المركز الموحد للمعارضة والخطاب السياسي الموحد
استضافت جريدة اليوم التالي الاستاذ محمد علي جادين، عضو هيئة قوى الاجماع الوطني عن حزب البعث السوداني ضمن عددها يوم الاثنين 13 اكتوبر 2014، وصحبته في زيارة خاصة حول قضايا الاجماع الوطني. فيما اعتبره أول حوار علني حول القضايا، التحديات والاشكالات التي تناقش داخل اروقته، لكن لا تطرح في الفضاء السياسي. وقد سبق د. الواثق كمير أن تعرض لقضايا الاجماع الوطني ضمن إطار الحركة السياسية العامة في مقال بعنوان "إلى قوى التغيير: هل نعيدُ اختراع العَجَلَة؟"
طرح الاستاذ محمد علي جادين في لقائة قضايا هامة وحيوية وعملية، بصفته مشاركاً أساسياً في تكوين، نمو وتطور الاجماع الوطني وبادراك عميق لطبيعة التحديات التي تواجهه في تصديه لقيادة العمل المعارض في البلاد وربما الفترة الانتقالية. وبذلك اتاح فرصة كبيرة في تناول هذه القضايا وطرحها لنقاش عام، شفاف وموضوعي. وانطلق في تناولي لما طرحه جادين من منطلقات نظرية وعملية اود ايضاحها اولاً.
اولاً: جاء نشوء هذه التكوينات في ظل مواجهة بين القوى الاجتماعية السودانية المختلفة وقوة شمولية مسيطرة (الإستعمار، عبود، نميري والانقاذ)، الاجماع الوطني كغيره من التحالفات الوطنية، تتكون في غالبها من مكونات حزبية وتمثيل من قوى اخرى تغيرت حسب الظرف التأريخي المعين. وشكلها العام الأن مكون من هيكلين الاول "نادي رؤساء الاحزاب المشاركة" وهو الجهاز الاقوى "التشريعي" ومتخذ القرارات، والثاني ما اسماه جادين "الهيئة العامة للتحالف" وهو المؤسسة التنفيذية وتضم غالبا ممثلين لتكوينات اجتماعية وشخصيات وطنية. وقد ناقشها جادين تحت عنوان "إعادة الهيكلة"
ثانياً: تكونت هذه التحالفات المعارضة في خضم الصراعات الوطنية المحتدمة وصاغت اتفاقاتها وتطورت – حتى أن التجمع الوطني الديمقراطي صاغ احد اكمل رؤاه في مؤتمر القضايا المصيرية "اعلان اسمرة" 1995. لكن الملاحظ أن كل هذه التكوينات المبنية على موروث تجربة العمل السياسي السوداني على مر اكثر من 90 عاماً (منذ ثورة 1924)، ورغم حفاظها على نفس هياكلها تقريباً، وإن استطاعت تطويعها لحدما للظروف المختلفة. ولكن كانت نتائجها الدائمة (على الاقل حتى تجربة التجمع) أنها لم تستطع الوصول لآخر الشوط في كل مرة. 
الكيانات المعارضة
ابرز ما طرحه جادين كانت عن استبدال فكرة المركز الموحد للمعارضة، بخطاب سياسي موحد. لقد جاء هذا من توصل جادين للصعوبات النظرية والعملية لفكرة المركز الموحد وتسببها في الصراعات الجانبية بين الاطراف المختلفة في اوقات مختلفة، وصلت اوجها مع الاتهامات المتبادلة حول هذه القضية اخيراً. تعمل كل الحركات المعارضة السلمية على تحريض، حشد وتنظيم القوى الشعبية اما لاسقاط النظام او استعمالها في الضغط على النظام لتعديل كافة المعادلات عن طريق حوار جدي. 
تعطينا التجربة التأريخية استحالة وجود مركز معارضة سياسي واحد في السودان، فقد كانت هناك دائماً معارضة شمالية وجنوبية، سلمية ومسلحة,, وهكذا, وكما أشرنا لم تنجح المعارضة التي توحدت في اكمل صورها في التجمع الوطني الديمقراطي (1990- 2005)، في تحقيق اهدافها. الشكوك العميقة حول إدارة التنوع قادت الحركة الشعبية الام، اختطاط طريقها الخاص رغم عضويتها في التجمع والتي انتهت بانفصال الجنوب. 
