الاتجاهات السياسية والعملية

يمكن للفترة الانتقالية أن تتورط في اتجاهات سياسية، كما تعكس كافة الوثائق، في الاهتمام بما حدث وتغرق في حزمة افكار تراكمت على مدى العقود في برمجة العقل الجمعي السوداني، وهي في مجملها لم تخضع لمراجعات منهجية ديكارتية. تراها منقولة من اتفاق لأخر، حسب الراهن. وقد رصد الاستاذ كمال الجزولي جزءاً من هذا في بدء التغاضي عن العدالة الانتقالية في إعلان باريس. ونجد انفسنا مرة اخرى في خضم حكومة تسيير ممتدة. حدث هذا في كافة دول الربيع العربي خاصة مصر.
او يمكن أن تتورط في البحث عن المجردات ونغرق منذ اول يوم في قضايا الدستور والقوانين، كما فعلنا دائماً. بدلاً ان يصبح الدستور عنوان توافق الامة ورمز مستقبلها، تتحول لحامل للخلافات والتجاذبات وتفتح باب الانقلابات. ليس هذا دعوة للهروب من مواجهة الوصول لدستور (ناقشنا بعض تفاصيلها في - مهام الفترة الانتقالية: قضايا النقاش: الدستور)، لكن بدلاً أن نحاول الوصول لدستور من خلال القوانين والقانونيين، نصل لها من خلال مطالب الشعب في تنظيم حياته. هذا ليس معطى جاهز لكن سيتضح من خلال تناول الحكومة الانتقالية للقضايا اليومية والازمات والرؤية المستقبلية. اوافق الوثائق على الوصول لاعلان دستوري مختصر يتأسس على دستور ديمقراطى يقوم على إقامة دولة العدالة والرعاية الإجتماعية.
الورطة الثالثة يمكن أن تحدث عند زيادة حماس الفترة الانتقالية في التصدي لمشاريع قومية كبرى. جاء في الفجر الجديد هذا الاتجاه بوضوح "اعادة بناء القطاعات الاقتصادية الرئيسية. إعادة تأهيل مشروع الجزيرة، السكك الحديد... النقل النهرى..المواني البحرية والطيران المدنى والخطوط الجوية... إعادة تعمير المشاريع الزراعية الكبرى في الجزيرة...إحياء القطاع الزراعي والصناعي والرعوي ورفع الإنتاجية في القطاع الخدمي و قطاع التعدين..الخ".
ليس تحديد الاتجاهات السياسية للفترة الانتقالية قضية عابرة، لكنها الأساس المتين لنجاح او فشل الفترة الانتقالية. كل القضايا التي جاءت في الوثائق جميعاً هموم الفترة الانتقالية، لكن الخلاف يأتي عند ترتيبها كاولوية والغرق فيها ونحن دولة مفلسة. لاخلاف حول التعامل مع مؤسسات دولة الانقاذ، قضايا الفساد والتحقيقات حولها عن طريق لجان قومية وكل ما يتصل بالمحاسبات من خلال العدالة الانتقالية وغيرها. الهام فيها الفلسفة التي تحكم سياسات وعمل سلطة الفترة الانتقالية. سوف احاول ترتيب أولوياتنا حسب قراءة في الوثائق المتوفرة، والتي شملتها جميعاً، لكنها جاءت تحت عناوين بعضها مفصل واخرى مضمنة.
