دحض حكومة التكنوقراط
راج على طول عهود كثيرة - بعد الثورات والتغييرات الكبرى-  الاتجاه  نحو تشكيل حكومات تكنوقراط. التكنوقراطية كلمة اصلها يوناني من كلمتين تِكني (تقني) وكراتُس "سلطة اوحكم"، وباعتبارها شكلاً من أشكال الحكومة، تعني حرفياً  حكومة التقنيين او حكومة الكفاءأت. التكنوقراطية لها جذور في حركة بدأت عام 1932 في الولايات المتحدة، وكان التكنوقراطيون يتكونون من المهندسين والمعماريين والاقتصاديين المشتغلين بالعلوم ودعوا إلى قياس الظواهر الاجتماعية ثم استخلاص قوانين يمكن استخدامها للحكم على هذة الظواهر، وإلى أن اقتصاديات النظام الاجتماعي هي من التعقيد بحيث لا يمكن أن يفهمها ويسيطر عليها رجال السياسة ويجب أن تخضع إدارتها للعلماء والمهندسين، وكانت هذه الدعوة نتيجة طبيعية لتقدم التكنولوجيا. الحكومة التكنوقراطية:
كانت حكومة أكتوبر الاولى حكومة سياسية، لكنها لم تستمر كثيراً، ثم انتقلت إلى حكومة التكنوقراط. وجاءت حكومة انتفاضة 1985 حكومة تكنوقراط. اذا كان الفشل لازم حكومات السودان الانتقالية، وانحصر دورها في تنظيم انتخابات برلمانية. لم يكن حظ حكومات التكنوقراط في دول الربيع العربي بعيداً عن هذا الفشل. ولكن لا تزال تتصاعد المطالبات هنا وهناك لتشكيل حكومات التكنوقراط من اليمن، العراق وحتى الباكستان.
عادة بعد الثورات والتغييرات التي يقوم بها مجمل الشعب، تقوم الاشكال المنظمة (الاحزاب، النقابات، التنظيمات الفئوية وغيرها) بالتوصل إلى اتفاقات تنظم الحياة السياسية في البلاد. وبدلاً من أن تتحمل مسئولية تنفيذ الاتفاقات، تترك السلطة التنفيذية لحكومة التسيير، أي حكومة التكنوقراط. ارجع الفشل الذي لازم حكومات التكنوقراط من بعد أكتوبر السودانية ومروراً بكافة التجارب اللاحقة، الى العديد من الاسباب، لكن اهمها تنحصر في:
أولاً: أساس الاختيار في حكومة التكنوقراط هو الحياد السياسي، فهم موظفون وليسوا منتخبين لاتخاذ قرارات سياسية. ولأن اختيارهم تم على أسس شخصية، فمرجعيتهم هي الاصدقاء والزملاء وليس اجهزة مؤسسية –رغم ضعفها- لديها قراءات للرأي العام. حكومة التكنوقراط تعمل وفق الربح والخسارة، بناءاً على حسابات شخصية- وليس وفق المصلحة العامة والمصالح البعيدة الأمد.
ثانياً: حكومة التكنوقراط تبدد الطاقة الايجابية، التي تسود بعد التغييرات الكبرى،  وتعيد الامور إلى اشكالها البرقراطية العادية، بكل ما تتميز به اجهزة  الدولة من فساد، وتهميش المواطن العادي والاذلال.
ثالثاً: من الصعب محاسبة حكومة التكنوقراط، فهم يعتبرون انفسهم –بحكم طبيعة هذه الفئات- غير ملزمين بقبول أي توصيات من أحد لأنهم المسئولين حصرياً عن منجزات وزارتهم. ليس لديهم أي هموم حول مستقبلهم لاحقاً، فهم لايمثلون احزاباً، وأصلاً ليس لدي اغلبهم طموح سياسي.      
رابعاً: عند تشكيل حكومة التكنوقراط لايخضع اختيار أعضاء هذه الحكومة لأي معايير متفق عليها، الذي يحدث أن الاختيار سياسي ويتم حسب قرب او بعد المسئول من تيار سياسي ما اعتماداً على قوة التيار المعين.
