عندما تناولت العلاقات الخارجية في كتاب الرؤية السودانية: الكتاب الثاني: نحو اطار عام للرؤية، كجزء من قضايا الفترة الانتقالية الهامة "تحت العنوان الفرعي قضايا الحكم"، وتناولتها في سلسلة مقالات "مهام الفترة الانتقالية: قراءة في الاتفاقات الوطنية"، كنت اشير دائماً إلى النقص الحاد في توفر الكتابات التي تتناول علاقات السودان الخارجية، من وجهة نظر السودانيين. وعموماً فكتاباتي لاتدور حول النواحي الفنية او الادارية ولكن حول فلسفة العلاقات الخارجية وارتباطها بالسياسات الداخلية. رغم ذلك فقد عبرت عن وجود هذه الفجوة المعرفية.
في إطار ملء هذه الفراغات، يجيء عرضي لكتاب سعادة السفير السابق احمد عبد الوهاب جبارة الله "احمد جبارة". وقد تشرفت بلقائه في القاهرة، لنصف يوم وهو في طريقه لاستراليا وأنا إلى السودان. فتح لي كتاب "محطات دبلوماسية" وهو كتاب من الحجم الكبيرفي 442 صفحة من اصدار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة عام 2014، مسالك ومسارب الذين تصدوا للكتابة حول الموضوع, فقد عمد الكاتب إلى اجراء مراجعة الموضوع واورد اراء من سبقوه في الكتابة حول الموضوع واورد كتبهم واشارات حول المؤلفين، وبالتالي عرفنا على مكتبة الدبلوماسية والعلاقات الخارجية,
لم يركن المؤلف كما اوضح ، إلى رواية متتابعة زمنياً، لكنه اختار بعض المشاهد والتجارب. ينقسم الكتاب لجزأين الاول عن العمل الدبلوماسي مع الخارجية السودانية والجزء الثاني عن عمله مع الامم المتحدة. ويمكن أن نورد بايجاز أن الكاتب، في الجزء الاول، اختار الحديث عن موضوعات شملت التحاقه بالعمل الدبلوماسي وتجربته الافريقية وقضاياها من واقع عمله في تنزانيا، كرس الفصل الثاني (صفحات 36-172) للعلاقات السودانية الامريكية وحوت ايضاً العلاقات السودانية المصرية, الفصل الثالث غطي ثاني اهم محطة دبلوماسية في العالم (بعد واشنطن) في جنيف حيث المؤسسات الدبلوماسية والمنظمات الدولية. في الفصل الخامس تناول المؤلف موضوعاً حيوياً يواجه وسوف يواجه السودان حول وضع السودان كاحد الدول الاقل نمواً ومثقلاً بالديون.
الجزء الثاتي كان سردياً واكثر شخصية ولكن تناول المواقف والسياسات التي حكمت اكثر اجزاء الكون سخونة أثناء عمله "مديراً لمكتب المفوضية السامية في اقليم هيرات" بافغانستان، ثم مديراً للامم المتحدة لشئون اللاجئين في العراق، ثم ممثلاً اقليمياً لمفوضية الامم المتحدة لشئون اللاجئين لدي زامبيا، زمبابوي و ملاوي. رغم أن المؤلف يقدم قراءات باطنية معمقة لكل الدول التي عمل بها، الظروف السياسية والاجتماعية والمنظمات من طالبان الى مجاهدي خلق، ويقدم بعض صعوبات ومخاطر العمل الانساني الدولي، إلا أن الكتاب يخلو تماماً من أي نقد لمؤسسات الامم المتحدة وسجلات نجاحها او فشلها، خاصة وقد كانت تحت نيران كثيفة من النقد في عملها في كل هذه البلاد, هذا الجزء محايد تماماً واشبه بتقارير المهام التي يبرع فيها من يعملون فيها,
وربما من المناسب هنا ان اورد رأي في منظمات الامم المتحدة المختلفة، انها مخلفات القرن العشرين وبنيت على نسق فلسفاته وتوازنات القوى العالمية. المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، واهمهم الولايات المتحدة كانوا يريدون وراثة الاستعمار القديم انجلترا وفرنسا وغيرها. اتفقت هذه القوى على إنشاء الامم المتحدة وتطوير مؤسساتها. وعندما نرى تكوين كافة المنظمات التابعة للامم المتحدة نجد أنها جاءت ممثلة لتوازن القوى الدولية السياسية والإقتصادية، وبروز دور الولايات المتحدة كقوة عظمي لم تخسر أي من قوتها من جراء الحرب بينما كان الاتحاد السوفيتي، انجلترا وفرنسا خارجة من الحرب وهي منهكة. بدأ هذا عند تكوين مجلس الامن وتحصينها بالدول الدائمة العضوية الاربعة (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي آنذاك، انجلترا وفرنسا) وحرمت الصين التي لم تكن لديها آنذاك مايكفي من القوة. وجاءت مؤسسات بريتون وودز في نفس السياق. تتعالى الدعوات باصلاح منظمات الامم المتحدة، لكن أيقن جازماً وبعد أن عملت في احدي منظمات الامم المتحدة أن تغيير هذه المنظمات ليس بالمظاهرات فقط او الكتابة ضدها، لكن بتغيير توازنات القوى العالمية وتحسنن حالة البلدان عبروضع رؤي واضحة ومتزنة. 
