مدخل
عندما اخبرت احد الاصدقاء بعنوان هذا المقال وكان "الهيكلة ام يباس العود"، رجاني أن اغير العنوان، لأن هذا يضيف للاحباط والقرف السائد من انسداد الافق الحياتي والسياسي. وقد وجدت أن من حقه كقاريء أن اتفاعل معه. واود الاشارة هنا أنني من المتفائلين الدائمين بالمستقبل مهما كان ادلهام الظلم وعبثية الاحداث، متساوياً فيه مع موقف المواطنين السودانيين العاديين، وكان اخرها الاضراب الشامل الكامل تجاه الانتخابات.   

حوار الاستاذ محمد علي جادين
مناسبات حوارات الاستاذ محمد علي جادين، عضو هيئة قوى الاجماع الوطني عن حزب البعث السوداني، مناسبة اجدها دائماً تمدني بافكار جديدة. واهمية جادين في حياتنا السياسية لها طابع استثنائي، فقد كان من اوائل من اعادوا مراجعات جدية حول الايديولوجية العروبية في طبعتها اليسارية، أدت بهم لتغيير اسم الحزب. وجادين من السياسيين المثقفين، فهو كاتب ومترجم للعديد من الكتب الهامة في الدراسات السودانية. ورغم من تصريحات السياسيين ونشطاء العمل السياسي المعارض، إلا أن جادين يكتسب شجاعة فتح الملفات المسكوت عنها. كان اخر حوارات الاستاذ جادين حول هيكلة قوى نداء السودان، في جريدة التيار بتأريخ الاحد 10 مايو 2015، واجرت الحوار فاطمة الغزالي.  


سؤال البديل
لم يطرح أحد في السودان سؤال البديل عند مواجهة النظام الانقلابي، فقد تجمع كل زعماء الأحزاب السياسية السودانية في سجن كوبر وفيهم د. حسن الترابي كجزء من إستراتيجية إخفاء هوية الانقاذ السياسية (عرف في الأدبيات السودانية اذهب إلى القصر رئيساً واذهب إلى كوبر سجيناً). تنادى الزعماء إلى طرح أول ميثاق للتجمع كتبه قيادات الأحزاب المعارضة من داخل سجن كوبر العمومي ووقعت عليه كافة الأحزاب والقوى الشعبية في 21 أكتوبر 1989م (أحد عشر حزباً و51 نقابة).
كان هذا التفكير مرتبطاً بتحليل الدولة –أي السلطة، التي كان قد درسها د. تيسير محمد احمد على، في عمله الرائد "زراعة الجوع في السودان"، وحدد الملامح الأساسية للدولة السودانية في تطورها عبر عقد ما بعد الاستعمار، والتي ستلقي بظلالها الداكنة على هذا التطور حتى تأريخه. ملمحها الأساسي الأول، أن سياسات الدولة السودانية ظلت ثابتة لوجود قوى طبقية مهيمنة "ظلت دولة ما بعد الاستقلال دولة تشكيلة اجتماعية محيطية مهمشة وتابعة". الملمح الثاني، أن الدولة السودانية تعتمد على انتاج السلع الأولية المتدنية الربحية وتستورد غذاءها، وكل المنتجات المصنعة. الملمح الثالث تناوله نشوء ما اسماها ب"البرجوازية الطفيلية".
كان تكوين التجمع الوطني الديمقراطي، إستعادة لتقاليد راسخة في العمل السياسي السوداني منذ مؤتمر الخريجين، ثورة اكتوير 1964 وإنتفاضة 1985. اطاحت "إعادة الهيكلة" بتوحد التجمع، ووصلت لاتفاقيات نيفاشا كاربع قوى – الانقاذ، الحركة الشعبية، التجمع وحزب الامة. وقد نال هذا من مشروعية التجمع في ادعاء تمثيل الشعب السوداني، مما سمح باقصائه وعقد اتفاقية جانبية معه في القاهرة. اطاحت الهيكلة بالاجماع الوطني ودخلت معركة حوار الوثبة كقوى متعددة. أيضاً برزت الهيكلة في وريث الاجماع "نداء السودان". يحاول هذا المقال النظر أبعد من اشكالية الهيكلة التي تطل برأسها في كل مركز موحد للمعارضة، (التجمع، الاجماع ونداء السودان)، للنظر في فاعلية التقاليد الموروثة منذ الثلاثينات وصلاحيتها في إدارة الصراع حول السلطة في القرن الحالي، كما يتطرق لدور هذه التقاليد في تعويق نشوء أشكال ملائمة.
