إذا استطاع الاخرون فلماذا لانستطيع نحن؟ 

برغم أن هذه مقالات عن الفترة الانتقالية السودان، إلا أن منطلقها هو الرؤية السودانية، أي أن ما طرح فيه جزء من توجه لوضع اقدام الوطن في طريق المستقبل. كما قلت في بداية المقالات فالنظر لمهام المستقبل هام في صياغة أي اتفاقات يصل لها ابناء الوطن. ربما تستطيع الفترة الانتقالية أن تحقق بعض النجاحات في بعض القضايا، لكنها لا تضمن استمرارها إذا لم نتفق على رؤية مستقبلية. لذلك اعاود الحديث عن ما سبق وأن طرحته في كتابيّ: الرؤية السودانية: انتاج الفشل ونحو إطار عام للرؤية، من تطوير مفاهيم الوصول لرؤية. سوف الخص القضايا التي أراها مفصلية، والتي جاءت متناثرة في المقالات السابقة. 
اقترب من كل هذه الافكار والبرامج من مدخل الرؤية، وعندما اعبر عن غياب الرؤية عند ممثلي المجتمع المدني السوداني (يشمل الاحزاب)، فإنني لا اقصد عدم وجود رؤي حزبية نحو قضايا الوطن، لكن أن هذه الرؤية جزئية وتعبر عن قطاع محدد من الشعب السوداني وتتحدث باسمه. إن رؤية بناء الوطن تعني لدي الاتفاق العام حول طريق نماء الوطن وتحديد خيارات الطريق من "غالب التيارات السياسية دون أن يتخلى أي تيار عن رواءة الأساسية". الرؤية هي فعل مشترك نحو تحقيق الغايات الكبرى للوطن وفي نفس الوقت يرضي تطلعات التيارات المشاركة لحد متوسط. إذن هي تفترض تنازلات من كافة التيارات بما لا يخرج عن  إطار عام متفق علية. 
الوضع الإنتقالي 
إن الاتفاق الجيد بمد الفترة الإنتقالية إلي 4 سنوات، سيتيح ضمن الأليات أن تستطيع الدولة أن تحل قضايا الوضع الإنتقالي، تقيم مؤسساتها الفاعلة التي عالجناها سابقا وتتوجه لوضع رؤية. من دراسة تجارب الثورات المعاصرة، توصلت أننا نحتاج إلى "برنامج حد متوسط لحوالي عشر سنوات" من بعد تغيير نظام الإنقاذ، اربعه منها "إنتقالية تأسيسية"، حاولت تلمس بعض ملامحها في كتاب "الرؤية السودانية نحو إطار عام للرؤية - إلى أين نريد الذهاب وكيف؟". هذه المرحلة أساسية لمواجهة الازمات التي تحيط بالسودان "أزمة الهوية، أزمة الشرعية، أزمة الاندماج، أزمة التغلغل، أزمة المشاركة وأزمة التوزيع". 
اقترحت إطاراً عاماً مع بعض التفصيل ربما يفيد النظر إلية لإنجاز قضايا هذه المرحلة وتشمل: اولاً: قضايا نظام الحكم والمسائل المتصلة بها وتشمل: قضايا الدستور، العدالة الإنتقالية، العدالة الإجتماعية، العلاقات الخارجية والمجتمع المدني؛ ثانياً: القضايا المتصلة بالتغيير الإقتصادي/الإجتماعي وتشمل: الثقافة الديمقراطية، تمكين المرأة، إجتثاث العنف من الحياة السياسية، محو الامية، الفقر، العطالة والديون. 
الست سنوات اللاحقة بعد الفترة الانتقالية تبدأ فيها المؤسسات المنتخبة والحياة السياسية الكاملة، لكنها أيضا "تأسيسية للاتفاق حول الرؤية". بعد ان ننجز قضايا المرحلة الإنتقالية سوف يكون الفضاء السياسي والإجتماعي مهيئاً للاتفاق على رؤية سودانية. حاولت في كتابي تقديم إطار عام للرؤية وليست (الرؤية) نفسها، يوضح حاجتنا لها، العناصر التي ربما نود النظر إليها حين نبدأ بذلك ولتوضيح كيف نصل هناك. 
إلى اين نريد الذهاب
عندما تصدت الدول لقضايا الرؤية عند بدء انطلاقها في طريق المستقبل، نظرت كلها إلى أهم "الكفاءات الأساسية" التي تتوفر فيها، ونعني بها نقاط القوة الكامنة حيث يمكن أن تظهر نتائج أفضل في أقصر وقت. هناك بعض الأمور التي يمكن أن تفعل الكثير بنفس الإرادة والجهد، إما بسبب وجود بيئة تمكينية أو بسبب تجربة أفضل. 
