الإنسانية الفياضة هي خلاصة مآثر محمد الواثق ومعدنها الصافي المؤتلق، فما قيمة الإبداع وإن تفرد وماقيمة العلم وإن كان ركينا مؤثل المناهج وما قيمة الوطنيةوإن اتسمت بالتضحية وما قيمة المروءة نفسها وإن مثلت مكارم الأخلاق والتدين الورع، إن لم تدل كلها وتعود إلى أصل جامع هو النبل الإنساني، فطرة مركوزة في النفس مثلما تنفح الزهرة عطرا ويفرز النحل عسلا سائغا. ذلك هو محمد الواثق بالنبل كله وبشفافية الروح والوجدان.
المبدع:
بوصول سفينة الواثق إلى مرساها، يكتمل في كتاب الشعر العربي إنجاز مبدع  سوداني إلى خارطة الشعر العربي منذ الجاهلية وإلى الشعر العربي الحديث، فهو من الشعراء الكبار الذين يمثلون  قيمة رابحة ومتنامية، فهو من طبقة الشعراء السودانيين الكبار: صلاح أحمد إبراهيم وكجراي وكرف وعبد الله الشيخ البشير ومحمد المهدي مجذوب في منتقى من شعره وشعره الموزون المقفى وكذلك من عبد الله الطيب وجيلي وتاج في شعرهما الأول ومحمد المكي إبراهيم والعباسي والناصر إن اعتبرنا أن له قصائد في مستوى أم بادر لم تعرف بعد!
الواثق بهذه الديباجة الجاهلية والمعرفة الحصيفة بخصائص القصيدة الحديثة عند إليوت وأضرابه وامتياحه من الواقع والتفاتاته الفلسفية وفهمه العميق لما قاله إليوت عن الشعر والموهبة الفردية بمعنى أن الشعر الجديد المبدع هو الذي يعيد كتابة تراث الشعر في كتابة نص جديد مرتبط بالعصر والواقع وما قاله أمين الخولي إن التجديد هو قتل القديم بحثا! 
وأشهر شعر الواثق هو قصيدة واحدة صدرت في ديوان رائج له امتداد مكمل له في قصا ئد عن مدن سودانية أخرى، وللأسف فات على الناس أن النص الباذخ لا يعني أمدرمان بقعة المهدي ولا علاقة له بها البتة ! أم درمان هي رمز لحال السودان كله منذ أول عهد نميري حين نشر الواثق أولى قصائده ولكن من عرضوا خارج الزفة عارضوه  ومدحوا أم درمان وبعضهم يشاع أنهم سجلوا بلاغا ضده دفاعا عن كوستي، ويستطيع أي قارئ جاد أن يقرا ديوان أم درمان تحتضر وما تلاه من قصائد في ضوء قصيدة الأرض اليباب لإليوت التي يتناول فيها صراحة مدينة لندن ببرجها وجسرها وأنديتها  ممتعضا من غلبة المادية والشهوانية الحسية عليها وغياب روح التدين بمعناه الكاثوليكي وكساد الحب، وهي أشهر قصيدة إنجليزية في القرن العشرين ولم يقل أحد إنها هجاء للندن! وحتى إن جاز أنه يعني أم درمان فهذه قراءة واحدة وبايرة وليست القراءة الوحيدة! وغاب عنهم حقيقة ان النص رائع فنيا وهم إنما يعترضون على المحتوى والشعر ليس محتوى فقط!
ليس للمدن قدسية، الله تعالى وصف مكة بالبلد الظالم أهله وأنها واد غير ذي زرع ومن حق أي كائن أن يضيق بأي مكان في أرض الله الواسعة بل طولب البشر بالمهاجرة من البلدان التي يجدون أنفسهم فيها مستضامين!
وقد اتخذ من سمات معينة في مدن أخرى مجالا لنصوص جديدة مثل الرحيل من حلفا والاسم الأجنبي في كوستي وطوفان النيل الذي سيدمر توتي! كلها رموز !