كما حافظت الدولة السودانية على ملامحها الاساسية، على طول تاريخها، حافظت القوى المعارضة على ثبات آلياتها في ادارة الصراع، فلماذا حدث هذا؟. ليس من السهل الوصول لاجابات قاطعة لهذا السؤال المحوري في حياتنا السياسية السودانية، على الاقل لجيلي من الستينات والسبعينات، وإلا كنا قد طرقنا مساربأ اخرى. لكن من الظواهر الواضحة أن هذا الجيل هو المهيمن والمسيطر على مفاصل الحياة السياسية، خاصة الحزبية حتى الان. وربما من المذهل أن من قادوا اكتوبر وابريل هم انفسهم من ارادوا قيادة تغيير الانقاذ. هذا اليباس في بنية قيادة المعارضة، يعادل يباس الدولة نفسها وربما يفوقها، ونقصد باليباس ليس بفعل العمر، وهذا موجود، ولكن في سيادة فكر المرحلة حتى عند الشباب الغض الاهاب.


التجمع، الاجماع ونداء السودان
كان فكر القرن الماضي، يتكيء على موروث الحرب الباردة، وجود القطبين، كوابت العولمة وقوة الدولة الوطنية أينما حللت. كانت القطارات لازالت تدب على السكك الحديدية، سودانير تطير، البواخر تمخر البحار والانهار، الخدمة المدنية تحسن الادارة ومشروع الجزيرة يصارع الزمن كان الشخص السوداني منذ وصوله مرحلة الرجولة عضواً في تنظيم نقابي "اتحاد طلاب، نقابة عمال او مهنيين، اتحاد حرفيين او مزارعين واخرون أعضاء في تعاونيات كانت ضخمة ومؤثرة" . كانت الحركة الطلابية مستقلة، ومعبرة عن طموحات الاجيال الجديدة، اغلب العاملين والفاعلين إقتصادياً كانوا ينضوون تحت نقابة، اتحادات من العمال إلى المزارعين. كانت هذه التكوينات تشكل "مركز العمل الفاعل"، هي التي تفرز القادة، تحضر للثورات وتقودها. بشكل عام قادت الطبقة الوسطى ثورتي اكتوبر وابريل ، بمشاركة واسعة من العمال والمزارعين.
انحصر دور الاحزاب في ظل هذه الظروف على رفد هذا المركز بقادة متمرسين، تقديم التحليلات السياسية التي تساعد على وضوح المواقف والتحريض وحشد مناطق تأثيرها. لم تقود الاحزاب أي من الثورات السابقة، إنما جاءت مشاركتها اثناء وبعد الثورات في المشاروات حول الفترة الانتقالية، نظام الحكم وغيرها. من وحي هذه المناخات جاء ميثاق التجمع، ومن ثم التنظيم نفسه معبراً عن فكر الدولة الوطنية، والتجمع راعياً ابوياً لها.
جاء الانقاذ لتفكيك هذه الدولة بكل تاريخها، مشاريعها، خدمتها المدنية والامنية، تراثها المعماري والوطني. كان هذا جديداً في عالم مابعد الحرب العالمية الثانية، وسوف يكون الانقاذ رائداً في هذا المجال على طول العالم العربي كما نرى في سوريا، ليبيا، اليمن، العراق وربما لبنان. لكن أكثر ما تم قمعه وضربه كان تكوينات "مركز العمل الفاعل"، من حركة طلابية (اختفت الاتحادات الطلابية في المدارس الثانوية، فرض  الاتحاد العام للطلاب السودانيين، تدخل اجهزة الامن في كافة الانشطة وغيرها)، النقابات، الاتحادات، منظمات المجتمع المدني وغيرها.
