ما أسمى ما أنبل
اليوم أو غدا ستنشر جريدة القارديان اللندنية مرثية تتضمن مآثر الرجل وإنجازه، وهي مهمة كان هو يتولاها مع زوجته الأكاديمية الفنانة الراقية متناولين كل الراحلين من الفنانيين التشكيليين البريطان، والمقيمين في بريطانيا، وكان من بين من كتبا عنهم: عثمان وقيع الله يوم رحل، وبرحيل محمد أحمد يرحل اثنان من أهم خمسة فنانيين بريطان، وبقي ثلاثة حفظهم الله، أحدهما سوداني هو الصلحي، وبذلك يكون السودان في أواخر القرن الماضي وأوائل الجديد متسنما الصدارة بثلاثة من خمسة! في لندن!
ولهذا سأكتب عن جانب واحد من مآثر الرجل الذي كان المتحف البريطاني في لندن يعرض أعماله أثناء حياته العامرة في القسم الخاص بالإسلام.
توجه محمد أحمد منذ عشرين عاما إلى تأليف مجموعة من الكتب باللغة العربية، أحدهما : تاريخ الأبوراب وإنجازهم الثقافي والعرفاني في تاريخ السودان السناري والكردفاني وفي تقلي وجبال النوبة. وهم عشيرة يحفظ شبابها القرآن ويتفقهون وينالون الطريق العرفاني، ثم يتجه كل فرد منهم إلى مكان ما منفردا ومنقطعا لمهمة رسالية، وذلك منذ عهد الفنج، ولهذا تجدهم في كردفان مثل: قرية شجرة الأصم وآل كريم الدين في شرق كردفان وفي الجزيرة مثل أم كداد والنهودفي غرب كردفان. ورفاعة ونهر عطبرة، فضلا عن مملكة تقلي، وجبال النوبة. ويتضح أنهم انصهروا في كل القبائل التي عاشوا معها. علاوة على وجودهم في المدن. وتدل الوثائق المخطوطة التي نشرها محمد أحمد، على أن حمد المجذوب والشيخ برير من تلاميذهم، منذ أن كانوا في السيال سيال كريم الدين. وكان الأصل في مسيرة حياته أن يناله التعميد خليفة لأبيه في الخلوة والطريق، ولهذا لا يستبين الناس مكانة الرجل في الثقافة والفن ما لم يتنبهوا إلى رسوخ السمت الصوفي في تكوينه وعمله: هذا التسامح والزهد والتواضع والصدور عن تعمق في تناول الأشياء هذا التماسك والألق ألق الصدق.  
عكّـف على دراسة تاريخ العرب في السودان دراسة مستوعبة، بما كتب في العربية والإنجليزية ولكنه اختار منحى خاصا  اقتضى منه أن يدرس كتب أنساب  العرب ومواطن إقامتهم في الجزيرة العربية، في الكتب والمخطوطات، ثم اهتم بمعرفة أماكن هجرتهم وإقامتهم في العالم ولاسيما أفريقيا واستطاع أن يعرف العشائر  التي هاجرت من القائل العربية ومواطن إقامتهم في السودان.
دأب على أن يلج المكتبة البريطاني في الصبح ولا يخرج منها حتى ينتهي يوم العمل فيها، على مدى شهور، وهو في المعاش، وداهمه الإعياء  قبل سنوات، فقضى فترة في المستشفى وسط أرتال الممرضات  الحانيات اللائي كنا نسميهن الحور العين، وكان يداعي عائديه من بعيد: يا جماعة الجماعة ديل الجايبهم الجنة شنو.
نستطيع أن نقول أن كتاب أبارو هو أحد أهم كتابين منشورين عن القبائل العربية في السودان والثاني: كتاب الشيخ الفحل، أما كتاب أب بارو فهو: عرب السودان، ومعروف أن أب بارو الذي ولد وعاش في تقلي، وبالتحديد
: أبو جبيهة التي أنشأها جده خلوة قرآن وذكر وبيتا مفتوح الأبواب. معروف أنه يتحلى ببراءة تامة من الشيفونية ولوثة التمييز العنصري.
وتناوله لعرب السودان معالجة علمية أكاديمية موضوعية راقية.
وبسطوع نجم الاكتشاف العلمي الراسخ الآن، اعتمادا على : دي أن آ، أن البشرية خرجت من أفريكا، من منطقة بين النيل والبحر الأحمر وأن العرب قوم سود قدموا من أفريقيا إلى الجزيرة العربية، سيكون كتاب أب بارو معلما أساسيا في النشاط العلمي الذي يتناول هذه القضية. وأن حكاية العرب العاربو والمستعربة كلام ليس له سند علمي الآن.!
من كتب أب بارو: سيرته الذاتية، من البداية مع وقفة عند إنجازه العلمي وأعماله ومعارضه.
وهناك كتاب من مجلدين حافل بالصور عن أعماله ومن اقتنوها وطريقته الخاصة في الخزف. وهو يرى أن الخزف في جبال النوبة هو أفضل أنواع الخزف في السودان كله، ولهذا بدأ مسيرته العلمية مستندا إلى فن الخزف في جبال النوبة وسماته، وانطلق من ذلك إلى التطوير والإبداع مستخدما ذلك الأساس المحلي الأصيل، وأبدع في محاولاته المتنوعة لنسج تقاسيم متنوعة في تشكيل نبات الكمأة ( المشروم).
ويكاد أب بارو يكون أول الدارسين المبتعثين من كلية الفنون، الذين تلقوا تعليما أكاديميا حديثا على مستوى الدراسة العليا في بريطانيا،  وهولذلك كله كان يتناول القضايا النظرية، ولا يهتم بتعليم الطلبة الفن التشكيلي في مجاله، وهو نوع من التدريب، بل يترك لهم حرية اختيار طريقهم بالنزوع إلى الاستقلال وتكوين شخصية خاصة غير مؤدلجة بتبعية لهذا الأستاذ أو ذاك.
ومن ثم ارتبطت عودته إلى السودان، قبيل ثورة أكتوبر 1964، بوضعه هو لبرنامج الكلية وانتقالها من مستوى الدبلوما إلى مستوى الدرجة الجامعية.
ثم جرت وقائع وعاد إلى بريطانيا! وجلس في صدارة بيئة الفن التشكيلي في لندن وفي مكان عال.! في كل المعرض التي شهدتها في لندن، وكان لأبارو مشاركة فيها بأعمال له، كان يجلس ويحاور بتواضع، ولكنني لمست مدى اهتمام الخواجات والخواجيات على اقتناء أعماله بالسعر الفلاني، ورأيت كيف كانوا يتعاملون معه بدهشة وتهيب واحترام، كلها مستمدة من تقديرهم لقيمة العمل الإبداعي الذي انتجه " محمد أحمد" وفق ما كانوا يسمونه: محمد أحمد" "آ".!
 ولكنه أيضا كاتب ذو مشاركة متميزة في الكتب التي تناول فيها هذا الجانب من قضايا الثقافة السودانية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.