يعتقد الكاتب أن السودان يمتلك كفاءات أساسية يمكن أن تمهد الطريق للمستقبل في السودان وأحصرها في: الموارد الطبيعية من اراضي ومياة وثروة حيوانية، القوى البشرية والتكنلوجيا، المعادن والنفط والتنوع البيئي. هذه الامكانيات يمكن أن تتطور ضمن ثلاثة مبادىء أساسية: أولاً: الدوله المدنية ونعني بها أن الدوله ليست عسكرية او دينية. ثانياً: دوله ديمقراطية وثالثاً: العداله الإجتماعية.
عندما نبدأ في التفكير في رؤية سوف يكون أول سؤال سيتبادر إلي الذهن: اين نريد الذهاب؟. هذا السؤال مفصلي وهو ذو طبيعة فلسفيه، سياسية وإجتماعية. بعكس الخطط التي يمكن لمجموعات الخبراء أن تضع بها افضل الطرق، الاليات والوسائل ضمن اطار سياسي محدد وميزانيات معروفة سلفا، فأن الرؤية إبحار في المستقبل، طرق لم نسر فيها سابقاً وتفكير خارج المألوف. الرؤية مشروع كلي يستهدف كافة فئات المجتمع، يلبي احتياجات كافة فصائل الشعب ويؤدي لتنمية شاملة لكافة القطاعات مع استهداف كفاءات اساسية تمثل ركائز هذه التنمية. 
لكى نصل لصورة ذهنية لسودان ما بعد عشرين عاماً، لابد أن نجد جواباً على أين نريد الذهاب؟. الرؤية للخروج بوطننا من الازمة السياسية الخانقة، ليست تصوراً سيحط علينا فجأة، وليس له شكل هندسي واحد لكيفية البدء فيه. لقد بدأت مسيرة حل مشكلة العنصرية في جنوب افريقيا، قبل سنوات من التفكيك الحقيقي لنظام العنصرية عبر توافق وطني عام. وجود رؤية إستراتيجية تتغلغل في وجدان الشعب، ستصبح شعاراً لأي تحركات، محور نقاش المنتديات، اجندة تفرض نفسها على كافة المواقف السياسية للقوى الخارجية، تصاغ اشعاراً من شعراء الشعب ومساديراً واغاني. 
لن ترتبط الرؤية السودانية بقائد فذ لأن المناخ الإجتماعي اختلف تماماً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فرض تطور وسائل التواصل الإجتماعي (الاتصالات، التويتر، الفيسبوك، المدونات..الخ)، وسائل المعرفة (الانترنت، القنوات الفضائية..الخ) بشكل كبير وشملت اغلب قطاعات الشعب وان بدرجة نسبية، أن تجعل من الشأن العام، عاماً بشكل واضح من ناحية وتشارك فيه مئات الالاف بارائها، 
كيف نذهب إلي هناك؟
يرتبط بسؤال أين نريد الذهاب، بالسؤال المنطقي الآخر، كيف نذهب إلي هناك؟. وهما مرتبطان لأن الاليات والوسائل تتدخل في امكانية أن نصل للمكان المرغوب. إذا كان السؤال الأول يرتبط بالاحلام، الاماني والقدرة على فتح المجال للخيال، فالسؤال الثاني فيه جوانب من القدرة على الابداع ولكن يعتمد بشكل أكثر على تحليل نتائج دراسة الحالة الراهنة في السودان. وسوف تعتمد الاجابة عدة عناصر: أولاً: الدراسة الجادة لنقاط الضعف والقوة؛ ثانياً: القيادة ذات الارادة والخيال؛ ثالثاً: الاستقرار السياسي؛ رابعاً: الإستثمار في الميزة النسبية  وأخيراً الاستفادة من التجارب العالمية.
المشكلة الكبري التي تواجهنا في السودان تجريف الخبرات الهائل الذي مارسة نظام  الإنقاذ من تفريغ المؤسسات من القوى البشرية الهائلة، التي اكتسبت الخبرة التراكمية على مر الازمان. هذه الخبرات اغلبها موجود اما مبعداً عن مجال عمله في السودان، ويعمل في مجال اخر، في الدياسبورا من مختلف الدول والبيئات وبعضهم يعمل في المجال، اخرون اكتسبوا مهارات افضل. 
يتوفر آلاف السودانيين المؤهلين في كل مجال، في داخل السودان وخارجه، لديهم الكفاءات المطلوبة والضرورية. يوجد في السودان وفي المهاجر مجتمع مدني نشط ومؤهل. ورغم القمع، الحرب الشرسة، الانتهاكات والتدخلات الامنية تستمر هذه القوى وتستعر من اتحادات طلاب، حركات شبابية، منتديات ثقافيه وإجتماعية، اندية رياضة واستماع، روابط مناطقية وعرقية ومدن  وغيرها.