سوف تتمسك القوى المعارضة بهذه التقاليد الموروثة، وتسيطر الاحزاب الطائفية الكبرى والحركة الشعبية على مجمل عمل التجمع السياسي، الدبلوماسي وخاصة التمويل، وتخلق منظمة فوقية تحتكر العمل المعارض، تحدد آلياته وتضبط ايقاعه. ورغم التفاف الاف السودانيين داخل وخارج السودان حول اطروحات التجمع الاساسية، إلا أن ضيق المواعين والصفوية حدت من أي مبادرات مخلصة وقلصت المشاركة لاعداد قليلة من "الواصلين". في هذه الاجواء طرحت الهيكلة كصراع حول السيطرة والقيادة. لم تخرج نداءات الهيكلة لاحقاً عن هذه الاجواء.
تغير العالم، انتهت الحرب الباردة، تبخر القطب السوفيتي وتجذرت العولمة لتنال من ثوابت قوة الدولة الوطنية، وكانت الإنقاذ قد تماهت في هذا العالم الجديد. لم تعلن وفاة التجمع رسمياً، لكن جاء الاجماع الوطني وريثاً رسمياً، وقد غاب عنه الاتحادي، الحركة الشعبية والجنوب باكمله، وتردد على دُوُرِهِ المختلفة المؤتمر الشعبي. تغير العالم وتفتت الدولة السودانية، واصبحت تدار بالتجزئة لكل منطقة، قبيلة، مجموعات مدنية تجعلها جزراً مفصولة عن بعضها، لكن جاء الاجماع الوطني على نهج سابقه، منظمة احزاب متنوعة، يديرها نادي رؤسائها، وتصدر البيانات التي تتخذها والتي لايقرأها سوى مدمني البيانات من امثالنا. هذا أيضاً اطاحت به الهيكلة.
تغير الاجماع الوطني، لنداء السودان ومثل تغيراً نوعياً في انضمام الجبهة الثورية، لكن سوف يحافظ على التقليد الذهبي المنحدر من اكثر من نصف قرن "مركز حزبي معارض موحد يمثل الشعب". في هذه المرة وكما كان الوضع منذ منتصف التسعينات، يلائم توحيد مركز المعارضة – وهو حلم صعب تحقيقه في أي مكان سواء السودان، سوريا، ليبيا وغيرها- الاجندة الدولية، فعن طريقها تستطيع الضغط على السلطة والمعارضة لتناول القضايا العاجلة مثل ايقاف الحرب والسماح بالمعونات. كان هذا ميراث كل الاتفاقيات الدولية في العقدين السابقين.


الاهداف، الآليات والخطاب
سوف اتناول في هذا الجزء من هذا المقال، الاشكالية التي أراها تحيط بتكوين "التجمع، الاجماع ونداء السودان" من ثلاث مداخل  "الاهداف، الآليات والخطاب". تعمل كافة اطراف المعارضة في الاتفاق حول الرؤية او الخط السياسي العام "الاهداف"، وسوف تعتمد الاطراف المعارضة المختلفة آلياتها المتنوعة والتي يمكن ان تتفق في أجزاء منها "من اسقاط النظام وحتى الحوار بدون شروط"، الخطاب دولة مدنية ديمقراطية، العدل، المساواة وسيادة القانون.
سوق ينعكس هذا على أن "التجمع، الاجماع ونداء السودان"  اهتمت بالاهداف التي تعنيها "القضايا ذات الطابع السياسي"، وتركت قضايا الشعب اليومية لتعالجها الاحزاب منفردة في حركتها. مايسمى بالقضايا السياسية هو في الحقيقة اتفاقات بينها، أدنى او أقصى، وهي لاتهم سوى النخب. لن يتصدى شعب لتغيير نظام بشكل جاد من اجل المباديء العامة (مثل حرية، عداله، ديمقراطية وغيرها)، إلا إذا تقاطعت مع القضايا الحياتية مثل استمرار الحرب وتوقف التنمية. هذا الربط بين القضايا السياسية والحياتية كان من شأن "مركز العمل الفاعل". لذا كان على "التجمع، الاجماع ونداء السودان" أن يكون من اهدافه ذات الاولوية القيام باكبر عملية دعم وتدريب ورفع قدرات لهذه المراكز وإن كانت ضعيفة (الطلاب، النقابات والاتحادات، منظمات المجتمع المدني، تجمعات مناطق، احتجاجات كهرباء او ماء غيرها).


