة. واكتسب البرنامج شهرته الواسعة من مقدمها الفنان، الشاعر ومقدم برامج محترف الاستاذ السر قدور، مجموعة من الفنانين الموهوبين واخيراً انتشارها بواسطة وضعها كيوتيوب بجودة عالية مباشرة عقب بث الحلقة.


إعادة انتاج السائد
يتكون البرنامج من مكونين اساسيين، اولهما يتحمله الاستاذ السر قدور، ويقدم للاغنية او عن الانماط التي تنتمي اليها مجموعة الاغاني، قصة تأليفها وغيرها. المكون الثاني هو منتخبات من اغان متنوعة يتم تقديمها من فنانات وفنانين موهوبين، وبعضهم تبناهم البرنامج وهم لازالوا في بداية طريقهم. هذا المكون أيضاً يلعب فية قدور دوراً كبيراً بتوزيع الاغنيات حسب الامكانيات الصوتية. إلى هذا الدور المتميز لقدور يعزى النجاح الباهر.
لكن البرنامج أيضاً في حقيقته هو إعادة انتاج لما درج على تسميته "اغنية الوسط"، "الاغنية السودانية"، "الاغنية الامدرمانية" وغيرها. اغنية تم تركيبها في الوسط النيلي، وخاصة في العاصمة المثلثة منذ اوائل القرن العشرين، عبر تطور تأريخي واجتماعي، داعسة تحتها كل التنوعات اللحنية، الايقاعات واللغات المتنوعة لاهل السودان. البرنامج جمع مجموعة من هذا الوسط الثقافي لإعادة الترويج لتراث طويل من صناعة الوسط والادعاء بأنها "الاغنية السودانية".
ولان هذه المقالة ليست معنية بمتابعة تطور الفن الغنائي فأشير لكتاب "من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان"، بجُزئيه الإثنين، لـ معاوية حسن يس، من اصدارات مركز عبد الكريم ميرغني. مقالات عبد المنعم إدريس المحام " فذلكة تأريخية حول الغناء وشعره في السودان ومآلاته"، وغيرها في الاسافير.


نحو ثقافة بديلة
لايهدف هذا المقال لتحميل برنامج اغاني أي تبعات حول اغنية الوسط، فأنا كغيري اطرب لها وهي تواصل تقليداً عريقاً في تكريس الثقافة الوسطية، وتتجاهل تماماً أي ثقافات غنائية سودانية. تنتمي الاغنية السودانية في مختلف انحاء الوطن، في أغلبه، للحزام الخماسي والذي يبدأ من جزر الكاريبي مروراً بافريقيا من المغرب، الامازيق غرباً وحتي مالي، موريتانيا، النيجر، نيجيريا وتشاد ثم يتوسط الحزام السودان وعبره يمر نحو اثيوبيا، اريتريا، وجيبوتي ثم الهند وحتي الصين ثم كوريا. لكن يوجد في السودان أيضاً سلالم اخرى.
داخل هذا الحزام تتواجد ايقاعات لاتظهر فيما يسمى الاغنية السودانية من النوبيين، الشايقية، قبائل دارفور الافريقية، وقبائل البقارة والابالة من عرب دارفور وكردفان، جبال النوبة، الانقسنا وجنوب النيل الازرق، البجا، البني عامر والحلانقا في شرق السودان، إلا في موسيقى الجيش والجلالات. ليس هذا مجرد خلل طاريء او تطور عشوائيء، لكنه بناء ايديولوجي تعهده البنائون بالرعاية والعناية والغرض.


العوالم المنسية
برغم السياج الذي ضرب حول ضروب التنوع، وسيطرة الوسط على المكونات الفنيية وكيفية تداولها، إلا أن هناك كما أشار صلاح شعيب (الطاهر إبراهيم: من الانقلاب العسكري إلى الانقلاب الغنائي)، كانت هناك محاولات لكسر جدار الصمت حول التنوع " تجربة الفنان موسى أبا التي نقلت المقامات السباعية مهدت المجال للفنانين عبد القادر سالم، وصديق عباس وعبد الرحمن عبد الله لحقن الأغنية السودانية بإيقاعات وأنغام جديد، وتحاول الآن دارفور أن تسجل حضورها من خلال نغمات عمر إحساس وأحمد شارف، وآخرين ومن يدرينا فربما يفاجئنا فنانون شباب من النيل الأزرق، وجنوب كردفان، وشرق السودان، في المستقبل حتى يهتموا بتطوير الميلودي السوداني وإكسابه إيقاعات، وأنغام، تضاف للمجهودات التي قدمها الطاهر إبراهيم وزملاؤه".
افرزت أزمة اغنية الوسط ظواهر في مسيرتها تناول احداها المهندس: طارق ميرغني علي وهي ما يسمى "الاغنية الهابطة". واورد أن دراسة حوالي 63% من الشباب يتقبل هذا النوع من الاغاني دائما او احياناً. ورغم التفسير الاخلاقي لمثل هذه الظواهر، ألا انني اعتقد أنها جديرة بدراستها في علاقتها بالازمة العميقة التي تعيشها مفاهيم وقيم الوسط المفروضة قسراً، مما اجمل في وصفه بأزمة الهوية السودانية وتجلياتها المختلفة.
الظاهرة المصاحبة الاخرى هي نضوب معين الأغنية السودانية في شكلها الحالي، اجترارها للقديم وتهالك مضامينها. لقد استطاع عمالقة كبار وشعراء افذاذ قيادة مركب "اغنية الوسط"، لتلبي احتياجات العوالم المنسية، لكنها مع الصراع المحتدم حول التوق للمساواة والعيش المشترك وصلت منتهاها. هناك اصوات مبشرة بامكانياتها، لكنهم إذا أرادا أن يصنعوا طريقاً مختلفاً، كما فعل من قبلهم عليهم الخروج من اغنية الوسط المأزومة، الخروج من الواحد إلى فضاء التنوع، من ثقافة السائد إلى الثقافة البديلة.  
اخيراً
كما ذكرت في البداية سوف انتظر حلقات "شق البلد"، لأرى كيف يتناول البرنامج العلاقة مع الاخر في الوطن من وجهه نظر المركز. هذه ثقافة كاملة اود أن يتناولها برنامج تتوفر له كل اسباب النجاح بنظرة جديده وسنرى.   

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.