ربما سوف يتساءل الكثيرون عن لماذا اعالج القضايا المستقبلية ونحن في غياهب ليل مدلهم وحاضر ممتد لربع قرن. اليس الاجدر الكتابة عن قتل القرنتية، قبل توزيعها. برغم جدارة هذا الراي، وموضوعيته، إلا أن قراءة ثورات السودان (اكتوبر 1964 وابريل 1985) ترينا بوضوح لا لبس فيها، إن الجزء الاكبر من عدم تمكنها من احداث تغيير حقيقي بعدها، كان في غياب أي فكر استراتيجي له حد ادني من الاتفاق. وقد لخصت في خاتمة ورقة ضمن "كتاب خمسون عاما على ثورة أكتوبر 1964-2014 النهوض الباكر"، المهام الجوهرية التي لم تنجز "عندما انجز الشعب السوداني ثورة أكتوبر، كان سباقاً في عالم مابعد الحرب العالمية الثانية، واجاب على اهم أسئلة مستقبل الشعوب: كيف؟.  لكن مسارات الثورة قعدت به عن الاجابة على أسئلة جوهرية في حياة الشعوب إذا لم تجب عليهما، لن تضع نفسها في طريق المستقبل. السؤال الأول: هو أين نريد الذهاب؟. هذا السؤال كان محور كافة الوثائق السودانية.... السؤال الثاني: هو كيف نصل إلي هناك؟، وهو متعلق أكثر بالتقنيات. هذه هي أسئلة ثورات القرن الحادي والعشرين، واذا استطاع الاخرون فلماذا لانستطيع نحن؟".
كان هذا دافعي في العمل علي "سلسلة الرؤية السودانية". الحاجة التي تدفعني موضوعية وذاتية. الموضوعي فيها أن هناك إحساس متعاظم لدي كافة القوى الفاعلة للتوصل لرؤية، هذا جزء من برامج كافة الاحزاب، في إتفاقاتها الوطنية منذ ميثاق أكتوبر، التجمع الوطني لإنقاذ البلاد، التجمع الوطني الديمقراطي، مؤتمر القضايا المصيرية 1995، إعلان القاهرة في 16 يناير 2005، برنامج البديل الديمقراطي، اعلان باريس وما سيتلو (كتاب الرؤية، الفقر في السودان، صحة السودان/ السودان موحداَ على الرابط ((https://independent.academia.edu/AmrAbbas3.
ذاتياً فإنني كجزء من الكتاب السودانيين منخرط في بلورة ما يجمل في الاتفاقيات الوطنية. وقد اضاف د. حيدر ابراهيم حافزاً اخراً في "قراءة في رؤية عمرو عباس" لذلك، آمل أن  يبادر المؤلف في تأسيس كيان لعلم المستقبل وسوف تكن هذه مبادرة حقيقية. خاصة والمؤلف له خبرات طويلة وثرة في التخطيط ظهرت في المعلومات الواردة في المتن. كما أن الكاتب وعدنا” سوف نعتمد في تحليلنا علي الإتيان بالجديد الذي لم يقل،أو قيل في معرض مناقشة قضايا أخري”. اتمني أن يشتغل (عمرو عباس) علي المستقبل فقط".
لكن هناك اكثر من ذلك، فرغم إحاطة الاتفاقيات بمجمل القضايا المطروحة، خاصة في المرحلة الإنتقالية، إلا انها توردها بدون تحديد اولوياتها. سوف يلعب الاختيار بينها  الدور الاساسي في اتجاهات السياسات الجديدة وطبيعة القضايا التي سوف تكون مثار اهتمامها. من ناحية اخرى فهذا جزء من ايمان راسخ لدي الكاتب أن الوضع الحالي أصبح مؤفتاً جداً وأن التغيير آت لاريب فيه.
المرحلة الإنتقالية
من تواتر الاحداث في السودان، خاصة السنوات الاخيرة فإن أي تغيير سياسي في السودان لن تتجاوز سيناريوهاته عنوانين رئيسيين.
السيناريو الأول: أن تستفيق القيادة الحالية إلى عمق الازمة والانتقال من إنكار الفشل إلى القبول به، وطرح مشروع اصلاحي حقيقي على جماهير الشعب السوداني لإعادة السلام إلى الوطن، تفكيك دولة ألاستبداد، التمكين والإقصاء، التحول الديمقراطي والدخول في مرحلة إنتقالية للتمهيد لنظام تعددي، مدني وديمقراطي.