الديمقراطية والاحزاب
في بداية تسعينات القرن الماضي، وكجزء من إحساسنا بحجم الفجيعة والكارثة تصدى صديقنا د. حيدر إبراهيم للتعامل معرفياً مع هذه الظاهرة المستدامة، ولذلك عملنا معه لتنظيم ندوة تقييم الديمقراطية في السودان، 4-6 يوليو 1993 مركز الدراسات السودانية في القاهرة، وقد شرفني د. حيدر إبراهيم أن أقدم ورقتي بعنوان "ديمقراطيات السودان منذ الاستقلال وحتى إعلان نيروبي" كأول متحدث.
كان تساؤلي الأكبر – والذي لم تعكسه الورقة المنشورة في الكتاب آنذاك جيداً - عن الديمقراطية داخل الأحزاب ودورها في تخريب الديمقراطية في السودان، وقاد النقاش إلى الاتفاق بين الأحزاب أن تقدم نقداً ذاتياً لمسيرتها، وقد ابتدر ذلك الاتفاق المرحوم التجاني الطيب، وقدم ورقة الحزب الشيوعي "هاؤم اقرءوا كتابيه"، وتلته الأحزاب كافة، شهادة من حزب الأمة، وشهادتان من الإتحادي الديمقراطي، وتساؤلات من د. عبد الوهاب الافندي. هذا تأريخ الآن. لكن المسالة الجوهرية في نظري لم تظل قائمة وإن اختلفت نظرتي لها بعيداً عن الحماس الطاغي الذي كان يميزنا آنذاك. ربع قرن من الزمان، ونحن نرزح في دولة مستبدة، فاسدة، فاشله، لم توضع مقررات ذلك المؤتمر في أجندة أي حزب.
لم يتآسى قادتنا السياسيين بتراث غاندي في ايمانه المطلق بالديمقراطية وضخها عبر تنظيمه السياسي مما جعلها تراثاً وتقاليداً استمرت طوال العقود. اما سياسي العقود الاخيرة من القرن الماضي، فلم يقرأوا كيف صمد مانديلا 27 عاماً من اجل تحويل حزبه لمسارات الديمقراطية، ويتحول حزب اعدائه لنفس المسار. قادتنا تراوحوا من الماوردي، ميكافيلى وغيرهم، وبنوا نظاماً تعددياً واحزاباً ابوية.   

الخطاب
يتمحور الخطاب الحالي حول إحداث التغيير، وليس قضايا التغيير، وهذا بديهي لأن الخطاب يعبر عن اتفاق حد ادنى سياسي، مصالح داخلية وخاصة خارجية متنوعة، ضغوط على الاحزاب من السلطة واطراف متنوعة. نوع خطاب المعارضة السياسي خطر لأن الردود عليه جاهزة التغيير مقابل الاستقرار(يعززها حالياً  الاوضاع في اليمن، سوريا، العراق، ليبيا وحتى مصر)، السلام مقابل الحرب الاهلية (تم تعويد الشعب عليها بعزلها عن الرأي العام وبخطاب عنصري مصاحب)، الوضع المعيشي وهذا سهل تبريره. لن تستطيع المعارضة تحريك الكتل السكانية التي اظهرت موقفها الرافض للانتخابات، لتشارك في التحرك لتصبح "مركز عمل فاعل" سوى بخطاب يربط بشكل دقيق الشعارات السياسية بحياتهم.
