عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لسنا دولة في أميركا اللاتينية أو في إفريقيا"، هكذا عبّر الرئيس التركي السابق، عبدالله غول، عن فشل محاولة انقلاب عسكري في تركيا فى ١٧ من شهر يوليو المنصرم والذى لم يدم سوى خمس ساعات. الانقلاب الفاشل - والآخر الناجح فى مصر - أعادا منطقتنا ومجتمعاتها الى اجواء حقبة تاريخية بدا وكأنها مضت الى غير رجعة ولكن من الواضح ان ذلك ليس سوى حلم ليلة صيفية. وكما نعلم فان بلادنا لا زالت داخل أتون انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩م والذى صار كابوسا يطبق بوقائعه وأحداثه على الجميع ابتداء من الذين صنعوه وانتهاءا بالذين تسلل الى جفونهم وقد أخذهم سلطان الكرى فى تلك الليلة.

فى يناير من عام ١٩٧٤م نشر الان ويلز بحثا معمقا فى دورية علم الاجتماع الامريكية American Journal of Sociology( المجلد ٧٩ رقم ٤ ) وحمل عنوان : الانقلاب العسكري فى النظرية والتطبيق - القارة السوداء فى
الستينات . حاول الان ويلز معالجة سؤال لماذا يقع الانقلاب العسكري ؟ ونظر فى حالة ٣٥ دولة أفريقية مستقلة بعد ذهاب ريح الحقبة الكونيالية . والمقصود بالانقلاب كما أوضح الاستيلاء على آلة الدولة الحكومية عن طريق القوة وقد لاحظ انه مع تصاعد وتيرة الانقلابات العسكرية ليس فى افريقيا وحدها بل وعدد كبير من دول العالم لا انه قل النظر اليها من زاوية الفعل الاجتماعي العضوى او التركيبات المجتمعية التى من المرجح ان تقع فيها وعوضا عن ذلك صوب النظر على آلية الانقلاب بعيدا عن الشروط الاجتماعية التى تؤدى او تسمح بوقوعه. وعلى سبيل المثال فقد توصل كروزيو مالابراتى الى فرضية ان اى حكومة هى عرضة الى وقوع الانقلاب وهذا الإحلال يعتمد على الخصائص الشخصية للنخبة الحاكمة وبعدالنظر التكتيكى للانقلابيين وهكذا بالنسبة اليه فان إيطاليا عام ١٩٢٠م كانت ناضجة لحالة الانقلاب العسكري غير انه لم بوجد القائد الذى يمتلك المقدرات اللازمة لتنفيذ الانقلاب . ومثال اخر مغاير فان الثورة البلشفية - التى عدها انقلابا ناجحا - بسبب من الملكات التكتيكية لتروتسكى . وقد تناول اخرون واضافوا أسباب اخرى الى مسالة التكتيك من بينها الفشل فى الجهاز الحكومى وضعف موءسسات المجتمع المدنى وتأزم الوضع الاقتصادى وتراجع الحالة المعيشية . ومن الواضح ان هناك ثلاث عوامل يؤدى توفرها الى وقوع الانقلاب العسكري وهى : هشاشة الحالة الاقتصادية وحراجة الأوضاع الاجتماعية وتركيبة الموءسسة العسكرية والاستعداد السيكولوجى للمشاركين فى التنفيذ وعلى وجه الخصوص من حيث المقدرات التكتيكية كما قدمت .
وعلى الرغم من خصوصية كل حالة انقلاب بين اى دولة واُخرى الا ان هناك سمات عامة تجمع بينها كما لاحظ الاستاذ منذر سليمان فى بحث نشر فى مارس من عام ٢٠١٠م وحمل عنوان :
الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي. وَمِمَّا جاء فيه : (
لقد تحول الجيش في معظم الدول العربية إلى العنصر الحاسم في ضمان استمرار الحكم و أضحت مهمته الرئيسية أمنية داخلية كرديف قوي للأجهزة الأمنية الداخلية الأخرى و تزايدت الحالات التي يتم فيها الاعتماد على الجيش في مهمات الأمن الداخلي لدرجة أن طبيعة تدريبه واختيار ثكناته و تمركز تشكيلاته مرهون بالهواجس الأمنية الداخلية وليس لهواجس المخاطر الخارجية مع بعض الاستثناءات في الدول التي لا تزال تحسب حساب المواجهة مع المشروع الصهيوني) . انتهى
واضاف ايضا : ( كي لا نقع في التعميم المخل هناك حالات من الانقلاب العسكري المباشر وغير المباشر قد جرت في عدة بلدان عربية في الفترة الماضية رغم أنها لم تحمل برمتها الطابع الكلاسيكي للانقلابات وتجدر الإشارة هنا إلى ما جرى في اليمن والسودان وفي تونس والجزائر دون أن ننسى ما تردد من أنباء عن محاولات فاشلة أخرى في عدة بلدان عربية خليجية. ويبقى الاتجاه الغالب في الساحة العربية هو استقرار الأنظمة التي نشأت في أحضان الانقلابات العسكرية وعدم انتقال العدوى للأنظمة الملكية التقليدية.