السيناريو الثاني وهو الاقرب احتمالاً، الانتقال من الأزمة الثورية إلى اللحظة الثورية، عبر مفجر يثير حفيظة الشعب السوداني وتتوفر له قيادة ميدانية مناسبة تدفع بجموع الشعب إلى الاصطفاف في الشوارع، الدعوة لإسقاط النظام وتَصُاعُدِ هذا إلى الوصول للحصار الكامل للسلطة وعجزها عن التصدي لهذه الثورة العارمة. ومن ثم الدخول في مرحلة إنتقالية للتمهيد لنظام تعددي، مدني وديمقراطي.

الاصلاحات الضرورية
جاء في إعلان باريس لتوحيد قوى التغيير من أجل وقف الحرب وبناء دولة المواطنة والديمقراطية بين الجبهة الثورية السودانية وحزب الأمة القومي، عنوان فرعي حول الحريات والتحول الديمقراطي. شمل العنوان قضايا الاصلاح الديني والسياسي.
طرحت ميادين الربيع العربي قضية الإصلاح الديني والسياسي إلى الصدارة، وذلك بإنتزاع الإسلام من أيدي الجماعات التي جيرت الإسلام لصالحها، والتي حاولت فرض تصورها الخاص على كافة المسلمين والمواطنين. من بين ضباب سنوات الصراع الدامي لفرض هذا التصور الذي كاد أن يودي بقيم، اخلاق ومباديء المجتمعات الاسلامية، ظهر جلياً الفهم العصري والمتطور لمفاهيم المواطنة، الدين والاخلاق.
لم تخضع مفاهيم الاسلام السياسي – بكافة تكويناته- للمراجعة والاصلاح في قاعات الحوار او التلفزيونات، ولكن دارت المعركة في الميادين، والتي خرجت من عباءة تنظيمها الاكبر–الاخوان المسلمين- كافة المتطرفين والتكفيريين. حسمتها الشعوب في الميادين من واقع الممارسة العملية وتجاربها المريرة مع هذه التيارات. وسوف تُتُرجَمَ هذه المفاهيم إلى واقع القوانين، مدونات السلوك المجتمعي، المناهج الدراسية و كتابات المفكرين والمثقفين. إن العالم الإسلامي يضع اقدامه على عتبة الاصلاح الديني المطلوب، واستكمال مسيرة الرواد كجزء اساسي من الإصلاح السياسي، الإقتصادي والإجتماعي.
إرتبط تأريخ الصراع الديني في السودان بين مفهومين. الاول ربط بين الشريعة الإسلامية والاحكام وتبنتة تيارات الدولة الدينية (الاسلام السياسي والاحزاب الطائفية). المفهوم الذي وضح جلياً بعد التجربة البيئسة لتيار الدولة الدينية (الدستور الاسلامي في الستينات، تجربة قوانين سبتمبر في عهد نميري، إعادة طرح الدستور الاسلامي بعد انتفاضة 1985 وقوانين الانقاذ) أن الحملة انحصرت في الجانب الدستوري القانوني فقط وأغلبها الجانب العقابي. ياخذ هذا احياناً اشكال المماطلة في حسم هذه القضية، كما حدث في اتفاق الميرغني قرنق عام 1989 واعلان باريس 2014.  المفهوم الثاني كان مفهوم التيار الرئيسى الليبرالي واليسارى وتتمحور حول مبدأ فصل الدين عن السياسة والتركيز على المبادىء والاخلاقيات، وأن تراوحت المواقف بعداً وقرباً من برزخ تيار الدولة الدينية على مر السنوات والظروف. ورغم حسم هذه المسألة في مؤتمر القضايا المصيرية، وذلك في الفترة من 15 إلى 23 يونيو 1995، وصدر البيان الختامي في يوم الجمعة 23 يونيو 1995. وكان أبرز القضايا التي تم الاتفاق عليها ما جاء تحت الدين والسياسة في السودان ونصت على أن "تشكل كل المبادئ والمعايير المعنية بحقوق الإنسان والمضمنة في المواثيق والعهود الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من دستور السودان وأي قانون أو مرسوم أو قرار أو إجراء مخالف لذلك يعتبر باطلاً وغير دستوري. يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيساً على حق المواطنة واحترام المعتقدات والتقاليد وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لذلك ويعتبر غير دستوري. لا يجوز لأي حزب سياسي أن يؤسس على أساس ديني. تعترف الدولة وتحترم تعدد الأديان وكريم المعتقدات وتلزم نفسها بالعمـل على تحقيق التعايش والتفاعل السلمي والمسـاواة والتسامح بين الأديان وكريم المعتقدات وتسمح بحرية الدعوة السلمية للأديان وتمنع الإكراه أو إي فعل أو إجراء يحرض على إثارة النعرات الدينية والكراهية العنصرية في إي مكان أو موقع في السودان"، فقد جاء اعلان باريس تراجعاً واضحاً.