خامساً: ليس هناك في تأريخ السودان او الاقليم تجربة واحدة ناجحة لحكومة تكنوقراط، كلها تميزت بالضعف الشديد، وعدم القدرة على احداث تغيير سياسي، إقتصادي او إجتماعي حقيقي لتنفيذ شعارات التغيير.
الحكومة الانتقالية السياسية
عقب ثورة أكتوبر، تكونت حكومة جبهة الهيئات برئاسة سر الختم الخليفة والتى حظيت بقدر كبير من الإجماع الوطنى إلا أن قيادات الأحزاب الطائفية عمدت للضغط على رئيس الحكومة حتى استقال وشكل حكومة اخرى برئاسته. شكلت حكومة أكتوبر الإنتقالية الأولى وضمت مُمثلاً لكُل من: حزب الأُمة والحزب الوطني الإتحادي وحزب الشعب الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي، كما ضمت سبعة وزراء يمثلون النقابات والمنظمات المهنية ووزيرين من جنوب السودان.
برغم قصر فترتها استطاعت هذه الحكومة أن تبدأ في اتخاذ خطوات هامة ومفصلية، وأيا كان راينا فيها، لم تستطع أي وزارة بعدها من الاقتراب نحوها. عالجت الثورة التطهير بعد التحقيق في اتهام صاحبها بالفساد أو سواه. وقد اعتمدت اللجان على التحقيق و العمل الميداني " فجاء في وقت لاحق أن لجنة التحقيق في فساد خشم القربة سافرت إلى بعض قرى المرحلين من حلفا القليلة التي لم تزرها من قبل". تلقت هذه اللجان بلاغات عن الفساد فحققت فيها وبرأت ساحة من لم تثبت عليه تهمة.
كان مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في مارس 1965، أول مهمةٍ اضطلعتْ بها حكومة أكتوبر الأولى، حيث كان وقف الفتنة والاقتتال في جنوب البلاد؛ شعاراً وهدفاً رئيساً لسياساتها التي تبنتها. بعد جهودٍ مكثّفةٍ أمكن الاتفاق على عقد مائدةٍ مستديرةٍ في الخرطوم، بهدف بحث المشكلة، والتوصل إلى الحلول المناسبة، بمشاركةٍ من ممثلي الأحزاب السياسية في شمال السودان وجنوبه. كلف المؤتمر لجنة الإثني عشر، التي تكونت من الأحزاب السياسية المشاركة، ببحث المستقبل السياسي للسودان، على حسب مقررات المؤتمر، ولكن حكومة سر الختم الخليفة استقالت قبل أن ترفع اللجنة توصياتها. وبدلاً من الاستمرار في ايجاد حل نهائي، اندفعت حكومة أكتوبر الثانية للتحضير للانتخابات.
عالجت حكومة أكتوبر الاولى احد شعارات أكتوبر عن تصفية الادارة الاهلية. وكما قال د. عبد الله علي ابراهيم في سلسلة مقالاته عن ربيع ثورة أكتوبر 1964 : يا طفلنا الذي جرحه العدا " لم تكن خصومة الإدارة الأهلية وساوساً شيوعياً أو إخوانياً. كان لمطلب التخلص من الإدارة الأهلية قواعده الاجتماعية في الأرياف نفسها وبين صفوة الخريجين". وفي ذلك كتب الشفيع المذكرة بتاريخ 21 يناير 1965 بخطاب منه بصفته وزير شئون الرئاسة لحكومة ثورة أكتوبر الأولى لسكرتير مجلس الوزراء، وتناولت المذكرة مقترحه لإعادة النظر في الإدارة الأهلية. غطت المذكرة مقدمة تاريخية عن نشأة الإدارة الأهلية، وضع الإدارة الأهلية الحالي، سلطات وواجبات الإدارة الأهلية، نظرة إلى فساد الإدارة الأهلية بجمعها السلطات القضائية والإدارية (أي أن يكون الناظر مثلاً إدارياً يجمع الطلبة وقاضياً يحكم بالسجن والغرامة)، ثم التوصيات بما ينبغي فعله بالإدارة الأهلية.