تتعدد الكيانات المعارضة في السودان، وتتفق هذه الكيانات كلها حول تفكيك نظام الانقاذ والديمقراطية وتندرج وسائلها من المعارضة السلمية والمسلحة، وتختلف في اشياء اخرى. أحصر هذه الكيانات المعارضة في اربع: الاجماع الوطني، الجبهة الثورية، المعارضة الاسلامية وهي معروفة، اما الاخيرة من سوف اطلق عليهم قوى التغيير.
قوى التغيير
اطلق عليهم قوى التغيير لأنهم يشتركون في السمة العامة التي تجمعهم انهم رافضون للانقاذ ومتحفظون تجاة كثير من مواقف المعارضة. هذه القوي تتنوع في اعدادها، نوعياتها، مشاربها الثقافية والسياسية، وهؤلاء غالبيتهم من الطلاب، الشباب العاملين منهم والعطالى، المتضررين من سياسات معينة (كجبار، المناصير وغيرهم)، مزارعي الجزيرة، مرافيد المؤسسات المختلفة، منظمات شبابية، نسائية وغيرها. هؤلاء يحتكون يوميا باجهزة النظام وامنها، وهم نتاج عقود من الحياة القاسية والمواجهات في المدارس، الجامعات، المزارع، على نقاط الجبايات، في مستشفيات الطؤاري وغيرها، من اهملتهم الدولة في تعليمها، تشغيلها وصحتها. جزء منهم هم اعضاء شبكات التواصل الاجتماعي وبناة المجتمعات الموازية والتنظيمات الرقمية، كلهم يمتلكون على الاقل موبايل للاتصالات وجزء منهم يهربون من اوطانهم ويهاجرون واخرون يلتحقون بمنظمات متطرفة وغيرها.
هذه القوى ليست في السودان فقط، لكنهم من فجروا ثورات تونس، مصر، ليبيا، اليمن وغيرها. هم نتاج الازمة العصية المستمرة في بلادنا منذ الاستقلال من غياب الديمقراطية والعيش الكريم. ليس من السهل رصدهم وقد تقطعت اواصر الصلة بين الاجيال بفعل سياسات اجتماعية وانظمة تعليمية بائسة. تجول في مواقع شبكات التواصل الاجتماعي فيدهشك قدرتهم على توضيح مواقفهم الصلبة والشجاعة، والتعبير عن افكارهم  الخاصة والنيرة احياناً، لكنها واضحة أيضاً في مواقفها ضد النظام، وتحفظاتها على القوى المعارضه الاخرى.
يتيح النشاط الاجتماعي السوداني توفر لقاءات بين كل الاجيال في المناسبات المختلفة، لكن احلامهم وارائهم تجدها على النت، الونسات عند ستات الشاي او في اعمدة النور وفي البعض من الكتابات. تنبهت اجهزة امن النظام لهؤلاء وتتم الاعتقالات وسطهم بكثافة حسب الظرف السياسي، ورغم هذا فهم في اغلبهم لا ينكسرون. هؤلاء من وجدناهم في تحرير مصر وغيرها، من اججوا نيران سبتمبر 2013، وهم مصممون على اسقاط النظام. 
يلائم توحيد مركز المعارضة – وهو حلم صعب تحقيقه في أي مكان سواء السودان، سوريا، ليبيا وغيرها- الاجندة الدولية، فعن طريقها تستطيع الضغط على السلطة والمعارضة لتناول القضايا العاجلة مثل ايقاف الحرب والسماح بالمعونات. كان هذا ميراث اتفاق نيفاشا والذي تناوله جون يونق عام 2012  في كتابه الهام " مصير السودان: أصول وعواقب عملية سلام معيبة" وهو ترجمة  لعنوان الكتاب " John Young: the fate of Sudan: origns and consequences of a flawed peace proce, Zed books, London, 2012 )). وقد عرضته سابقاً  في سودانايل http://www.sudanile.com/index.php/2008-05-19-17-39-36/34-0-6-8-3-1-6-8/72745-2014-09-26-21-44-12. وكان الغرض الرئيسي من كتاب جون يونق، انه اوضح كل العيوب التي رافقت التدخلات الدولية في مسارات التفاوض السودانية في تاريخ قريب جداً، عشنا كلنا تفاصيلها القاسية، وحضرناها في حياتنا القصيرة.