ويبدو أن الأنظمة الرئاسية (العسكرية أصلا) تمكنت من إتقان فنون البقاء في السلطة و منع الانقلابات عليها بتضافر عوامل عديدة أبرزها:
- تكوين ميليشياتها الخاصة تحت مسميات الحرس الجمهوري أو الوطني أو القوات الخاصة، وربطها بشبكة من العلاقات العائلية أو القبلية و منحها صلاحيات واسعة لحماية النظام مما جعلها عنصر موازنة مع الجيش الرسمي الذي تمسكه بيد من حديد عبر المغريات أو المناقلات المفاجئة لكبار الضباط أو الترقيات والإقالات وحتى التصفيات. ومارست الأنظمة الملكية التقليدية سياسة موازية لمثيلاتها في تكوين الحرس الوطني أو الأميري وأخضعته أيضا لشبكة الولاءات العائلية والقبلية وجعلته منافسا طبيعيا للجيش، وكانت أكثر اقتدارا في السخاء عليه.
- في ظل غياب السعي الجدي لبناء مؤسسات المجتمع المدني، تحولت المؤسسة العسكرية إلى أهم قطاعات الدولة وأوسعها حجما، والمتلقي للقسط الرئيسي من الميزانية السنوية للإنفاق الحكومي بحجة الإعداد للمواجهة مع المشروع الصهيوني. ورعت السلطة أفراد المؤسسة العسكرية عبر الإنفاق غير العادي بمنح الزيادات المتكررة في الرواتب وتقديم التعويضات والخدمات وتسهيلات الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية والسكنية وغيرها من المنافع التي ربطت الأفراد وعائلاتهم وجيش المتقاعدين في شبكة المصالح المشتركة، وهكذا تحولت الدولة إلى دولة الرفاه والرعاية الاجتماعية والاقتصادية للقوات المسلحة ومتقاعديها الذين يضمنون مداخيلهم ومنافعهم مدى الحياة طالما أن النظام قادر على توفيرها وفي المقابل يضمن النظام ولاءهم) . انتهى
ولا يغيبن عنا ايضا العامل الخارجى دولة او ايدلوجية فى تشجيع فكرة الانقلاب العسكري ودعمه بكل الوسائل لضمان نجاحه وقد كان حاسما وشديد السفور خلال الحقبة الماضية لكنه أخذ فى التضاؤل فى عصر العولمة وان لم لم يخفت تماما كما لاحظ الاستاذ منذر :
( انعدام الحاجة لدى الأطراف الخارجية الدولية بالتخطيط أو العمل على إحداث انقلابات عسكرية كوسيلة مفضلة للإتيان بأنظمة حكم متعاونة أو تابعة لها. إذ أن التحولات الدولية والإقليمية أسهمت في جعل العديد من أنظمة الحكم في العالم العربي تتعاون بصورة طوعية معها. وتضمن عدم تعرض مصالحها للخطر). انتهى
وغنى عن القول ان ثمن الانقلاب العسكري يبقى باهظا تدفعه الشعوب كما يقول ج. كامبل و أ. هاردود فى مقال مشترك نشرته بروجكت سينديكيت بتاريخ ٢٠ يونيو ٢٠١٠ م : ( صناع الانقلابات الناجحين يتعهدون بانتظام باستعادة الحكم الديمقراطي، وفي بعض الأحيان يفون بتعهداتهم. غير أن الانقلابات، سواء كانت عنيفة أو سلمية، تشكل نقيض المؤسسات الديمقراطية، والحكم العسكري قد يدوم لفترات طويلة. ولقد خضعت نيجريا لما يقرب من خمسة عشر عاماً من الحكم العسكري، على الرغم من التعهدات المتكررة ـ من قِبَل ثلاثة حكام مستبدين متعاقبين ـ باستعادة الحكم الديمقراطي. وإلى أن تصبح الحكومات ـ وأهل النخبة الذين يدعمون هذه الحكومات ويستفيدون منها ـ مستعدة للالتزام بالديمقراطية، والحكم الراشد وحكم القانون، وإلى أن تصبح هذه الحكومات مسؤولة أمام شعوبها، فإن الانقلابات سوف تظل تشكل خياراً قائما. والواقع أن مجرد وجود ذلك الاحتمال طيلة العامين الماضيين كان بمثابة انتكاسة للتطور الديمقراطي في أفريقيا) . انتهى
قد نعلم ان قدرا كبيرا من المقدرة على احداث التغيير والوصول الى تحقيق الحرية والعدالة والمساواة إنما يقع بالفهم الصحيح لما جرى فى بلادنا أمس لنوءسس بوعى للحاضر وامل فى المستقبل .