وفي ديوانه الثاني تناول بالرثاء شقيقه ووالده واستغاث بالموت : ياقطار العمر متى السفر وكتب قصيدة الفارس الأعزل عن تجربته في السجن : 1973،وفيها هذا البيت عن النميري: وأن الأمور وأقدارها  يصرفها الأرذل الأرذل! 
وتوليت أمر نشرها في مجلة البيان الكويتية.
وبعدها قصيدته في رثاء صديقه جوزيف قرنق وفيها إشارة واضحة إلى أنه سجن في كوبر وقضى ليلة قريبا من المشنقة التي أعدم فيها جوزيف قرنق.
بيد أن الواثق بدأ نشر الشعر الرصين منذ أن كان طالبا في الجامعة وفي مجلة الصباح الجديد مثل قصيدته عن رحلة إلى أسمرا منها:( من الذاكرة)
إذا أبصرت عيناك شاهق أسمرا وكنت دوين السفح أنت سعيد
ومنها: عرج بنا على حان تدبر أمره    مسيحية طلق اللسان ودود
تعلق عيسى في الجبين محبة            وعيسى صليب في الجبين شهيد
إذا قلنا لها صبي لنا الخمر               جادت بها أما إلى الأخرى فليس تجود
وفيها عن عيد الضحية:
وقمنا إلى شاة ولم تك أذنبت نقلد إبراهيم وهو رشيد
وحدثني أنه تدرب على العمل الصحفي مع حسين عثمان منصور في مجلته ولا شك أن حسين عثمان منصور هو الذي قدم لنا الشاعر الواثق وآمل أن يكون أبناؤه يحتفظون بكل مجلدات المجلة لأن النسخة الكاملة في مكتبة السودان اختفت أو ناقصة.
ومن ناحية حين أتلفت الآن إلى الشعراء العرب لاأجد صنوا للواثق في مصر أما شمال أفريقيا فليس فيه شعر يؤبه له ماعدا ليبيا وخاصة المرحوم محمد الشلطامي، على أن هناك شعرا حديثا جيدا في موريتانيا والسنغال ،أما الجزيرة العربية كلها بيمنها وسعوديتها وكويتها وأماراتها فليس فيها شاعر مثل الواثق ولا حركة ثقافية في مستوى السودان. الوحيد الذي يمكن أن يقارن بالواثق هو سعدي يوسف وهو من جيل السياب السابق لجيل الواثق وكذلك الفيتوري وما قلته عن مكانة الواثق في الشعر الموزون ينطبق أيضا على محمد المكي إبراهيم في شعره الحر فهما فارسا شعر لا صنولهما في جيلهما في كل بلاد الأعاريب. وأتوقع سطوع نجم الشعر العربي في إرتريا! لا يشمل كلامي الشعراء السودانيين في جيل الشباب من بعد الواثق! مثال ذعالم والسر النقر وعبد القادر الكتيابي فلا شك عندي أنهم في مستوى سابقيهم وسلفهم المتميز على كل الأعاريب! الواقع أن الأيدلوجيا المحلية سودانيا هي التي ظلمت الشعر السوداني وخاصة من قبل كهنة اليسار أولا ومن قبل كهنة الترابيين ولكن القارئ العادي في السودان حصيف! أنظر إلى المؤتمرات خارج السودان: كم مرة دعوا الواثق! الدعوات تصل للجميع حتى روضة !