الرؤية والقيادة
ترينا التجربة التأريخية ما ذكرته سابقاً حول تعدد مراكز المعارضة بجلاء شديد ، فقد قاد مؤتمر الخريحين معركة الاستقلال منذ اواخر الثلاثينات موحداً لتنتهي التجربة عام 1946 بقيام الاحزاب، والتي قادت منفردة ومتحالفة احياناً المعركة الي الاستقلال. تكررت التجربة بعد اكتوبر كما جاء في تحليلات كثير من المشاركين في "خمسون عاماً على ثورة أكتوبر السودانية 1964-2014 نهوض السودان الباكر اصدارات مركز الدراسات السودانية"، حيث انهار تحالف الجبهة الوطنية المتحدة التي تكونت لمعارضة الحكومة الديكتاتورية الأولى، وعندما هدرت الشوارع بالثورة واسقطت النظام لم يكن هناك تحالف مشترك. نفس التجربة حدثت بحذافيرها في عشية انتفاضة 1985 وقام الشعب السوداني بتغيير النظام في غياب أي تكوين تحالف سياسي سابق. وفي الحالتين تم تكوين الاشكال الانتقالية اثناء وبعد الثورة. 
كانت ظروف عشية أكتوبر وابريل مختلفة بوجود قوى شعبية قوية ومتسعة في الاتحادات، والنقابات، الجمعيات المتنوعة والكيانات الإجتماعية ذات المستويات المتعددة. كانت هذه المكونات هي المعادل الموضوعي للاحزاب والتي استطاعت في غياب كافة التكوينات الوطنية المشتركة أن تتقدم الصفوف وتتحد جماهير الشعب تحت إطارها وتنجز تغيير نظامين. برغم الضعف البالغ الأن في الاتحادات، والنقابات ومحاصرتها، إلا أن المواطنين في كافة ارجاء الوطن يبدعون تكويناتهم الاجتماعية الملائمة لاحتياجاتهم الحياتية، وهي بشكل عام معارضة. هذه ليست تجربة السودان فقط، لكن تجارب الربيع العربي في تونس، مصر، ليبيا وغيرها. 
التغيير الحقيقي سوف تقوده الجماهير عندما تيأس من قدرة النظام على تلبية حاجاتها، وفي نفس الوقت عندما تضيق مواعين القوى المعارضة عن تقديم قيادة لشارعها (نظرياً تعرف بالانتقال من الازمة الثورية إلى اللحظة الثورية). كل القوى من النظام والمعارضة تتوقع هذا الانفجار، بعضها تراه قريباً، اخرون احتمالاً ود. نافع مستحيلاً. جزء من هذا المشهد كان المقدمات لثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة 1985، حين تضعضعت المعارضة المنظمة وفقد النظام أسس وجوده. جديد الوضع الحالي هو وجود حركات مسلحة داخل مربع الشمال، وضع اقليمي ودولي ضاغط بشدة على النظام والمعارضة وتعدد مراكز المعارضة.     
تتمحور قضية وحدة مركز المعارضة حول القيادة، فكل تيار وحركة تحاول توحيد المعارضين حولها لقيادة العمل المعارض ومن ثم الدولة بعد تغيير النظام، وهو طموح مشروع ولكنه خارج السياقات السياسية الراهنة. ترتبط القيادة بالرؤية بشكل وثيق، فالقيادة لا تتوفر لفرد او مجموعة إلا ببنائها على رؤية لديها تحليل دقيق للتحديات التي يواجهها الوطن ومن ثم  تطرح حلولاً لهذه القضايا، تكون مقنعة لاوسع قطاعات الشعب وتلفها حولها. عندما تكتسب الرؤية رضا هذه القطاعات سوف تكون مستعدة للعمل والتضحية من اجل تحقيقها. من الصعب تحقيق هذه القيادة من بوابة توحيد مركز المعارضة، والتي فشلنا في تحقيقها غالباً، وعندما انجزها التجمع الديمقراطي عجز عن تحقيق غاياتها لتقاطعها الحاد مع الطموحات الحزبية والرغبات الدولية. 
ظهر هذا بوضوح في إعلان باريس وهو تحالف ثنائي بين الجبهة وحزب الامة، لكن دعت القوى المعارضة الاخرى لتأييدها. وقد قاد تركيز الاجماع الوطني على مفهوم وحدة المعارضة، وليس ما اورده جادين عن ضرورة وجود خطاب سياسي موحد، إلى الاتهامات من الجانبين بمحاولة تجيير مركز المعارضة لصالحها. 
وحدة الخط السياسي او "الرؤية"
عندما اتحدث عن الرؤية ( في عدة كتب ومقالات)، ويتحدث جادين عن وحدة الخط السياسي، فإنه ليس حديثاً لاعادة اختراع العجلة، فقد تبلور معظمها في وثائق التجمع، البديل الديمقراطي، الفجر الجديد واعلان باريس. الفارق أن كل هذه الاتفاقات الكلية والجزئية كانت تبحث عن الاجماع ووحدة مركز المعارضة. اعتقد أن المعارضة قادرة – وجميعها متفقة حول اهداف آنية لتفكيك الدولة الاقصائية، الديمقراطية ومستقبلية حول بناء الوطن-  للوصول لرؤية او خط سياسي موحد للكيانات المعارضة الاربعةً. عندما تتفق هذه الكيانات حول الخط ويمكن ان تختلف حول الوسائل، المهم ان توصل هذه الوسائل إلى الاهداف المتفق عليها. 