العلاقات السودانية الامريكية
اعتبر هذا الفصل اكثر اجزاء الكتاب تشويقاً واكثرها فائدة. ويحمد للكاتب أنه لم يترك أي وثيقة هامة تتناول هذه العلاقات، إلا وتمكن من الحصول عليها واوردها. وقد وجدت في الكتاب كثيراً مما كنت قد اعتبرته نقصاً في تكويننا الثقافي، إذ أننا ورغم معرفتنا الكبيرة والتفصيلية عن خبايا السياسات الامريكية والتي نطالعها في المقالات، التحقيقات، التصريحات ومذكرات المسئولين، إلا أن السودان لايرد إلا نادراً في هذا الكم الكبير من المكتوبات والمرئيات. تكون المسألة اكثر غموضاً عند البحث عن المعلومات حول الاحداث والمواقف التي تشكل العلاقات الثنائية وتفاصيلها,   
في ثلث الكتاب استطاع الكاتب أن يتناول قضايا هامة ومفتوحة، احدهما تناول معلومات دقيقة ومن الداخل عن شركات ممارسة الضغط السياسي، وهو نشاط مشروع يكفله القانون "اللوبيات"، ولايقدم الكاتب مجرد معلومات ولكن يشرح لنا آليات عملها من واقع الممارسة والاحتكاك. القضية الاخري كانت تفاصيل تطور العلاقات السودانية الامريكية في الفترة المايوية وبعض الاضاءات في عهد الانقاذ, الموضوع الهام الثالث تناوله العلاقات السودانية المصرية, 
السودان والامريكان
رغم أن الكتاب يتناول فترة هامة في هذه العلاقات – طوال فترتي المايوية والديمقراطية الثالثة- ألا أن تناول الكاتب لزيارة الفريق عبود كانت الجهد المميز للكاتب واضافة حقيقية للكتاب. تقدم قراءة الكتاب المطولة الاتجاهات العامة للعلاقات السودانية الامريكية طوال مابعد الاستقلال، ويمكن تلخيصها في التالي,
اولاً: يرتبط قوة او فتور هذه العلاقات بامكانيات السودان للعب دور اقليمي في محيطه الافريقي. وقد تميزت العلاقات بالقوة في فترتي الديكتاتوريتين الاولي والثانية، وقد كانت التوجهات لعب السودان لدور كبير في التصدي للنفوذ السوفيتي في افريقيا، والتنمية لادراك الامريكان بالقدرات الطبيعية الكبيرة للبلد. تمثل هذا في دخول المعونة الامريكية في اثناء حكم عبود وتنفيذها لعدد من المشاريع التنوية، وكذلك دخول شركة شيفرون في مجال النفط في السبعينات وغيرها, غير زيارة عبود والتي جاءت في ظروف كان السودان فيها دولة مؤسسات راسخة واقتصاد مستقر لحدما، وكانت تتميز بندية نسبية، كانت علاقات نظام مايو قائمة على التبعية المطلقة. 
ثانياً: تتميز العلاقات بالفتور في الفترات الديمقراطية، وتقتصر على المساعدات الانسانية ودعم الدولة اقتصادياً، ولاتعول عليها سياسياً. وكانت مشكلة الجنوب والتي شغلت الديمقراطية الثانية والثالثة نصيباً كبيراً في ضعف هذه السياسات. كانت العلاقات في الديمقراطية الثالثة متناقضة بشدة، فرغم أن الامريكان كانوا الممولين الاساسيين للمعونات الأنسانية وغيرها، فقد تراوحت العلاقات مع العلاقات السودانية الايرانية والتي استدعت الاستياء العربي الواضح (لم يكن للسودان مصالح يعتد بها مع ايران)، والعلاقات مع ليبيا التي كان يحكمها نظام اكثر قسوة وفساداً من النظام الذي كان الشعب السوداني قد اسقطه.
ثالثاً: تنظر السياسة الامريكية للسودان كدولة مجالها الحيوي في افريقيا، وتتعامل معها على هذا الاساس. وعندما يتقارب السودان معها، لظروفه الداخلية، تضعه السياسة الامريكية كفاعل في هذا المجال. وكانت علاقة السودان بمجاله العربي تمر عبر مصر، وكان هذا معتمداً لدي الامريكان. واورد الكاتب الحكاية الموحية عن نقاش المشير ابوغزالة لتسليح السودان، أي الحصول على الاسلحة الامريكية عن طريق البوابة المصرية (صفحة 62-63).