اولاً: تناولت الوثائق اصلاح السلطة القضائية لأنها مستودع حل القضايا المتراكمة، وأراها أول اولوياتنا. جاءت المسألة مفصلة في الاعلان الانتقالي للبديل الديمقراطي (ﺭﺍﺑﻌﺎً: ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻭﺍﻷﺟﻬﺰﺓ ﺍﻟﻌﺪﻟﻴﺔ ﻭﻣﺆﺳﺴﺎﺕ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ)، ومختصرة في الفجر الجديد (رابعاً: السلطة القضائية)
ثانياً: تناولت كل الوثائق قضية الاصلاح الاداري. أس بلاء سودان الانقاذ سوء الادارة، العشوائية والعداء للمواطن وفساد اجهزتة. تتحدث الوثائق عن ﺇﺳﺘﻘﻼﻝ ﻭﺣﻴﺪﺓ ﻭﻛﻔﺎﺀﺓ ﻭﻣﻬﻨﻴﺔ ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ (البديل الديمقراطي) او التأكيد على إستقلالية ومهنية مؤسسات الدولة القومية بما فى ذلك القضاء والخدمة المدنية والإعلام والتعليم العالي (الفجر الجديد). افرب تصور للاصلاح الإداري جاء في البديل الديمقراطي " ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﺘﻄﺒﻴﻖ ﻣﺒﺪﺃ ﻗﻮﻣﻴﺔ ﻭﺣﻴﺪﺓ ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ...ﺍﺳﺘﻘـﻼﻝ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ...ﻭﺍﺟﻬﺰﺓ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ، ﻭﻗﻮﻣﻴﺔ ﺍﻻﺟﻬﺰﺓ ﺍﻻﻋﻼﻣﻴﺔ، ﻭﺣﻴﺪﺓ ﺍﺟﻬﺰﺓ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ، ﻭﺍﺳﺘﻘﻼﻝ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺍﻟﻌﻠﻤـﻲ... ﺍﻋﺎﺩﺓ ﺑﻨـﺎﺀ ﺟﻬﺎﺯ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ... ﻭﻓﻘﺎ ﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﻜﻔﺎﺀﺓ ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﺔ ".
ثالثاً: كدولة مفلسة يمكن أن نأمل في بعض الهبات والمعونات، وتجربتنا معها سيئة. ولذا فأن من اولوياتنا الاقتصادية هو العمل على اعفاء ديون السودان الخارجيه من خلال اعادة بناء علاقات السودان مع الدول المانحه والمؤسسات المالية الدولية و تحقيق الاستفاده من مشروع الهبيك ( برنامج اعفاء ديون الدول الاقل نمواً في العالم) لفتح منافذ التمويل الدولي للاقتصاد السوداني. هذا مشوار طويل لكن لنضع اقدامنا على الطريق.
رابعاً: عندما تتصدى الوثائق لقضايا الاتجاهات العملية في التصدي لقضايا الحياة المعاشية للشعب، تخلو من فلسفة واضحة. هي اقرب لما يسمى قائمة أمنيات، تضع كل القضايا المطلوب معالجتها، لكن لم تضع خطاً استراتيجياً (ما افضل تسميته فلسفة الوثيقة) لكيفية التصدي لها. يعالج البديل الديمقراطي هذه القضية عبر تأجيلها لمؤتمرات ﻗﻮﻣﻴﺔ ﺗﺨﺼﺼﻴﺔ للخروج ﺑﺘﻮﺻﻴﺎﺕ ﻭﺑﺮﺍﻣﺞ، إﺟﺮﺍﺀ ﺍﺻﻼﺡ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻳﺮﺍﻋﻲ ﺍﻻﺑﻌﺎﺩ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺑﻤﺎ ﻳﺤﻘﻖ ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﺯﻧﺔ.
يعاني ابناء الوطن من ﺳﻴﺎﺳﺎﺕ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﻭﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻭﺍﻟﻈﻠﻢ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺍﻟﺠﻬﻮﻱ، ﻭﺑﺚ ﺍﻟﻜﺮﺍﻫﻴﺔ ﺍﻟﻌﻨﺼﺮﻳﺔ ﻭﺯﻋﺰﻋﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﻳﺶ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺍﻹﻧﻬﻴﺎﺭ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻭﺍﺻﺮﺍﺭ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻋﻠﻲ ﻓﺮﺽ ﺃﺣﺎﺩﻳﺔ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺛﻘﺎﻓﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺗﻌﺪﺩﻱ، ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺩﻱ ﺇﻟﻲ ﺍﻫﺪﺍﺭ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻦ ﻭﺍﻟﻮﻃﻦ. لكنهم يعانون اكثر من  مشاكل اكل العيش: الاسعار، الصحة، التعليم، المياة والكهرباء وغيرها. هذه هموم المواطن والقضايا التي سوف تحدد موقفهم من الفترة الانتقالية وربما بالديمقراطية نفسها. ليس في اجندة المواطن كل ما يتحدث به السياسيين في عبارات منمقة لكنها مكررة منذ الاستقلال.