إن الاصلاح الديني مطروح بشدة على الساحة، خاصة بعد التجربة القاسية مع تيار الدولة الدينية. هذا الموقف يواجهه بشكل اقسي واعنف تيار الدولة الدينية، فرع الترابي في التحول من أحلام الإمبراطورية الإسلامية إلى تقديم نموذج عصري مدني حديث يرجعهم إلى الساحة. إذا كانت المراجعات ليست مطلوبة من دعاة الدولة الدينية، لأنها لن تشكل التيار الرئيسي في سودان المستقبل، إلا إذا ارادوا الاندماج، فأنها فرض عين على أحزابنا الطائفية، التي تتفاوت في استعمالها الدين في الساحة السياسية عند اللزوم. إعلان باريس أجل هذه المراجعة "ناقش الطرفان بعمق علاقة الدين بالدولة كواحدة من القضايا الجوهرية واتفقا على مواصلة الحوار للوصول لصيغة مرضية لكافة الأطراف".
إلاصلاح السياسي في السودان
عانت الحياة السياسية السودانية من تجريف وتصحير لأسباب متعددة اهمها الديكتاتورية المايوية التي جثمت على ظهر الوطن، وبعد سنوات قصار لم تستعد فيها الحياة مجراها حط على كاهل الوطن ديكتورية الإنقاذ. السبب الهام الآخر ظاهرة الهجرة الى خارج الوطن وكانت ترتبط بالنظام السياسي الديكتاتوري. الهجرات الاولى فى منتصف السبعينات، والتي شابهت الوباء، كانت من فعل التدهور الإقتصادي والإجتماعي وبِدِء انسحاب الدولة من المسئوليات الإجتماعية (التعليم، الصحة وغيرها). هجرات التسعينات والتى تستمر حتى الآن كانت ذات طبيعة مغايرة، فاغلب مهاجري السبعينات كانوا من متضرري الإقتصاد، اما مهاجري الإنقاذ فقد ارتبطت بشكل حاسم بالسياسة والتصفيات الإدارية والإقتصادية.
أصاب هذا التجريف كافة مفاصل الحياة السودانية: العشوائية، سوء الإدارة، التدني المخيف في الكفاءات، تدهور الزراعة والصناعة وكل انشطة الحياة. كان هذا اقوى مؤثر على التكوين السياسي للشعب السوداني. كان الفرد السوداني يتدرب على العمل الجماعي، التعددي والديمقراطي، فى اتحادات المدارس والجامعات، التكوينات الجغرافية، الاحياء والاندية المناطقية والعامة، الاتحادات العمالية والزراعية، النقابات المختلفة وغيرها. تم مصادرة هذه القنوات امام الشعب وأصبحت جميعها تدار عن طريق الاجهزة الامنية.
ليس النظام وحده هو العائق لرفع كفاءة الشباب الطامح للتطور ولكن الهياكل القديمة من الاحزاب، والتي من فرط الضغوط الواقعة عليها من السلطة المستبدة، إن اصبحت جزءاً من مكرسات الاستبداد داخل منظماتها. من الصعب التكهن بمصير ومستقبل هذه الاحزاب في ظل قبضة الابوية المفرطة ومن تربوا على لبنها. سوف تواجة الحياة السياسية السودانية تحديات من الصعب التكهن بها، لكنها كلها سوف تدور حول غياب الديمقراطية داخلها.