لم يتطرق الكاتب كثيراً للعلاقات بين نظام الانقاذ والامريكان، إلا في معرض الحديث عن التمكين في الجهاز الدبلوماسي، لكن من الواضح أن الامريكان قد اتخذوا الخطوات النهائية بنقل السودان إلى المجال الافريقي وفصلها عن التأثير المصري، منذ 1994 بإنتقال الملف السوداني إلى إريتريا والمحادثات إلى الايقاد.
السودان ومصر
رغم أن الكاتب عمل في سفارة مصر، إلا أنه عند  تناوله العلاقات السودانية المصرية نفذ اليها من نافذة واشنطن, كان هذا إدراكاً من الكاتب بتعقيدات هذه العلاقة، واقترب منها برشاقة ولغة دبلوماسية تشير اشارات. حصر الكاتب مناقشة هذه العلاقة في مجالات التكامل الاقتصادي، مفضلاً عدم التعرض للتعقيدات الثقافية والسياسية. يرجع الكاتب فشل محاولات التكامل الاقتصادي بين البلدين لسببين تتراوح من ضعف الارادة السياسية التي تحول الاهداف لمشاريع وخطوات عملية، والاخر انعدام الموارد المالية واحجام الدول العربية الغنية عن الاستثمار مع التذبذب الشديد والمستمر في علاقات البلدين. مع عدم استبعاد دور الامريكان في ايقاف تمويل انتاج القمح لتستمر جاحة مصر للقمح الامريكي.
يضيف الكاتب ضعف العلاقات بين المجتمع المدني في البلدين، وفشلهم في خلق ارضية مشتركة للتفاهم ومد جسور التعاون الشعبي وكذلك غياب إعلام مسئول للترويج لهذه المطامح, لقد تناول الكتاب صورة جزئية لعلاقة معقدة عاشت في حدود الممكن بين نظام الدولة الدينية الاقصائي ونظام مبارك العلماني الاقصائي. تحاول مصر التحول الديمقراطي سلوك نفس السبيل لكن تعترضها ازمات كامنة تنفجر بين الحين والاخر من العلاقة مع ليبيا، ايران، حماس، مياه النيل وقضايا الحدود.سوف تظل هذه الملفات بلا حل حتى يواجهها سودان المستقبل بفتح كافة الملفات الملغومة في اطار من الشفافية والصراحة لما يحقق مصالح الشعبين وطموحاتهما.     
ربما لاول مرة – حسب علمي- يتطرق كتاب لموضوع شائك من تقييم المسئولين, لقد اجتهد الكاتب واستعان بخبرته الشخصية من مقابلات النميري، تصرفاته في بعض المواقف، التقارير الطبية وغيرها, لقد فتح الكتاب باباً واسعاً من بين ثنايا علم النفس السياسي، لتناول رؤساء دولتنا بالتحليل ومثولهم امام الطب النفسي والسريري. استنت الثورة المصرية سنة حميدة في خضوع المرشحين للرئاسة للكشف الطبي.   
الدبلوماسية السودانية
يعتبر الفصل الاخير (الحادي عشر) زبدة وملخص حياة سعادة السفير المهنية، واعتبرها الوسيله الباقية الوحيدة لإنتقال الخبرة بين الاجيال، في ظل الاقصاء، التعينات السياسية والحزبية، سوء الإدارة، الهجرات وترك الخدمة وغيرها مما اوضحها الكاتب, لقد اعطانا الكاتب المعايير والاسس التي كانت تتبع في تعينات البلوماسيين، كغيرها من المؤسسات المدنية، من تقديم حر، امتحانات التقييم، المقابلات الشخصية التي كانت تضم كافة الذين ينظرون للجوانب المختلفة للمهنة (بما فيها علماء علم النفس)، الاعداد الوظيفي للكوادر وتأهيلها من ناحية المهارات والشهادات العلمية,
تناول الكاتب في هذا الفصل مؤسسية وزارة الخارجية بين الصمود والاختراق رصد فيه حال الدبلوماسية السودانية خلال الانقاذ، تم تناول الموضوع مئات المرات في مقالات ولقاءات، في الصحف والتقارير الرسمية، وتقارير المنظمات الدولية وغيرها. ومع سوء ظني بالنظام الحاكم، إلا أنني اوافق الكاتب في محاولة المحافظة على مؤسسات الدولة السودانية بتقديم الملاحظات لتحسين ادائها, لكن ستظل قضايا الاصلاح الدبلوماسي جزء من المهام التي تنتظر سودان المستقبل.        

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.