هموم المواطن هو الذي نحتاج فيه لفلسفة ومعالجات واضحة وتمسهم مباشرة. اقترب الفجر الجديد اكثر في هذا المجال عبر تنفيذ برنامج إقتصادي إسعافي لايقاف الانهيار الإقتصادي و الفساد ومحاربة الفقر وتحقيق التنميه المتوازنه المستدامه عبر اجراءات: تخفيض الإنفاق العام للدوله، وضع شرائح المجتمع السوداني المختلفة في القلب من عملية وضع خطط التنمية بتطوير قطاع الخدمات، محاربة الفساد، إتباع السياسات الإقتصادية التي تحقق مصالح الغالبية العظمى من المواطنين، تخصيص برامج للتمييز الايجابي وتنظيم العلاقة بين المزارع والراعى. لكن جاء هذا مختلطاً بكافة المشاريع القومية الكبرى. التي سوف اعالجها من خلال تناول توفير الغذاء.
توفير الغذاء الاساسي للشعب   
يقدر عدد سكان السودان بحوالي 32 مليون نسمة (2011)، الغالبية العظمي، حوالي 70% وفقاً لتعداد السكان عام 2008 يعيشون في المناطق الريفية. إن الغالبية العظمي من السكان فقراء بمتوسط دخل فرد أقل من 400 دولار في السنة. أي أنهم غير قادرين على الحصول على الإحتياجات الأساسية "تشمل على حاجات مادية كالطعام، السكن، الملابس، المياه النقية، وسائل التعليم والصحة وحاجات غير مادية مثل حق المشاركة، الحرية الإنسانية والعدالة الإقتصادية"
في "حوارية سودانية" نظمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائى بالمشاركة مع مركز مامون بحيرى للدراسات والبحوث الإقتصادية والإجتماعية في أفريقيا، "محركات التحول في التنمية، قضايا التنمية والمداخل للحد من الفقر"، خلص  د. صديق أمبدة الي أن النجاح المذهل لبعض دول الجنوب نتج عن إتباع سياسات توجهت إلى تحقيق حاجات الناس في الخدمات الإجتماعية الأساسيه، وعالجت مشاكل عدم المساواة وتخفيف حدة الفقر وتقويه مشاركة المواطنين في التنمية ولم يكن ليحدث كل ذلك لولا وجود دولة انمائية فاعلة وملتزمة بتحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية. احتل السودان المرتبة 154 من البلدان البالغ عددها 169 التي شملها مؤشر التنمية البشرية لعام 2010  الذي أعده برنامج الامم المتحدة الانمائي.
دعم الزراعة
يتواجد في السودان ثلاثة أشكال رئيسية لعلاقات الإنتاج في الزراعة السودانية:علاقات إنتاج رأسمالية الدولة، الزراعة الرأسمالية الكبيرة والإنتاج السلعي الصغير بشقيه المتخلف والحديث. هذه الاطراف جميعها لها خبرات هائله ومستمرة منذ أكثر من قرن. حققت هذه التجارب نجاحات كبيرة وكانت لعقود طويلة عصب الاقتصاد السوداني ولازالت. إن السودان لديه من الامكانيات لكي يحقق الاكتفاء الذاتي في اهم الحبوب الغذائية التي تعتبر الغذاء الاساسي لسكانه من الذرة، الدخن والقمح. ادعو للتركيز في سنوات الفترة الانتقالية على مشروع الجزيرة ودعم الحيازات الصغيرة.