نحتاج إلي عون من الوكالات المتخصصة للامم المتحدة، البنك الدولي فهي بيوت خبرة كفؤة، ربما نحتاج أيضاً لشركات متخصصة في بعض الدراسات. لابد أن تتاح مشاركة كافة السودانيين، وبكل الوسائل الاعلامية المتاحة، لتكون لدينا صورة واضحة عن حاضرنا الذي سيفتح لنا طريق المستقبل. إن الرؤية حلم لابد ان يتاح لاغلب السودانيين، خاصة الشباب أن يحلموا بغد افضل. 
يتميز السودانيون عبر تأريخهم بملامح اصبحت مشهورة عنهم: العلاقات الإجتماعية الكثيفة؛ اهتمام السودانيين الفائق بالسياسة؛ المشاركة المجتمعية، سوف تساعد على تطوير الرؤية كعملية مجتمعية شاملة عن طريق تفعيل آليات التنسيق، التشبيك والتعاون بين مختلف مكونات المجتمع المدني، وبينها وبين الجهات الرسمية والقطاع الخاص، لأن من غير هذا التعاون لا تكون العملية التنموية مكتملة وبالتالي يصعب أن يكتب لها النجاح. إن الرؤية هي جماع حلم الشعوب وتطلعاتها ولاتستطيع التحقق إلا إذا تحقق لها القبول الشعبي والمجتمعي. استعملت آليات متنوعة لتحقيق هذا الهدف من اسلوب المؤتمرات العامة، الاستبيانات، ورش العمل القطاعية وغيرها. 
واخيراً
عندما ندعو لرؤية، فأننا لا ننطلق من الفراغ، لكن هناك بوادر ومبادرات كبرى، جزء كبير منه جاء في الاتفاقات الوطنية، التي حاولنا قراءتها في سلسلة المقالات. احد اهم المبادرات الرؤيوية جاءت في مؤتمر نظمه حزب الأمة القومي "المؤتمر الإقتصادي القومي الذي ينظمه حزب الأمة القومي بالتنسيق مع ممثلى القوى السياسية 27 –29 نوفمبر 2011م"، وهو إنجاز مقدر ومعهود من حزب الأمة. ناقش المؤتمر العديد من الاوراق تناولت اغلب قضايا الاقتصاد وإن غابت قضايا مهمة جداً (التكنلوجيا، التنمية البشرية، التنوع البيئي وغيرها). لقد توصل المؤتمرون عبر حوار ممتد إلى ما لخصه الامام "يقوم الاقتصاد على قواعد أهمها قاعدتان: الانتاج الوافر، والتوزيع العادل". 
نخلص في مناقشتنا من قول الامام "في هذا الصدد يمكن الاتفاق على إستراتيجية واحدة وإن اختلفت الوسائل لتحقيق هذه الاستراتيجية. والوسائل مهما اختلفت تكمّل بعضها الآخر". لقد توصل المؤتمرون الى "الملخص الجوهرة" في رؤية بناء الوطن. هذا هو الذي يقود إلى اسئلة الوصول للرؤية. هنا نود تأكيد ما ذكرناه مراراً وتكراراً أن الرؤية هي المكون اللاصق، الإستراتيجية الام، الهدف المشترك النهائي واتجاه الطريق الذي يضع كل الاستراتيجيات الفرعية، خطط العمل، وسائل التنفيذ وغيرها، في طريق مفضى إلى الهدف. 
عبرت الكلمة الختامية ما يمكن أن نعده ملامسة رؤيويه، ليست رؤية حزب واحد او مكون اجتماعي واحد ولكن حاصل جمع المشتركات بين مجموع القوى الاجتماعية "سوف يتضح أن الحالة استثنائية تتطلب إجراءات استثنائية معالمها: انقلاب اقتصادي في الهياكل والسياسات الاقتصادية؛ انقلاب اجتماعي يواجه الفوارق التنموية الجهوية، ويواجه الفقر، ويقيم الرعاية الاجتماعية في مجال الصحة، والتعليم، ومياه الشرب، ويواجه العطالة؛ نهج جديد في علاقتنا الدولية يقيمها على أساس العدالة واحترام حقوق الإنسان ونهج سياسي يحقق دعما قومياً لأجندة الخلاص الوطني هذه ويوفر دعماً شعبياً قوياً لها". الرؤية سوف توصلنا إلى كيف سنحقق هذا الانقلاب الاقتصادي في الهياكل والسياسات الاقتصادية؟ 
توصل المؤتمر لعمود خيمة الرؤية، وعكست الكلمات المناقشات وأوصلتنا مباشرة إلى المدخل الحقيقي لرؤية سودانية.  توصلت القوى المعارضة لاغلب قضايا المرحلة الانتقالية، ربما كانت اضافتي في التفاصيل. لكن اود الدفع بها لتتعدى الاتفاقات الي رؤية المستقبل. هذا طريق طويل، مبشر في بداياتة، اجملها المؤتمر في كتاب الدستور، كتاب السلام وكتاب التنمية ليس كاجزاء منفصلة، ولكن كاجزاء من كتاب واحد اسميه كتاب الرؤية السودانية. 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.