ليست المنظمات الشبابية، المجتمع المدنى، الحركات النسوية افضل حالاً، فهي ايضاً ترزح تحت مطرقة الانشقاقات، الصراعات الموضوعية منها والذاتية وسندان اتهامات التخوين، التمويل الاجنبي وغيرها من الثقافة المتوقع ان تسود في مثل هذه الظروف. ليس هذا ببعيد عن تدخلات الاجهزة الامنية والتي اصبحت فى غاية المهارة فى نشر هذه الاجواء والثقافة. تتحمل الحركات جزءاً من هذا الهرج لانها عاجزة عن غرس قيم التعاون، التضحية والإيثار عند كثير من افرادها. هذه المظاهر متكررة فى السودان منذ وقت طويل وأغلبها افراز متطاول لسيادة الفكر الظلامي، غياب الديمقراطية في المؤسسات الإجتماعية والتعليم المتدهور.  
احدى قضايا الإصلاح هي الإتفاق حول ماذا نعني بالتغيير؟. تراوح مطلقيها من الحركات الشبابية المعارضة، قوى الاجماع الوطني، والجبهة الثورية إلى الحركة الوطنية للتغيير برئاسة البروفسير الطيب زين العابدين، مجموعة سائحون، مقدمي مذكرة سبتمبر 2013 وإعلان باريس.
هذا المشهد هو سلوك موضوعى تتبعة الديكتاتوريات العسكرية، ولجأ الية تيار الدولة الدينية مراراً وتكراراً. فهي تتبنى الشعارات الشعبية وتعمل عكسها، وتود ان تكون السلطة والمعارضة في آن واحد. جزء من تحديد المصطلح هو لنزع أجندة التغيير من تيار الدولة الدينية التي في السلطة والمعارضة. لقد اعطتنا التجارب المريرة لثورات الربيع العربي، أن قوي الثورة المضادة تعمل لتحويل دولة الإقصاء العلماني إلى دولة الإقصاء الاسلامي او العكس. ليس فى خاطر الكاتب سوى وصف الصورة، لأنها بعكس الإصلاح الديني ليست هناك محددات ثابتة ولكن تستجيب للمتغيرات بسرعة بالغة.
قدمت الثورات العربية منهجاً ربما سيستقر في العمل السياسي الديمقراطي. قدمت التجربة المصرية إصلاحاتها من فشل التوافق الوطني لإسباب متعددة اهمها إتجاة الإخوان المسلمين في مصر إلي إعتماد التمكين، ومن ثم اخرجتها 30 يونيو من المعادلة. من الجانب الاخر قدمت التجربة التونسية، نموذجاً وصلت فيه إلى توافق مجتمعي كانا محصلة تطور التيار الرئيسي في الحركة الإسلامية بتونس (النهضة) ويقظة القوي الليبرالية واليسارية التي وقفت بالحوار والنضال السياسي لا بالتحريض الإقصائي. هذان النموذجان ربما يعطينا مشهداً، نسير فيه بشكل عام في إتجاه تطور الدول الاسيوية المسلمة الديمقراطية. هذا طريق طويل، مبشر في بداياتة في دستوري مصر وتونس.
قضايا الفترة الانتقالية
تتلمس الاتفاقيات المتوافرة في الساحة السياسية تحديد قضايا الفترة الانتقالية. المفجع أن كلها متشابهة بشكل كبير منذ ميثاق اكتوبر، الذي يدل أن تكلس حياتنا السياسية على مر العقود. القضايا التي نطرحها هنا لن نشير فيها إلى السلام في هذه القضايا، باعتبارها معطى أولي للدخول في المرحلة نفسها. هناك منظومتان من القضايا تواجه الوطن: اولاً: قضايا نظام الحكم والمسائل المتصلة بها والتي كانت محور الصراع وسبب فشل المشاريع الوطنية وتشمل: قضايا الدستور، العدالة الإنتقالية، العدالة الإجتماعية، العلاقات الخارجية والمجتمع المدني؛ وثانياً: القضايا المتصلة بالتغيير الإقتصادي والإجتماعي الذي سيشكل البنية التحتية لأي نهوض وطني والوصول لرؤية البناء والتنمية وتشمل: الثقافة الديمقراطية، تمكين المرأة، إجتثاث العنف من الحياة السياسية، محو الامية، الفقر، العطالة والديون.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.