أما أدونيس فأحسن شعره  مستمد بحرفنة مفضوحة من التجاني مثل سمت تجنب التشبيه : إبراز الشيء في ذاته! وأما نقده مثل زمن الشعر فمستعار من محمود محمد شاكر وأزمنة الشعر الثلاثة ( المجلة 1969) ولكنه محسن في اختياره الشعري 
الأكاديمي:
حرم الواثق من نيل درجة الدكتوراة من جامعة كمبردج 1966 في الأدب العربي ومنح درجة ماجستير متميزة، والسبب جريرة لم يرتكبها الواثق وكان جديرة بأن تحسب إضافة علمية ركينة لأن الإنجليز يقولون هناك مسرح أول عند اليونان أما المسرح الثاني التالي له فهو في اللغة الإنجليزية متخذا زينته عند شكسبير وجاء الواثق ليثبت وجود مسرح عربي سابق لشكسبير له كل خصائص المسرح : النص المكتوب وسموه البابوات والجمهور والحركة المسرحية ممثلا في ابن دانيال العراقي الكحال الذي أقام في القاهرة وهذا جانب اهتم به الاستشراق الألماني وأهمله البريطانيون وفرضوا مقولة خلو اللغة العربية من المسرح ولهذا عرضت مساومة على الواثق رفضها ودفع الثمن ولكن الاستشراق البريطاني ما يزال يدفع أفدح ثمن فالجامعات البريطانية مجيدة وبارعة في كل شيء إلا في تعليم اللغة العربية بحيث أنك لا تجد لهم كتابات بالعربية الفصحى ولا يستطيعون تقديم محاضرات بها ولا قيمة الآن لمن يحصل على درجة علمية منهم إلا إذا كان يساوي شيئا بدونها ولك أن تحدثني إن كنت سمعت أو رأيت إنجليزيا أبيض اللون يتكلم بالعربية الفصحى في إذاعتهم. المهم الآن أن الطريق الذي ارتاده الواثق صار اتجاها مقبولا ومجمعا عليه وتولاه نفر من الباحثين الإسرائليين في دراسات بالإنجليزية ووصلوا إلى حد إثبات وجود مسرح عربي يهودي بعد سقوط الأندلس في الجزائر عند اليهود القادمين من الأندلس هاربين وقد ضمت رسالة الواثق نصا عربيا قديما في كتاب أندلسي عن وجود مسرح ما في قرطبة قبل ولادة شكسبير بقرنين أو ثلاثة!
الرائجة المهولة!:
على أن الغريب في الأمر أن د. محمد مصطفى بدوي أصدر كتابا طبعته جامعة أكسفورد وبالتعاون مع جامعة كمبردج عن المسرح القديم قبل 20 عاما: ابن دانيال تناول كل مقولات الواثق وأفاد من مخطوطاته وبدأه بقوله إن الناس أهملوا المساهمة العربية في المسرح وأرسلت نسخة من الكتاب إلى الواثق فحدثني عن رسالة بخط محمد عبد الحي من أكسفورد يقول له فيها إن أستاذي بدوي يستأذنك في الاطلاع على رسالتك في جامعة كمبردج وما تزال الرسالة في أوراق الواثق والمهم هنا أن جامعة كمبردج ممثلة في أحد أساتذتها وكذلك جامعة أكسفورد ما قاله الواثق ذات يوم وعوقب على ارتكابه  ونشروه في كتاب أعادوا فيه بالطبع كل ما أورده الواثق أعادوا إنتاجه! وآمل أن نصدر كتابا عن الواثق يتضمن هذا الجانب ولكن الأهم أن الواثق منتصر في موقفه التاريخي الذي أثخنه بالجراح، جراح البرئ المظلوم المدان بجريمة لم يرتكبها!
الأكاديمي:
سنختصر القول هنا باختصار في 3 جوانب:
1: أشرف الواثق على رسائل ماجستير ودكتوراة شتى، ميزتها الأساسية توفر عنصر المنهج المحكم فيها، تمتاز كلها بالرصانة وسداد التحليل والتناول وأمانة التوثيق ولنا نموذج متفوق في رسالتي عبد الله محمد أحمد، وقد اطلعت مؤخرا على رسائل سودانية لأساتذة ولهم أيضا بوصفهم مشرفين فكان أول الخلل هو التفريط في ضبط الهامش وإهمال التوثيق: تاريخ الطبع، البلد، الناشر الخ
2: منهج الواثق في التدريس جذاب ومؤثر ولكنه يعرف كيف يوصل حقائق العلم ويستعين بمناهج ىعلوم أخرى كالفلسفة وعلم النفس ولا يقتصر على نقل المعلومة واجترارها ولكنه يعنى بالتحليل وهو يكاد يدرس كل مواد اللغة العربية وآدابها بمستوى بارع. بدون شك نموذج حيوي للمحاضر الجيد والمدرس الجيد ( جيد هنا بمعناها في المعجم العربي) (ممتاز) أذكر هنا محاضرة عن التجاني قبل سنوات في دار اليونسكو، لا أحد يتفق معه في كل ما قال ولكن الإجماع منعقد على أنها محاضرة فريدة ومفيدة بما فيها من تحليل وتقليب ومقارنة وفروسية فكرية!