مشروع الجزيرة
اورد مشروع الجزيرة خارج المشاريع قومية الكبرى، لأنها موجودة كارض، مياه وسكان- كما جاء في الدراسة الشاملة التي اعدها تحالف مزارعي الجـزيـرة والمناقل: رد ومقترحات التحالف علي تقـريـر لجنة د/ تاج الســـر، اغسطس 2014 ، ويمكن أن تعود للانتاج فوراً. تبلغ مساحة المشروع 2.2 مليون فدان وهو بذلك أكبر مشروع في العالم يروي بالري الانسيابي بترعة يصل طولها حوالي 323 كيلومتر من سنار حتى مشارف الخرطوم تعرف بترعة الجزيرة وترعة المناقل. وترعة المناقل التي يصل طولها 210 كلم تتفرع منها المواجير بطول 643 كلم والقنوات الفرعية بطول 3249كلم مزودة بأبواب بعدد 27922 باباً وهدارات بعدد 2472 لتنظيم عملية الري كل هذا يتطلب جهداً متصلاً للنظافة والصيانة وإعادة التأهيل. وعلى مستوى الإنتاج في السودان ينتج 70% من جملة الأقطان و65% من جملة إنتاج القمح و 32% من جملة الفول السوداني و 12% من إنتاج الذرة. تأهيل وتجهيز هذه الشبكة الضخمة سيحتاج لجهد كبير ومال.
دعم الحيازات الصغيرة
ويسمى القطاع التقليدي (الزراعي والرعوي) واحياناً يوصف بالمتخلف، وهو مخزن لخبرات المزارع السوداني في التعامل الحكيم مع معطيات البيئة المحيطة. هذا القطاع هو أيضاً مخزن للاقتصاد المعيشي وتوفير الغذاء من لحوم، خضر، فاكهة، حبوب..الخ وكان دائماً الداعم الاساسي للاسر والعائلات في الارياف، ويضم دائماً حيوانات ودواجن للاستعمال المنزلي. هذا نمط يتواجد في الزراعة المنزلية مثل الصين الذي يعيش أغلب سكانه حوإلي، 64% من مجموع الفئة النشيطة أي ما يعادل 700 مليون فلاح، في الأرياف ويعتمدون على الزراعة كنشاط رئيسي يشتغلون في رقعة لا تتعدى 12% من المساحة الاجمالية.
إن هذا القطاع حيوي وهام في تطوير الاقتصاد السوداني ويحتاج إلي سياسات صائبة، واتصور أنه أساس جوهري في برنامج ( فلسفة التنمية) للفترة الانتقالية. أعد لفيف من العلماء والخبراء السودانيون وثيقة (ركائز المعرفة للدراسات والبحوث: السياسات الزراعية في السودان، الحاضر والمستقبل ( بهدف الاستفادة منها في إعادة صياغة السياسات الزراعية، لإحداث تحول نوعي في القطاع الزراعي من قطاع تقليدي ينتج بمعدلات الكفاف في كثير من محاوره إلي قطاع إقتصادي نشط ومتطور، لتحقيق إنتاج مرن، مستدام وقادر على المنافسة.
حددت الوثيقة المذكورة عوامل تطوير هذا القطاع في التغييرات في السياسات، في الجوانب الإقتصادية الإجتماعية من تقنين استخدامات الأراضي،  تحفيز المنتجين نحو تطبيق سعر صرف يأخذ في الاعتبار تشجيع الإنتاج الزراعي للصادر، تخصيص الموارد الكافية لتأهيل وتحسين البنية التحتية للقطاع الزراعي، ودعم البحوث الزراعية والإرشاد، ونقل التقانة ومكافحة الآفات، تكوين تجمعات تعاونية للمنتجين وإحداث نقلة كمية ونوعية في التسويق الزراعي بتأسيس الأسواق الريفية وتوفير معلومات السوق في متناول المنتجين وإنشاء مواعين التخزين الكافية.
الخص الاولويات الملحة جداً، حسب رأي المتواضع، غير القضايا المتفق عليها من تفكيك دولة الانقاذ، المحاسبات وغيرها في اصلاح السلطة القضائية، قضية الاصلاح الاداري، إعفاء ديون السودان الخارجيه وتوفير الغذاء الاساسي للشعب عن طريق دعم مشروع الجزيرة والحيازات الصغيرة.    

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.