سوف يؤدي الاتفاق حول الرؤية او الخط السياسي أن تستطيع الكيانات المعارضة على اختلاف مشاربها تقديم حزمة المطالب الشعبية للانقاذ، بدلاً من الجدل حول ممهدات الحوار  وغيرها مما ادى لتوقفها ( وكنت متفقاً معها حول تهيئة المناخ، لكني كنت أرى أيضاً أن من حق أي مجموعة أن تحاور النظام حتى بدون شروط، بشرط ان يؤدي حوارها إلى تحقيق الاهداف المتفق عليها). رغم وجود معظم الاحزاب في الاجماع واتفاقها حول قبول الحوار، عجزت عن التوصل لإتفاق حول الوسائل، وادى هذا لخروج الامة والمؤتمر الشعبي من الاجماع، وكان هذا اول اسفين في اضعاف زخم المعارضة. كان هذا افرازات الاصرار على توحيد مركز المعارضة في الاجماع الوطني,   
سوف يقدم لنا توحد المعارضة حول الرؤية او خطها السياسي، المخرج من هذا المأزق الذي نجد انفسنا فيه مراراً وتكراراً. توحيد الخط السياسي ليس مجرد مقولة لكن له شروط، اهمها طرح هذا الخط للحوار المجتمعي وإدارة حوار حقيقي حوله مع كافة مكونات المجتمع السوداني عبر آليات معروفة ومحددة (عبر دعوات توجه لاحزابه، منظماته المدنية، مثقفيها، الصحف، الاندية المختلفة واهمها الاندية المناطقية، التنظيمات القبلية، المنظمات النسائية، النقابات والاتحادات المستقلة، تجمعات السودانيين بالخارج وغيرها). تمثل الصحف الالكترونية والمدونات، الفيسبوك، التويتر، الرسائل النصية والواتساب كلها منافذ للحوار ويمكن استكتاب الكتاب والصحفيين في شئون هذا الحوار. 
عند انجاز حوار مجتمعي كهذا، وليس ما أعده حوارات شكلية عاجزة، وتلخيصها في ورقة نهائية، تحدد فيها اجندة القضايا المراد الحوار حولها من مثل: تحقيق تغيير النظام او تعديله جذرياً، قضايا المرحلة الانتقالية المطروحة للنقاش، قضايا بناء الوطن، المصالحة الوطنية وشروطها وممهداتها وغيرها، تتقدم بها المعارضة إلى الانقاذ، وكل القوى الدولية المهتمة بها. بهذا نكون قد وضعنا النظام امام مسئولياته وعليه هو التقدم بحلول وليس كما حدث في الماضي أنها تذرعت برفض الفرقاء للحوار. يمكن أن تعكف القوى المؤيدة لهذا الخط السياسي في تطوير هذه القضايا وطرح التصورات والتي سوف تفيد المعارضة في حوارها مع السلطة، وتفيد اطراف السلطة المؤيدة للحوار ويقوي موقفها ضد معارضي الحوار.
الاتفاق على الرؤية او الخط السياسي وتكوين تصور واضح حول اهدافنا الوطنية سوف يقرب بين هذه الكتل المعارضة ويمنح الشعب السوداني ثقة في قادته- وهناك تجارب واتفاقات سابقة صالحة للتطوير- اذ لابد أن يشمل الخط السياسي تكتيكات الحوار لانهاء الازمة السياسية السودانية المتطاولة وكذلك الوضوح حول الاتجاه بقوة نحو اسقاط النظام إذا لم ينجح الحوار. اهم مشاكلنا اننا لانتحدث مع بعضنا إلا عبر اجتماعات رسمية بين الاحزاب، لذلك سوف يتيح لنا هذا الاتفاق الحوار بين الكتل المختلفة من موقع الاتفاق حول الاساسيات ومقاربة قضايا الخلاف بحرية وصراحة. سوف تصبح اتفاقات مثل إعلان باريس، اجتهاداً من اطراف بدلاً أن تصبح دائرة استقطاب جديدة ومهلكة وتصبح مسألة الهيكلة قضية يسهل التعامل معها.  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.