3: على مدى سنوات يلتقي طلاب القسم وأقسام أخرى في مكتب الواثق لمناقشة بحث ما كتبه أحدهم مرة كل أسبوع في مواضيع مختلفة مثل الفلسفة التي كان يقدم بحوثها وبكثرة عبد المتعال زين العابدين شيخ الفلسفة الآن في جامعة الخرطوم
والغريب ان كتابه المطبوع الوحيد كتبه باللغة الإنجليزية ووبأسلوب خاص ومتفرد!
ويتضح من المناقشة تعمق الواثق في دراسة الفلسفة الوجودية والوضعية المنطقية ولكن السمة الدائمة هي اتساع صدره للنقاش فمن المألوف أن يعبر طالب زغب الحواصل عن راي مناقض أو رافض لرأي الواثق فالأكتاف متساوية والبساط أحمدي
الرجل الوطني:
حين تصدى إبراهيم أحمد عمر لقيادة هبة شعبان 1973 وسط أساتذة جامعة الخرطوم توانى بعض أعضاء الاتجاه الإسلامي عن وضع يدهم في يده ولكن الواثق مضى إلى قيادة الهبة باسمه هو مثل عثمان دقنة في كرري ليس له راية كما قال شرشل ولكن اسمه أكبر من كل راية وصاغ المذكرة وطاف على الأساتذة يوقعون عليها وهزمت الهبة وسيق الواثق إلى كوبر حيث المشنقة محبسه ومبيته ومعه إبراهيم أحمد عمر ومن بعد حين جاء الترابيون إلى الحكم لم نر عندهم أي وفاء لتلك المواقف وغيرها من المواقف بل أحسنوا مكافأة من خذلوا الهبة والمذكرة مثل حسن عابدين الذي صيروه سفيرا في لندن وحين سيق الواثق إلى كوبر صار حسن عابدين في اليوم نفسه وزيرا في حكومة النميري وزير شؤون رئاسة الجمهورية! وهو شارك في صياغة المذكرة وفق ما رآم من تعديل ولكنه لم يوقع عليها باسمه الشريف!
هذا تاريخ يجب أن يقال اليوم!
ومن بعد على مدى عهد النميري وعلى مدى عهد الترابيين حرص الواثق على أن يظل مصونا من وضر الحكومتين الديكتاتوريتين!
المروءة:
باختصار الواثق على استعداد لأن يقدم المساعدة لك وإن أدت إلى أن تكون في وضع أفضل منه في كل النواحي وهو هنا يذكرك بقوله تعالى : يؤثرون على أنفسهم الآية وهذه في مفهوم الصوفية تسمى فضل الإنفاق على العسر: أن تقدم كل طعامك لشخص جائع وأنت أشد منه جوعا. أنا شاهد على ذلك وسأفصله في الكتاب ومن هذا البعد يبرز تدين الواثق وضميره المملوء بالعرفان والتوحيد ومكارم الأخلاق، سأظل أذكره دائما وهو صائم عاكف في مكتبه على مطالعة تفسير الطبري تحقيق محمود محمد شاكر بأجزائه. لم أسمعه يغتاب أحدا في مجلس بل كان يدافع عن المظلومين وهم غائبون ويدفع عنهم ويواجه من أجلهم ويطالب بإنصافهمز
ويبقى هنا هامش صغير عن الفضلى المربية الشامخة أم الأولاد وبنتيها بموائدها الحافلة وترحابها المبشر واستضافتها في الخرطوم وسبها ولا أعتبر غيابنا عن التشييع ومجالس العزاء تقصيرا ولكنه امتحان ومعاناة لأنه يعني الحرمان من شرف جم هنيئا لمن فازوا به، ذلك حديث مختصر عن صاحب المآثر حياه الغمام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////