في هذا الخطاب المتعثر تبرز قضية الديمقراطية داخل الاحزاب. ليس هذا من الشكليات، فأحزاب تدعو لنظام ديمقراطي لابد أن تكون بنيتها السياسية والتنظيمية تعكس هذه الديمقراطية باوسع اشكالها. بنية الحزبين الطائفيين لن يعدلها تغيير القيادة، بقيادة شابة، الامام الصادق بالمنصوره مريم، مولانا محمد عثمان بالسيد الحسن. إذا أرادات هذه الاحزاب أن تقدم قيادة جديدة للشعب السوداني، فلتفكك البنية الطائفية وتفصل الامامة من الحزب، وتتحد كل اطرافها المشتتة. لقد اثبتت التجارب المحيطة من طائفية العراق، لبنان، سوريا، اليمن وسوريا ألمآل الطبيعي الذي سوف نجد انفسنا فيه، على الاقل مثل سورية.
احزاب اليسار عانت من أزمة بنيوية في العلاقة مع الديمقراطية، ولضغوط ايديولوجية وانهيارات كبرى، بدأت التغييرات بالتقسيط في كل تيارات اليسار. كان ابرزها التقدم في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي، بعد اربع عقود، في وضع أسس كانت جيدة في التقدم في المسار الديمقراطي، وننتظر تطوراً اكثر في المؤتمر السادس. احزاب البعث طالتها انقسامات، من مراجعين وصامدين على العهد. لقد آملت طوال عقدين في أن تؤدي التغييرات اليمقراطية في احزاب اليسار لخلق حزب او على الاقل تحالف كبير يلم شتاتها، وحقيقي يقدم قيادة جديدة للشعب السوداني لتغيير النظام وبديلاً انتخابياً لحكم السودان.
التراث التأريخي للجبهة الثورية، أيضاً مربك، فقد انتجت الحركة الشعبية لتحرير السودان، تنظيماً شديد التراتبية وغير ديمقراطي، كان نتاجه دولة الحرب الاهلية الفاشلة في جنوب السودان. برغم قلة خبرتي بالبنيات التنظيمية للحركات المختلفة، لابد لها أن تبرز عنايتها بالديمقراطية بالشكل المناسب لها حسب ظروفها.   
كان الهجوم قد أنصب على ورقتي "ديمقراطيات السودان منذ الاستقلال وحتى إعلان نيروبي" في بداية التسعينات، في عدم ملائمة الزمان ونحن منشغلون في مقاومة الانقاذ، أي لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وها قد مرت العقود على ذلك التاريخ، منها ست اعوام انتقالية، كانت فيها شبه ديموقراطية، حرية تعبير لحد معقول وسمح للاحزاب بالعمل العلني، كانت كفيلة باحداث اكبر الاصلاحات داخل الاحزاب، لو توفرت الارادة السياسية والنقاش الحر.


دور التقاليد الموروثة في تعويق نشوء أشكال ملائمة
رصد مقال "قرفنا تكمل الخامسة" في موقع التغيير، كيفية صعود وهبوط اكبر حركات السودان الاحتجاجية، وإذ رصد المقال الدور الرئيسي للتدخلات الامنية والاختراقات والاعتقالات العشوائية، افتقار أعضاء الحركة إلى الخبرة السياسية السابقة وغيرها، إلا أن المقال رصد بدقة دور الاحزاب السياسية "وعلاوة على ذلك، لم تستطع الحركة أن تفلت من نفس الأحزاب السياسية التقليدية التي تمردت عليها. منذ البداية، استهدفت قرفنا بشكل كبير من قبل الحكومة من خلال جهاز الأمن الوطني لأنه رأى فيها تهديدا وحركة قد تثير احتجاجات واسعة النطاق ضده، بل أكثر من ذلك من قبل المعارضة، التي تسعى للسيطرة على الحركة من خلال عدة طرق. أولاً، رأت المعارضة في حركة قرفنا تهديداً وفرصة، تهديدا لأنها استطاعت استقطاب أعضاء من شبابهم الذين ضاقوا ذرعاً ببيروقراطية الأحزاب التقليدية وفرصة لأنها كانت حركة ناشطة ذات وجود حقيقي  في الشارع. وعلاوة على ذلك اعتقد كل طرف التمكن من تبني قرفنا من خلال دعمها لوجستياً وتشجيع أعضاء شبابهم لمواصلة التواجد في الجسم".