حكومة مابعد الانتفاضة التكنوقراطية كانت محددة باتفاق واضح، لفترة عام فقط. اغلب وزرائها جاءوا من قادة العمل النقابي، لدي اغلبهم خبرات ادارية، لكن تميزت الحكومة بضعف سياسي بالغ جعلها مجرد حكومة تسيير اعمال، وتركت إدارة شئون التشريع لمجلس إنتقالي منحاز بشكل واضح لتيار الدولة الدينية، محافظ سياسياً وعملوا لفترة طويلة داخل نظام النميري الشمولي. لقد تركت قرارات الحكومة الانتقالية أثراً مدمراً على مستقبل السودان، وسمحت قوانينها المنحازة بصعود تيار الدولة الدينية وافلاتها من المحاسبة.    
يكون الشعب بعد التغيير في افضل معنوياته، راغباً في العطاء والتضحية ومستعداً لتحمل اقسى الظروف لأن طاقة الامل الايجابية مشرعة، لكن حكومة التكنوقراط بحسب طبيعتها مؤقتة، ويميل افرادها إلى تجنب القرارات الصعبة والاستراتيجية. أن الحكومة المؤهلة لتدبير امور البلاد بعد التغييرات الكبرى هي ممثلين للاحزاب والمنظمات التي صاغت البرناج المرحلي، وعليها أن تتحمل هذه المسئولية.
أولاً: أساس الاختيار في حكومة السياسيين هو التزامهم بتنغيذ ما اتفقوا عليه. هذا عبء معنوي ثقيل لأن هناك رقابة من الاحزاب والمنظمات المشاركة، وتفرض سلوكاً معيناً لأن قراراتهم سوف تؤثر على مستقبلهم واحزابهم.
ثانياً: حكومة السياسيين ذات طبيعة مستدامة، وبامكانها اتخاذ كافة القرارات الصعبة والاستراتيجية. إن الحكومة السياسية قادرة بحكم تكوينها، والظهير الشعبي المؤيد لها على احداث تغيير سياسي، إقتصادي او إجتماعي حقيقي لتنفيذ شعارات التغيير. ايضاً مع طول الفترات الشمولية في السودان، فإن هناك ضعف في كوادر كافة الاحزاب والمنظمات لبعدها الطويل عن إدارة الدولة. وقد تفاقم هذا بإقصاء كافة القوى والتيارات فعلياً من الخدمة الحكومية. سوف تكون هذه الفترة، التي تتميز عادة بغلبة العمل الجماعي والمشاركة الجماهيرية الواسعة، مدرسة كبرى لاكتساب القادة الجدد للتجارب وتأهيلهم للخدمة العامة والاتفاق على معايير الاداء.
ثالثاً: يجب الاتفاق على معايير اختيار متفق عليها، وعلى نظام شفاف للمحاسبة. ليس هناك معايير عالمية للاختيار، لكن يمكن الوصول لحزمة مناسبة حسب المرحلة. وهناك تجربة "تحالف خبراء مصر"، (http://www.masress.com/veto/347451) والذي دعا  لحوار مجتمعي حول المؤهلات الواجب توافرها في من يشغل منصبًا وزاريًّا، ومعايير تقييم أدائه، وطرح التحالف – الذي يضم مجموعة كبيرة من الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات العلمية والفكرية – رؤية مبدئية تكون طريقًا ومرشدًا في اختيار الوزراء وتقييمهم، ومساعدتهم على النجاح في خدمة الوطن. "وجاءت الرؤية المبدئية التي قدمها التحالف في الصفات الواجب توافرها فيمن يشغل منصبًا وزاريًّا من حيث المؤهلات الشخصية:- طهارة اليد – ذو قدرات قيادية - يحسن العمل الجماعي. ومن حيث المؤهلات الإدارية: أن تكون لديه خبرة في إدارة فرق العمل متعددة التخصصات، معرفة وتطبيق أسس الإدارة الحديثة، القدرة على التخطيط ومتابعة التنفيذ وحل المشكلات، ووضع الأهداف ومعايير النجاح وتطبيقها. ومن حيث المؤهلات الإعلامية:- مهارات التواصل والعرض الفعال - إجادة إدارة الحوار العام - إجادة فنون إدارة الخلاف - القدرة على التعبير بالكتابة وشفاهة - حسن الهندام واللياقة العامة، وفيما يخص المؤهلات السياسية:- متوافق مع التوجه السياسي للإدارة- صاحب رؤية - على أن يكون إثبات هذه الصفات والمؤهلات مشفوعًا بسابق الخبرة".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.