وعلق تاج السر جعفر على المقال (الحديث عن سيطرة وتبني هو مجرد فرية أطلقها أولئك الذين يريدون فقط ابعاد البعض عن العمل ليسيطروا هم عليه ويجيروه لصالح حزبهم او شلتهم اذا شئنا الدقة ... محاكم التفتيش هذه هي التي عطلت العمل وأبعدت الكثيرين من خيرة بنات وأبناء هذا الشعب عنه .. لماذا لا نقيم العضو وفقا لأعداده وكفاءته، بغض النظر عن كونه منتمياً لحركة سياسية او حزب".
لن تتوقف المنظمات عن سعيها للسيطرة والتغول، والافراد عن تكوين شلليات فهذا داء قديم في فكرنا السياسي، ابنيتنا التنظيمية المركزية، لحافنا الايديولوجي السميك وحتى في سلوكنا الاسري والعشائري. كل هذا الترابط المنطقي يتآكل، ويتعفن ويعطينا هذا القدر الهائل من توفر ظروف التغيير وعدم القدرة على تحويلها إلى فعل.     


الآليات
عندما تتغير الاهداف، يتبعها تغير استراتيجي مماثل في الآليات. على المستوى السياسي وبتجذير الديمقراطية في الاحزاب، سوف يخلق الخطاب الجديد آلية اصطفاف اوسع عضوية الحزب حول ممثلهم الحقيقي، ثم تنداح الدوائر من متعاطفي الاحزاب، الذين لم يكن لهم علاقة وتتوسع الدائرة. عندما يتطابق الهدف مع الخطاب، تبدأ الأليات بالعمل بشكل كبير. هذا هو البديل الذي سوف يستطيع أن يجعل من الذين لزموا البيوت وقاطعوا الانتخابات، أن يتحولوا لفاعلين وينجزوا التغيير.     
التغيير الاستراتيجي الثاتي سوف يطال كل البنيات القديمة، آلية نادي رؤساء الاحزاب تناسب القضايا السياسية، متريثة وبطيئة، لن يفلح في هذا ، لكنه يحتاج لمستوى اخر من التنظيم، يشارك فيه طاقات شابة، مصادمة، تمتلك الخبرة واكثر تمتلك الخيال من ممثلي هذه القطاعات تتولى مهام البناء ورفع القدرات. هذا جديرً بتجسير الهوة بين ملايين المتعاطفين ومئات المشاركين. في الواقع أننا جميعاً، نعمل على خلق اشكال تنظيمية جديدة نرى ملامح منها في الاحتجاجات المحلية جداً من قطع الكهرباء، الماء، بيع الاراضي، مبادرة شباب الحوادث، حملات مقاطعة السلع الغالية وكان اقواها تأثيراً مقاطعة الانتخابات.


اخيراً
لا اعتقد أن احداً يظن أن القرار الفردي بالمقاطعة كان سهلاً، ربما في المدن الكبرى يمكن التخفي، ولكن في الارياف والتجمعات الصغرى كانت قرارات شجاعة، جريئة ونبيلة وقد يدفعون ثمناً غالياً يمس حياتهم. لدي قوى المعارضة وقادة العمل السياسي خزان ضخم من مواطنين عاديين غاضبين، رافضين والاهم مستعدين لاتخاذ فعل ايجابي. حملني، بعض طلاب مجهولين ناقشوني في احد المقاهي بحوار جامعة الخرطوم، مسئولية جيلي في وصول السودان للوضع الحالي، وقد قبلت المسئولية، وكان جوابي الدائم، أننا برغم أننا نحمل وزر الفشل لكننا نمتلك خبرة طرح الاسئلة الملائمة، وللاسف ليس لدي جيلي الاجابات الملائمة.  المشكلة أن انسداد القنوات السياسية، الذي يفرضه جيلي، تبعد جيلهم أيضاً عن التوصل لحلول وكلها تبدأ وتنتهي بالهيكلة.  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.